حسيت بحاجه اوحش

لمحة نيوز

حسّيت بحاجة أوحش من الغضب…
قرف.
لأنها كانت بتعملها تاني.
بتستخدم الذنب زي السلاسل.
طنط أمينة قربت وقالت بحزم:
"ما تلمسيهاش كده."
أمي سحبت إيدها وبصّت لها بحدة:
"إنتِ مالك يا أمينة؟ دي بنتي، وهترجع البيت."
قلت وأنا باصّة في عينيها:
"أنا مش عفش عشان تجرّيني وترجعيني."
صوتي طلع أقوى مما كنت متوقعة.
الدنيا سكتت.
أمي بصّتلي كأني ضربتها بالقلم.
"إنتِ قولتي إيه؟"
خدت نفس عميق.
"أنا مش راجعة."
وشها اتغيّر في ثانية.
القناع اتكسر.
واللي بان كان غضب عاري… خطير.
مدّت إيدها في شنطتها وطلّعت ورقة مطوية.
وقالت ببرود:
"لا، راجعة. لأن لو فكرتي تتكلمي عن اللي بيحصل في البيت… أنا كمان أقدر أتكلم عن اللي لقيته متخبي في كشكولك."
دمي اتجمّد.
عرفت الورقة فورًا.
خطّي.
السر اللي كتبته في ليلة وأنا بعيّط.
الحقيقة الوحيدة اللي ممكن تدمّر كل حاجة.
الظابطة قربت خطوة:
"إيه الورقة دي؟"
أمي غيّرت نبرتها في لحظة—
بقت ضعيفة، مهزوزة.
"دي بتكتب هلاوس. بتخترع حاجات لما تتعصب."
ساعتها حسّيت بالخوف الحقيقي.
مش من الورقة…
من اللي كانت بتعمله.
كانت

بتحاول تبانّي إني مش مستقرة.
مش موثوقة.
مجنونة.
قلت بثبات:
"هاتيها."
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"عشان تخبيها إنتِ كمان؟"
طنط أمينة وقفت جنبي:
"ما ينفعش تبتزيها بكده."
الظابطة مدت إيدها:
"من فضلك يا مدام، الورقة."
أمي ترددت لحظة.
واللحظة دي قالت كل حاجة.
وبعدين سلّمتها.
الظابطة قرأت.
وبعدين الظابط التاني قرب وبص.
ولا واحد فيهم اتكلم.
السكوت كان أوحش من الزعيق.
طنط أمينة همستلي:
"إنتِ كاتبة إيه؟"
ما عرفتش أرد.
الظابطة بصّتلي نظرة مختلفة.
مش نظرة بنت هربانة…
نظرة واحدة أخيرًا حد سامعها.
"اللي مكتوب ده حقيقي؟" سألتني.
أمي دخلت بسرعة:
"طبعًا لأ! هي بتكبر المواضيع—"
"ما سألتِكِيش." قالتها الظابطة بحدة.
أول مرة… أمي تسكت.
قلبي كان بيدق جامد.
هزّيت راسي:
"أيوه."
في الورقة دي، كنت كاتبة تلات حاجات:
إنّي بربي إخواتي من سنين،
عشان أمي بتقضي ساعات نايمة أو قدّام التلفزيون.
وإن أبويا كان عارف…
وقالّي: "استحملي."
والتالتة…
اللي غيّرت كل حاجة.
كتبت إني سمعت أمي وهي بتقول لجارتنا وأنا عندي 14 سنة:
"طالما فاطمة موجودة، مش محتاجة أدفع
لبيبي سيتر."
الحقيقة دي كسرتني.
الموضوع ما كانش تعب وبس.
ولا فقر.
ده كان استغلال.
طفولتي اتحولت شغل من غير أجر.
حياتي بقت أرخص من مربية.
الظابط بصّ لأمي:
"عندك كام طفل؟"
"ستة… وواحد جاي."
"ومين اللي بيرعاهم؟"
أمي سكتت.
ولا كلمة.
طنط أمينة اتكلمت:
"فاطمة. بقالها سنين."
أمي حاولت تزعق… بس خلاص.
الحقيقة خرجت.
وبعد شوية، عربية شرطة تانية وصلت.
وأول مرة… أمي باين عليها الخوف.
الظابط قال بهدوء:
"النهارده البنت مش هترجع معاكي."
"إزاي؟ دي بنتي!"
"وهي قالت إنها مش آمنة ومحمّلة فوق طاقتها. وهنتواصل مع الشؤون الاجتماعية."
أمي انهارت—
يمكن بجد… يمكن تمثيل.
"هي سابتني!" صرخت.
الكلمة وجعتني.
لأنها كانت بالظبط اللي عملته فيّ…
بس من غير اسم.
وبعدين أبويا وصل.
جزمة متوسخة.
وشّ تعبان.
كان متضايق.
"يا فاطمة، كل ده ليه؟"
الإحساس بالذنب حاول يرجع تاني.
قلت بهدوء:
"عشان حد يسمعني."
الظابط قال له:
"بنتك بتقول إنها مسؤولة عن إخواتها من سنين."
مسح وشه.
ولحظة حسّيت إنه هينكر.
بس شاف الورقة.
خطّي.
وشيء اتغير.
كسوف.
تقيل… واضح.
"ده حقيقي؟
" سألته الظابطة.
بصّ في الأرض.
وقال واطي:
"أيوه."
أمي اتجمدت.
"يعني معترف إنها شايلة أكتر من طاقتها؟"
"…أيوه."
"جبان!" صرخت أمي.
بس كان فات الأوان.
الليلة دي…
نمت عند طنط أمينة.
نمت 12 ساعة متواصلين.
من غير عيال بتعيّط.
ولا ببرونات.
ولا أطباق مستنياني.
بس شمس داخلة من الشباك.
وريحة بيض بيتقلي في المطبخ.
عيّطت لما صحيت.
مش من حزن…
من الراحة.
جسمي ما كانش فاهم يعني إيه راحة.
الأسابيع اللي بعد كده عدّت بسرعة—
أخصائيين اجتماعيين،
اجتماعات مدرسة،
ناس بتشهد.
مدرسيني أكدوا إني دايمًا مرهقة.
الناس شافوني وأنا بربي العيال.
أهلي حاولوا يدافعوا عن نفسهم.
بس الحقيقة بقى لها شهود.
وده غيّر كل حاجة.
ما رجعتش.
فضلت مع طنط أمينة.
رجعت أذاكر بجد.
أنام.
أعيش.
افتكرت يعني إيه أكون مراهقة.
إخواتي وحشوني.
وده كان أصعب حاجة.
لأني ما سبتهمش عشان ما بحبهمش.
سِبت… عشان كنت بغرق.
أمي عمرها ما اعتذرت.
ولا مرة.
وأحيانًا بتبصلي كأني خنت حاجة مقدسة.
بس أنا ما بقيتش أترعش.
عشان عرفت الحقيقة.
أنا ما خنتش عيلتي.
أنا خنت الدور اللي فرضوه عليّا.

وده مش نفس الشيء.
في عيد ميلادي الـ17، تمنّيت أمنية واحدة.
مش فلوس.
ولا انتقام.
بس حاجة واحدة…
إني ما أنساش تاني—
إني كنت لسه طفلة.
وإن محدش كان من حقه
يحوّلني لأم قبل وقتي.

تم نسخ الرابط