حكايه وفاء

لمحة نيوز

خرجت وفاء من المستشفى وهي حاسة إن الأرض تحت رجليها بقت صلبة لأول مرة مش لأنها ارتاحت، لكن لأنها أخيرًا فهمت كل حاجة. ركبت عربيتها وساقت من غير ما تحدد طريق، لحد ما وقفت قدام البنك. نزلت بخطوات ثابتة، وشها هادي بشكل يخوف، وطلبت تقابل مدير الفرع.
خلال ساعة واحدة بس، كانت سحبت كل فلوسها مش بس الحساب الجاري، لكن كمان الشهادات والاستثمارات. كل جنيه كانت حطاه بإسمها اتحول لكاش في إيدها أو اتحول لحساب تاني محدش يعرف عنه حاجة. خرجت وهي شايلة شنطة تقيلة، بس قلبها كان أخف من الهوا.
رجعت البيت قبلهم، دخلت أوضتها وقعدت قدام المراية تبص لنفسها. لأول مرة، ما شافتش واحدة مكسورة شافت واحدة جديدة خالص. قامت وفتحت الدولاب، طلعت هدومها بهدوء، ولمّت كل حاجتها الشخصية. كل صورة ليهم سوا، كل ذكرى، كل تفصيلة اتحطت في كرتونة واتقفلت.
بعدها، اتصلت بمحامي شاطر جدًا، وحددت معاه كل حاجة إجراءات قانونية، نقل ملكيات، حماية أموالها كل خطوة محسوبة بدقة.
يوم السبوع جه.
البيت كان متزين، والناس جاية تبارك وتضحك، وأمها واقفة تستقبل الضيوف كأنها ملكة، وسارة لابسة ومبسوطة، وكريم بيتحرك

وسط الناس بثقة غريبة.
وفجأة الباب اتفتح.
وفاء دخلت.
الكل سكت.
كانت لابسة أبيض بسيط، وشها هادي، وعينيها ثابتة. مشيت لحد النص، والأنظار كلها عليها.
أمها حاولت تبتسم وقالت
حبيبتي! جيتي بدري كده؟
وفاء بصت لها من غير أي تعبير، وبعدين بصت لكل الموجودين وقالت بصوت واضح
أنا جاية أبارك بس مش زي ما أنتم فاهمين.
الهمهمة بدأت تعلى، وكريم قرب منها وقال بنبرة متوترة
وفاء تعالي نتكلم جوه.
رفعت إيدها بهدوء
خليك مكانك. الكلام ده لازم يتقال قدام الكل.
وبعدين طلعت ظرف كبير من شنطتها، وبدأت توزع أوراق على الحاضرين الكبار واحد واحد.
الناس بدأت تقرأ والوشوش اتغيرت.
واحد ورا التاني، الصمت بقى تقيل.
كريم خطف ورقة وقراها لونه اتسحب فجأة.
سارة مسكت ورقتها بإيد بترتعش وعينيها وسعت.
الأوراق كانت عبارة عن مستندات رسمية تثبت إن وفاء نقلت كل ممتلكاتها وأموالها، ورفعت دعوى قانونية، وكل حاجة بقت مؤمنة ضد أي تصرف منهم.
وفاء ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
أنا كنت دايمًا بدفع وبدي وبسكت. النهاردة لأ.
بصت حواليها للناس
كل حاجة كانت بإسمي واتسحبت. البيت ده كمان هيتباع خلال أيام.
شهقة طلعت
من أكتر من حد.
أمها قربت منها وقالت بصوت مكسور
إنتي بتعملي كده ليه؟ إحنا أهلك!
وفاء بصت لها نظرة طويلة وقالت بهدوء مرعب
الأهل بيبقوا سند مش عبء.
كريم حاول يتكلم، لكن صوته خرج ضعيف
إنتي مش فاهمة
قاطعتُه
أنا فاهمة كل حاجة ومتأخرة كمان.
سارة دموعها نزلت، بس وفاء ما بصتلهاش حتى.
لفت وشها ناحية الباب وقالت
الحفلة دي خلصت بالنسبة لي.
ومشيت.
ولا حد قدر يوقفها.
ولا حد قدر ينطق.
وفي اللحظة دي كل واحد فيهم فهم إن اللعبة انتهت وإن وفاء اللي كانوا فاكرينها أضعفهم، كانت في الحقيقة أقواهم كلهم.
القصة الثانية 
زوجي سخر مني لسنوات لأنني لا أفعل شيئًا لكن بعد أن انهرت وتركت له أربع كلمات فقط، اضطر أخيرًا لمواجهة الحقيقة
أنا الآن في السادسة والثلاثين، ومن الخارج تبدو حياتي مثالية.
شقة من أربع غرف. طفلان مليئان بالحيوية. زوج يعمل في مجال الألعاب ويتقاضى راتبًا مرتفعًا. نوافذ نظيفة، عشب مُهذّب، وصور عائلية مبتسمة على الجدران. ذلك النوع من الحياة الذي يظنه الناس سهلًا.
لكن الحقيقة أنني قضيت سنوات أشعر وكأنني أختفي ببطء داخل منزلي.
مارك لم يضربني أبدًا. هذا ما
كنت أقوله لنفسي كلما جرحتني كلماته. لم يكن عنيفًافقط حادًا، سريع الغضب، ومقتنعًا دائمًا أن المشكلة فيّ.
كل صباح يبدأ بنفس الطريقة انتقاد. وكل مساء ينتهي بنفس الطريقة تذكير جديد بأنني لست كافية.
والأسوأ أن الأسباب كانت تافهة جدًا.
إذا لم يكن العشاء ساخنًا بما يكفي، فأنا كسولة.
إذا لم يُطوَ الغسيل بإتقان، فأنا مهملة.
إذا كان الأولاد صاخبين، فأنا أم فاشلة.
لكن أكثر ما كان يهوَس به هو قميص أبيض واحد.
كان يسميه قميصي المميز، وكأنه شيء مقدس. إذا لم يكن معلّقًا في مكانه بالضبط، كان المنزل كله يدفع الثمن.
كنت أقول لنفسي إن الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد.
كنت أقول إنني أستطيع تحمّله.
إلى أن جاء ذلك الصباح الذي انهار فيه كل شيء.
اليوم الذي استسلم فيه جسدي قبلي
كنت أشعر بالمرض منذ أيام.
دوار. ضعف. غثيان. إرهاق لا يزول بالنوم.
ظننت أنها مجرد إنفلونزا. والأمهات لا يملكن رفاهية الانهيار، لذا واصلتأحضّر وجبات المدرسة، أنظف الفتات، وأمنع الأولاد من الشجار.
ذلك الثلاثاء، حتى أنني أعددت فطائر بالفراولة، على أمل أن يتحسن مزاج مارك ولو قليلاً.
عندما دخل المطبخ، ابتسم
الأولاد
صباح الخير يا أبي!
لم يرد. أخذ قطعة خبز وغادر دون
 

تم نسخ الرابط