بوابه سجن القناطر
الجزء التاني
بوابة سجن القناطر قفلت ورا سلمى حسن بصوت حديد تقيل يخوّف.
ريحة كلور رخيص ورطوبة قلبت معدتها.
حدفوها في زنزانة ضيّقة، فيها ست كبيرة في السن، وشّها مليان آثار جروح، قاعدة على السرير اللي تحت وبتبصلها بنظرة فاحصة.
«إنتِ بقى البنت اللي شاغلة البلد؟
اللي وقفت قدّام القاضية؟»
قالت الست، الحاجة فتحية، بابتسامة من غير سنان.
«كلنا هنا مكسورين يا بنتي… بس بيقولوا إنك وقفتي قدّام حوت تقيل.
عندك قلب جامد.»
سلمى رمت نفسها على المرتبة الناشفة.
«أنا مش مشهورة ولا حاجة يا حاجة فتحية.
أنا بس زهقت إن الأغنيا فاكرين نفسهم يقدروا يدوسوا علينا.
عمي عايز يسرق شغلي ويدخلني السجن، بس عشان معيش شهادة من جامعة غالية.»
الحاجة فتحية قربت منها:
«طب قوليلي بقى…
إنتِ بجد بتتكلمي كل اللغات دي؟»
سلمى هزّت راسها وهي باصة في السقف المتشقق.
«11 لغة كمان.
ستي أم حسن كانت شغالة خدامة في بيوت دبلوماسيين في الزمالك طول عمرها.»
غمضت عينيها وهي بتفتكر:
«وأنا صغيرة كنت بقعد مع عيالهم…
ألمان، صينيين، روس، عرب، أجانب من كل حتة.
مش دروس… دي كانت حياتي.
اتعلمت
تاني يوم، عسكري نده اسمها.
«سلمى حسن… ليكي زيارة.»
راحت وهي فاكرة إنها محاميتها،
لكن الدم نشّف في عروقها.
ورا الإزاز كان حسام حسن…
بدلته مظبوطة، وابتسامة مستفزة.
«شكلك وحش قوي يا سلمى»،
قال وهو ماسك التليفون.
«جاي أقدملك حل.
اعترفي.
خمس سنين سجن، بحسن سلوك تطلعي في سنتين.
وتمضيلي على ورق تتنازلي فيه عن كل عملائك،
وأنا أبعِتلك فلوس كل شهر هنا…
فكّري بعقل.»
سلمى عصرت السماعة لحد ما صوابعها وجعتها.
«إنت اللي بلغت عني.
إنت عارف إن شغلي مظبوط.
عملت كده عشان أخدت عقد المستثمرين الصينيين.
إنت جبان.»
وش حسام قلب.
«الشغل مش للغلابه يا سلمى.
أنا معايا الاسم، والمعارف،
والقاضية منى الشناوي في جيبي.
حتى لو بتتكلمي 100 لغة،
محدش هيصدق خدامة من غير شهادة.
يا تمضي… يا تتعفني هنا.»
سلمى قفلت السكة في وشه.
«أفضل أتعفن.»
كان عندها 48 ساعة.
قعدت في الزنزانة تراجع في دماغها كل المصطلحات الطبية والقانونية اللي شافتها طول عمرها.
قسمت إنها المرة دي…
مش هتسكت.
يوم الجلسة وصل.
المحكمة كانت أزحم من الأول.
كاميرات، صحافة،
في الصف الأول قاعدين 10 دكاترة جامعة،
مستنيين يكسروها.
القاضية منى خبطت بالمطرقة:
«نبدأ المهزلة دي.»
أول خبير… صيني.
اداها تقرير طبي معقّد عن جراحة مخ وأعصاب،
وابتدى يكلمها بصيني سريع يخوّف.
سلمى بصّت في الورق،
وأجابت فورًا…
صيني نضيف، سَلِس، مظبوط.
الخبير وقعت القلم من إيده.
قالت بهدوء:
«اتعلمته مع عيلة السفير تشين في الزمالك.
الطب الصيني فيه مفاهيم ما تتترجمش حرفيًا.»
همهمة في القاعة.
القاضية اتلخبطت.
الخبير التاني… ألماني.
عقد صناعي مليان مصطلحات قانونية.
سلمى قرأته،
وبالألماني نفسه صحّحت له غلطة في بند محدش واخد باله منها.
«مهندسين مصانع العربيات في 6 أكتوبر
كانوا بيدّوا ستي الكتيبات القديمة»،
قالت بابتسامة.
واحد ورا التاني:
عربي، فرنسي، روسي، إيطالي، برتغالي، ياباني…
سلمى كانت بتتكلم وتشرح اللهجات والسياق كأنها أستاذة جامعة.
حسام كان بيتصبّب عرق.
بيظبط الكرافتة ويبص للقاضية برعب.
وأخيرًا…
خبير اللغة العبرية.
سلّمها ملف.
سلمى بصّت فيه…
وفجأة ابتسامة باردة طلعت على وشّها.
«أنا عارفة الملف ده كويس»،
قالت بصوت عالي.
«ده عقد دمج دولي لشركة طاقة،
اللي مكتب عمي كسبه بـ50 مليون جنيه.»
حسام صرخ:
«إنتِ عرفتي منين؟!»
سلمى كمّلت:
«لأن مكتبك نصّاب.
إنت ما عندكش مترجمين عبري معتمدين.
من 3 شهور نزلت الشغل ده على موقع شغل حر.»
رفعت الملف قدّام الكاميرات:
«أنا اللي ترجمته باسم مستعار
(كارمن)…
على اسم ستي.
اخدت 3 آلاف جنيه،
وإنت قبضت ملايين.»
وسكتت ثانية…
وبعدين قالت:
«بس ده مش الأسوأ.
العقد فيه بند مخفي لغسيل أموال
عن طريق شركات وهمية.»
حسام فقد أعصابه:
«اسكتيها!»
العساكر مسكوه.
القاضية كانت بتترعش.
«المحامية عبير معاها دلوقتي
الإيميلات،
الإيصالات،
وعناوين الـIP
اللي تثبت إن مكتب حسام حسن
واجهة لغسيل أموال.»
وبصّت للقاضية:
«لسه شايفاني بنت بتعمل سيرك؟»
بعد ساعات…
حسام حسن خرج من المحكمة مكبّل،
رايح على سجن شديد الحراسة.
القاضية منى الشناوي اتوقفت عن الشغل
وتحوّلت للتحقيق.
سلمى خرجت للشمس.
الهوا حسّته لأول مرة… حرية.
ناس كتير مستنياها،
تصفيق، هتاف، دموع.
سفارات ومنظمات دولية
بتعرض عليها عقود مباشرة.
رفعت راسها للسما،
وافتكرت إيدين ستي
المشققة
سلمى انتصرت…
على الفساد،
وعلى دم خانها،
وعلى مجتمع بيحكم بالشكل.
وأثبتت إن الموهبة الحقيقية
ما تتحبسش أبداً.