روايه كامله

لمحة نيوز

لمت بواقي الأكل من على الترابيزة وحطّتهم في طبق ورمته علي صدري

في أول لحظة شافتني فيها نرمين، ضحكت وهي لسه بتاكل.
وفي تاني لحظة، لمّت بواقي الأكل من على الترابيزة وحطّتهم في طبق ورق وزقّته في صدري… كأني لسه البنت الغلبانة اللي كانت بتاكل لوحدها ورا المدرسة.

قالت بصوت عالي يخلي كل اللي في القاعة يسمعوا:
— اتفضلي… عشان نفتكر الأيام الحلوة.

شوية سلطة وقعوا على فستاني الأسود، وعظمة فرخة خبطت في دراعي. حواليّ، زمايل الدراسة بصّوا ناحيتي… نفس النظرات القديمة، نفس الشماتة الرخيصة اللي عمري ما نسيتها.

وفجأة… عشر سنين اختفوا.

رجعت بنت عندها 16 سنة، واقفة في كافتيريا المدرسة واللبن نازل على شعري، بعد ما نرمين مسكت دفتري الشخصي وقعدت تقرأ أسراري قدام المدرسة كلها بمايك المسرح.

وقتها كانت بتقول وهي بتضحك:
— دي فاكرة إنها هتبقى حاجة مهمة في يوم من الأيام… ندى سالم فاكرة إن الناس اللي زينا ممكن يشتغلوا عندها!

والكل كان بيضحك.

أمي كانت متوفية في نفس السنة… وأبويا غرقان في حزنه وسكوته. كنت بكتب أحلامي في الدفتر لأن الورق كان المكان الوحيد اللي ماكانش بيسخر مني.

دلوقتي نرمين واقفة قدامي… لابسة حرير أحمر وألماس، وابتسامتها كلها غرور فلوس. جوزها كريم واقف وراها يبص في ساعته الذهب، وصحباتها بيصوروا بالموبايلات.

قالت وهي بتقرب

مني:
— ساكتة ليه؟ لسه ضعيفة زي زمان؟

بصّيت للطبق… وبعدين بصّيت لها.

وقلت بهدوء:
— إنتِ مش عارفاني، صح؟

رفعت حاجبها وقالت بسخرية:
— المفروض أعرفك يعني؟

كنت هبتسم.

فوقينا لافتة كبيرة مكتوب عليها:
"حفلة دفعة 2016 — مدرسة النيل الثانوية"

القاعة كلها فخامة مزيفة: نجف ضخم، وكاسات شامبانيا، وصور رعاة الحفلة في كل مكان. واضح إن شركة "ڤال العقارية" بتاعة عيلتها دفعت نص تكاليف الحفلة.

وأنا أصلاً ماجتش عشان الذكريات…

أنا جيت لهدف تاني خالص.

نرمين قربت أكتر وقالت:
— قوليلي بقى… شغالة في الضيافة؟ ولا تبع التنضيف؟ عادي يعني، الشغل مش عيب.

الضحك زاد حوالينا… ضحك ناس مستنيين أي فرصة يهينوا حد.

حطّيت الطبق بهدوء على الترابيزة.

وبطء طلعت كارت من جيب الجاكيت.

نرمين ضحكت وقالت:
— إيه ده؟ كوبون خصم؟

حطّيت الكارت وسط الأكل.

كارت أبيض بسيط… عليه اسم واحد بس.

عينها نزلت على الاسم…

وفجأة وشها اتغيّر.

وقلت لها بصوت واطي جدًا:
— اقري الاسم يا نرمين.

ابتسامتها بدأت تختفي.

وقلت وأنا ببصلها بثبات:
— معاكي 30 ثانية قبل ما جوزك يعرف أنا جاية هنا ليه… 👇
​ارتجفت إيد نرمين وهي بتمسك الكارت اللي غرقان في مية السلطة.. قرأت الاسم بصوت مهزوز: "ندى سالم.. المستشار القانوني لقطاع تصفية الأصول - بنك الائتمان الدولي".

​رفعت عينها ليّ وهي

مش فاهمة، بس ملامح وشها بدأت تفقد لونها.

قلت لها بابتسامة باردة وأنا بمسح بقعة السلطة من على فستاني بمنديل ورقي:

— عيلة "الوالي" مش بس دفعت نص تكاليف الحفلة يا نرمين.. عيلة الوالي باعت "ڤال العقارية" للبنك اللي أنا بوزّع أصوله دلوقتي.. لإن باباكي الله يرحمه ساب ديون أكبر من الألماظ اللي إنتِ لابساه ده.

​نرمين ضحكت بذهول عصبي:

— إنتِ هبلة؟ إنتِ عارفة أنا مين؟ كريم.. قولي لها إحنا مين!

​كريم ما ردش.. كريم كان بيبص للكارت وبيرجع يبص لي بزهول، لونه بقى أصفر ووشه جاب مية.

قربت منه خطوة واحدة وقلت له:

— أهلاً يا باشمهندس كريم.. طبعاً إنت عارف إن توقيعك على شيكات الضمان هو اللي مخلينا نأجل الحجز التنفيذي على "الفيلا" لحد بكرة الصبح.. بس الحقيقة أنا جيت النهاردة لسبب تاني خالص غير الشغل.

​القاعة كلها سكتت.. الموبايلات اللي كانت بتصور "الفضيحة" فضلت شغالة، بس المرة دي بتصور انكسار "نرمين".

​بصيت لنرمين وقلت بصوت واطي وواضح:

— فاكرة الدفتر يا نرمين؟ اللي قريتيه في المايك؟ كنت كاتبة فيه إني نفسي أهزم الناس اللي زيك.. يومها قلتي إن الناس اللي زيك "مستحيل يشتغلوا عندي".. والحقيقة إنتِ كان عندك حق.. إنتِ فعلاً مش هتشتغلي عندي.. إنتِ "هتطلبي" مني أمضي لك على موافقة لجدولة ديونك عشان متترميش في الشارع إنتِ وجوزك.

​نرمين

صرخت بهستيريا:

— إنتِ كدابة! دي تمثيلية!

​طلعت موبايلي وفتحت ملف.. وحطيته قدام عينها.

صورة طبق الأصل من قرار "الحجز التحفظي" وصورتي الشخصية تحت صفة "المفوض الرسمي".

​وقفت نرمين مذهولة، وبصت لكريم اللي وطى راسه في الأرض وقال بضعف:

— نرمين.. اسكتي.. دي اللي في إيدها تسحب البلاغ الصبح.

​في اللحظة دي، القاعة كلها اتقلبت.. الضحك اللي كان عليا اتحول لوشوشات وشماتة بس المرة دي فيها هي.. أصحابها اللي كانوا بيصوروا بدأوا ينسحبوا واحدة ورا التانية، وكأن المركب الغرقانة مابقتش تلزمهم.

​أخدت الطبق الورق اللي هي رمت فيه بواقي الأكل، ومسكت عظمة الفرخة اللي خبطت في كتفي، وحطيتها في نص الكارت.. وقلت لها:

— الأيام الحلوة اللي كنتِ عايزة تفتكريها.. أنا قفلت حسابها النهاردة. البواقي دي هي كل اللي فاضل من "مملكة الوالي".. خليهم معاكي، يمكن تحتاجيهم وإنتِ بتدوري على سكن جديد.

​مشيت وسط القاعة.. الفستان الأسود اللي كان عليه بقعة سلطة، كان باين في اللحظة دي أغلى وأشيك من كل الحرير الأحمر اللي في المكان.

​وعند الباب، وقفت وبصيت لدفعة 2016 كلها وقلت:

— ندى سالم اللي كانت بتاكل لوحدها ورا المدرسة، هي اللي هتمضي على قرار إخلاء بيوتكم بكرة.. الحفلة خلصت.

​خرجت للهواء البارد، رفعت راسي للسما وابتسمت.. لأول مرة من عشر سنين، حسيت إن

"الدفتر" اتقفل للأبد، وإن بابا لو كان شايفني دلوقتي، كان هيعرف إن "سما" ما بقتش غلبانة.. سما بقت هي اللي بتكتب النهاية.

تم نسخ الرابط