بائع الذره بقلم منـي الـسـيد 

لمحة نيوز

أول ركلة مجاتش بس في ضلوعه؛ دي نهشت، قدام الكل، اللي فاضل من كرامته اللي كان لسه محافظ عليها في ركن الشارع ده. بقلم منـي الـسـيد 
عم إسماعيل وقع على ركبه جنب عربية الدرة بتاعته، والبخار لسه طالع من القدرة كأن الليل مش فاهم إن في حاجة مقدسة لسه مكسورة حالاََ. رصيف الشارع المبلول خربش إيده، وواحد من العيال شد المريلة بتاعته بعنف "سهل" لدرجة تخليك تحس إنه اتدرب على الحركة دي طول عمره. واحد تاني قلب صينية الليمون والملح على الأسفلت بابتسامة باهتة ومملة، وحبات الدرة بدأت تجري وسط برك المية تحت نور العواميد الأصفر. متوفرة على روايات و اقتباسات فوق، من ورا الشبابيك المواربة، الجيران كانوا بيبصوا وهما ساكتين، متثبتين ورا الشيش والحديد، وكأن الجبن الجماعي بقى له شكل معماري في الشارع ده. "قولنالك يا كِبر، مفيش حد هنا بياكل لقمة ببلاش"، واحد فيهم تف الكلمة دي بقررف. وفجأة، أول ما التالت رفع إيده بحاجة تقيلة، شق سكون الشارع صوت زئير مكنة (موتوسيكل).. صوت خشن قطع المشهد نصين. مين اللي يتجرأ ييجي متأخر

كدة.. ويقلب الموازين كلها؟
حكاية راجل مبيعرفش يطاطي
عم إسماعيل مكنش راجل بتاع خناق.
وعنده أربعة وسبعين سنة، جسمه بقى عبارة عن سلسلة من التنازلات الصغيرة: ركبة بتطقطق مع كل رصيف يطلعه، ضهر محني لقدام، وصوابع ورمت من سنين شيل القدور وزق العربية وعد الفكة. بس كان فيه حاجة جواه رافضة تتني. مكنش كبرياء عالي وصاخب، كانت حاجة تانية: كرامة قديمة وصامتة، كرامة الرجالة اللي مبيعرفوش يقولوا خطب رنانة، بس بيصحوا قبل الفجر لأنهم ميعرفوش يعيشوا الدنيا غير كدة.
بينزل يبيع درة مشوي ومسلوق في الحي ده في القاهرة من خمسة وعشرين سنة. متوفرة على روايات و اقتباسات 
الناس حفظته من صوت المنادي بتاعه، من ريحة الدرة بالزبدة اللي بتملى الشوارع مع الغروب، ومن طريقته وهو بيحط الشطة للأطفال بجدية مضحكة، كأنه بياخد قرار سيادي. شاف نص عيال الحارة وهما بيكبروا. ياما "نوت" كوبايات لأمهات معهمش فكة، وياما وزع درة لشباب رفيعين كانوا بيعملوا نفسهم مش جعانين، وكان بيحط مناديل زيادة للستات اللي بيقعدوا يحكوله همومهم وهم بيقلبوا
الدرة بالخشبية الصغيرة.
بين الرضا.. والبلطجة
عمره ما كان غني، ولا فكر يبقى غني.
كل حلمه يخلص يومه والقدرة فاضية، ومعاه قرشين يدفع بيهم إيجار الأوضة، وعلاجات الضغط، وشوية لحمة مفرومة يوم الأحد. مراته "عفاف" ماتت من ثمان سنين، وأخدت معاها الحضن الوحيد اللي كان إسماعيل بيقدر يرمي فيه تعبه من غير ما يحس بكسرة. ومن وقتها، حياته بقت خط رفيع: شغل، عد فكة، ورجوع لأوضة مفيهاش غير راديو صغير وصورة متبروزة بدأت تصفر من شمس الشباك.
أول مرة طلبوا منه "إتاوة"، افتكرها نكتة بايخة. متوفرة على روايات و اقتباسات 
اتنين شباب قربوا منه في ليلة من ليالي يونيو، شعرهم مترتب، لابسين كوتشيات نضيفة، والشباب لسه ناضر في وشهم بس الضلمة ساكنة في عينيهم. مكنش معاهم سلاح باين، ومكنش محتاجين أصلاً. اتكلموا معاه كأنهم بيشرحوا له قاعدة بديهية في المنطقة:
— "لو عايز تفرش هنا وتسترزق.. لازم تراضي الرجالة."
إسماعيل بصلهم وهو مش فاهم في الأول:
— "أراضي مين يا ابني؟ وعلى إيه؟"
اللي كان باين إنه "الكبير" بتاعهم ابتسم ابتسامة
مفيهاش ذرة فرح:
— "تراضي الراحة.. عشان تبيع وأنت مستريح."
مطلبوش منه تروة، وده يمكن كان أكتر حاجة مهينة. طلبوا مبلغ صغير لدرجة إنه يبان "معقول" لواحد مش مستني الفكة دي عشان ياكل، بس كان مبلغ قاصم لضهر راجل بيقيس أيامه بعدد الكوبايات اللي بيبيعها. إسماعيل أداهم اللي معاهم وقتها. مش استسلام كامل، لكن خوف.. وحسبة بالعقل.. ومن الكسوف اللي بيحسه الواحد لما يكتشف إن شيبته مبقتش تهز حد، وإن الطيبة مابتحميش من قلة الأصل.
افتكر إنها مرة وهتعدي.. بس مكنتش المرة الأخيرة.

اللي حصل مكنش مجرد خناقة شوارع؛ دي كانت لحظة "تنوير" في الحارة كلها. الموتوسيكل الأسود وقف على بُعد خطوات من العربية المقلوبة، وصاحبه نزل رجليه على الأرض بثبات، مكنش باين منه غير خياله وسترة جلد قديمة عليها تراب السفر.
صاحب اللبان (اللي كان عامل فيها كبير) صرخ فيه وهو بيحاول يداري رتبكته:
— "خد مكنتك واتكل على الله يا شاطر.. متبقاش حشري وتدخل في اللي مالكش فيه!"
صاحب الموتوسيكل من غير ما يشيل الخوذة، وبصوت هادي بس فيه نبرة بتقول إن صاحبها

مبيخافش من حد:

تم نسخ الرابط