بائع الذره بقلم منـي الـسـيد
— "لا ليا فيه.. وليا فيه أوي كمان."
نزل من على الموتوسيكل وبدأ يخطو ناحية النور الأصفر بتاع العمود. "توحة" صاحب الكاب الأسود ضحك ببرود: "أدينا يا سيدي لقينا اللي هيعمل بطل على قفا العجوز!".. لكن أول ما الغريب قلع الخوذة، الهوا في الحارة اتغير فجأة.
عم إسماعيل، وهو لسه على الأرض، سحب نفسه بالعافية وبص لوش الراجل اللي واقف قدامه. الملامح كانت قاسية، وعليها بصمة السنين، وفيه جرح قديم جنب عينه الشمال.. بس العينين.. العينين دي عم إسماعيل يعرفها كويس أوي.متوفرة على روايات و اقتباسات
"منصور؟!"
الكلمة طلعت من بق عم إسماعيل مخنوقة، كأنها كانت محبوسة في حنجرته بقالها قرن.
جرح قديم.. وقرار متأخر
منصور ساب البيت وعنده 19 سنة، بعد خناقة مريرة مع أبوه. وقتها عم إسماعيل كان شايف إن منصور "مستهتر" وعايز يبيع نفسه للسكة والموتوسيكلات والسرعة، وقاله كلمة كانت زي الرصاص: "أمك بتموت في الشغل عشان أنت تلعب دور الراجل.. أنت لا نافع ولا هتنفع!". منصور
أخبار متقاطعة كانت بتوصل لعم إسماعيل: منصور اشتغل دليفري في المنصورة.. منصور سافر بورسعيد.. منصور دخل في مشاكل.. بس كبرياء الأب خلاه ميجزيش وراه، وعزة نفس الابن منعته يرجع يعتذر.
لكن دلوقتي، منصور واقف بيفصل بين أبوه وبين تلات عيال ميعرفوش إنهم بيقربوا من "عش دبابير".
منصور مد إيده لأبوه من غير ما يغفل عن العيال:
— "قوم يا حاج.. طول عمرك راسك فوق، ومينفعش تنزل للأرض عشان شوية جراوي."
كلمة "يا حاج" دي، رغم بساطتها، كانت أمضى من السكين في قلب عم إسماعيل.
انفجار الغضب.. وصحوة الحارة
اللي حصل بعد كدة كان سريع وعنيف. صاحب اللبان حاول يهجم، بس منصور كان أسرع؛ ضربة كتف واحدة خلته يرتد لورا ويخبط في قدرة الدرة. "توحة" حاول يلف من ضهره، بس منصور لفه واداله بوكس في معدته خلاه يقطع النفس. الصغير اللي معاهم رفع جنزيره بتردد، وهنا عم إسماعيل صرخ بقلب أب:
— "لا يا منصور! بلاش يا ابني!"
في اللحظة دي، حصلت
الخوف الجماعي انكسر، والبلطجة أول ما بتفقد ميزة "سكوت الناس" بتتحول لضعف وهوان. العيال لما لقوا الحارة كلها "قلبت عليهم"، هربوا زي الفئران قبل ما الحكومة توصل.
المواجهة الأخيرة.. والحقيقة المرة
بعد ما الزيطة هديت والناس بدأت تلم الفكة والدرة من الأرض بكسوف، منصور ساعد أبوه يزق العربية لحد جراج عم جابر. وقفوا مع بعض تحت لمبة بترعش، والسكوت كان أتقل من الكلام.
عم إسماعيل اتكلم وهو باصص للأرض:
— "أمك كانت بتبعتلك جوابات.. وأنا اللي كنت بقطعها."
منصور اتجمد في مكانه. عم إسماعيل كمل:
— "كنت واخدني العزة، وكنت عايزك ترجع مكسور عشان أثبت لنفسي إني صح. ضيعت عليك وداعها، وضيعت على نفسي عشرين سنة
منصور أخد نفس طويل وقال بمرارة:
— "أنا رجعت مرة يا حاج.. بعد سنتين من مرواحي. وقفت بعيد شوفتك وأنت طالع بالعربية وشوفت أمي ورا الشباك.. بس سمعت إنك قولت للناس إن منصور مات بالنسبة لك.. فقولت يبقى خلاص، نموت فعلاً."
الخاتمة: كرمة العدل
الحكاية مخلصتش بانتقام دموي، خلصت بحاجة أجمل بكتير. الحارة كلها اتغيرت؛ الجيران عملوا "جروب" تأمين، وبقوا يتناوبوا يقعدوا مع عم إسماعيل وهو بيبيع. والعيال البلطجية اتقبض عليهم في أسبوع لأن الناس شهدت بجد المرة دي.متوفرة على روايات و اقتباسات
وعم إسماعيل رجع يفرش بالدرة تاني، بس المرة دي منصور كان قاعد جنبه على الموتوسيكل. مش بيحرسه، لكن بيعوض اللي فات. ولما طفلة صغيرة سألت عم إسماعيل: "مين الراجل ده يا جدو؟"..
عم إسماعيل بصله بابتسامة صافية، ومسح على كتفه وقالت:
— "ده ابني.. تاه مني كتير، بس في الآخر رجع لأصله."
تمت.
بقلم منـي الـسـيد