بين حلم البيت وقسوه قلب

لمحة نيوز


قالت مروة وهي بتحاول تملك أعصابها.
ردت الأم بنبرة ناعمة زي السم أنا عارفة.. وعشان كده فكرت.. البيت لسه مخلصش.. يعني لو بعتوه دلوقتي وهو لسه أساسات وطوب، سعره هيجيب مبلغ حلو.. سارة تاخد شقة تلمها، وإنتوا يفيض معاكم مبلغ تبدأوا بيه حاجة تانية على قدكم. وكله يعيش.
مروة مكنتش مصدقة اللي بتسمعه.
أنتي بتقولي إيه؟
الأم كملت بمنتهى البرود، كأنها بتتكلم في حاجة منطقية جداً
بقول نبيع البيت يا مروة، وننقذ أختك. إحنا أهل يا بنتي.
السكوت نزل زي لوح تلج كسر ضهر مروة.
أنتي بتتكلمي جد؟ قالتها بصوت مخنوق.
يا مروة، أنا بتكلم من منطلق إنساني..
أنتي بتتكلمي جد! كررتها بصدمة.
قفلت السكة، وحطت الموبايل على التربيزة وهي بتبصله كأنه قنبلة. وبعدين طلبت تامر.
هو سمع الحكاية كلها ومطقش بكلمة. ملامحه كانت هادية، بس عينه كانت بطلع شرار، مركزة في الفراغ.
هي مستوعبة، سأل أخيراً بصوت واطي، إننا بعنا الوراء والقدام عشان حتة الأرض دي؟
مروة ملقتش رد.
السكوت ملى الأوضة، صمت تقيل بيخنق الأنفاس.. وكان فيه إحساس مر إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد بيت بدأت تتهد في اللحظة دي.
ساد الصمت في الغرفة، صمت ثقيل يكاد يُسمع له أنين، كأن جدران شقتهم المستأجرة الضيقة تشعر بانهيار أحلامهم.

تامر ظل واقفاً متجمداً، عيناه مسمرتان على الأرض، وكأنه يحاول فك رموز كلمات حماته التي بدت له سريالية تماماً. أما مروة، فقد تهاوت على الكرسي الخشبي القديم، يداها ترتعشان فوق كوب الشاي الذي برد تماماً، ودموعها المحبوسة بدأت تشق طريقها ببطء على وجهها الشاحب.
تبيعوا البيت... الكلمة كانت تتردد في ذهن تامر مثل صدى مزعج لا يتوقف. البيت الذي كان يجمع له القرش فوق القرش، البيت الذي ضحى من أجله بصحته، بشبابه، براحته. البيت الذي كان يمثل له الخلاص من ذل الإيجار والخوف من المستقبل. تبيعوا البيت.. عشان سارة؟
بعد دقائق طويلة من الصمت المطبق، رفع تامر رأسه ببطء. كان وجهه خالياً من أي تعبير، لكن عيناه كانتا تلمعان ببرود غريب، برود أشد رعباً من أي غضب صاخب. نظر إلى مروة، ثم إلى الهاتف الملقى على الطاولة، وقال بصوت خافت، شبه هامس، وكأنه يتحدث لنفسه هو إحنا.. هو إحنا كنا إيه بالنسبة لها؟
مروة لم تجب، كانت غارقة في دوامة من الأفكار والمشاعر المتضاربة. كانت تشعر بالغضب، بالخيانة، بالظلم.. لكن، في زاوية صغيرة من قلبها، كان هناك ذلك الصوت القديم، صوت الكبيرة التي يجب أن تضحي، صوت ابنة تخشى أن تخسر أمها.
تامر اقترب منها، صوته أصبح أكثر حدة قليلاً مروة، جاوبيني. إنتي
موافقة على الكلام ده؟
رفعت مروة عينيها الدامعتين إليه، وكان التردد والخوف واضحين فيهما تامر.. إنتي عارف إني ما قدرش أبيع البيت.. ده تعبنا.. ده مستقبل ولادنا..
لكن؟ تامر لم يدعها تكمل الجملة.
لكن.. ماما.. سارة.. وضعهما صعب.. ماما بتقول إنها خايفة عليها..
وإنتي؟ تامر صوته أصبح أجش إنتي وضعك إيه؟ وإنا؟ وولادنا؟ إحنا مش صعب؟ إحنا مش محتاجين ستر؟
تامر بدأ يتحرك في الغرفة بعصبية، كحيوان حبيس مروة، إنتي واعية بتقولي إيه؟ ده مش بس البيت.. ده حياتنا.. ده كرامتنا.. ده تعب السنين اللي فاتت كلها! إزاي بتفكري حتى؟
أنا مش بفكر! صرخت مروة فجأة، وانفجرت في البكاء أنا تايهة.. أنا ميتة من جوه.. ماما بتقولي تبيعي البيت عشان سارة تعيش.. وسارة أصلاً هي اللي ضيعت كل حاجة.. هي وجوزها.. ودلوقتي عايزين يضيعوا تعبنا إحنا كمان!
تامر هدأ قليلاً، جلس على الكرسي المقابل لها، وأمسك بيدها المرتعشة مروة، أنا عارف إنك قوية.. وعارف إنك بتحبي أمك وأختك.. لكن القوة مش معناها إنك تضحي بحياتنا.. مش معناها إنك تقبلي الظلم.. ده مش ظلم لينا بس، ده ظلم للعدالة.. سارة لازم تتحمل نتيجة قراراتها، مش إحنا اللي ندفع التمن.
في الأيام التالية، تحولت شقة مروة وتامر إلى حلبة صراع صامتة. الاتصالات
من الأم لم تتوقف، كل يوم تليفون طويل، محاولات استعطاف، ضغوط نفسية، اتهامات بالأنانية، تذكير ب واجب الكبيرة. كانت الأم تبكي، تتحدث عن حالة سارة النفسية السيئة، عن خوفها عليها من الضياع، عن أملها في مروة الست القوية.
مروة كانت تزداد شحوباً، تزداد انطواءً. في العمل، كانت شاردة الذهن، ترتكب الأخطاء. في البيت، كانت تجلس لساعات طويلة باصة في الفراغ، تاركة كل شيء خلفها. تامر كان يراقبها بقلق، يحاول أن يدعمها، أن يذكرها بحلمهما، لكنه كان يشعر باليأس يتسرب إلى قلبه.
تامر حاول أن يتدخل، اتصل بحماته، حاول أن يشرح لها الوضع، أن يبين لها أنهم لا يملكون المال الكافي، وأن بيع البيت الآن سيعني خسارة كبيرة، وأنهم هم أنفسهم في حاجة ماسة لستر. لكن الأم كانت صماء، لم تكن تسمع سوى صوتها، سوى خوفها على سارة. اتهامه بالأنانية، اتهامه بأنه يكره سارة، اتهامه بأنه بيغسّل مخ مروة.
الصراع بين مروة وتامر بدأ يزداد حدة. تامر لم يعد يستطيع تحمل صمت مروة، ترددها، ضعفها أمام ضغوط أمها. كان يشعر بأنها تخذله، بأنها تضحي به من أجل عائلتها التي لا تقدر تضحيتها.
مروة، أنا مش هفضل مستني لحد ما تقرري تبيعينا! صرخ تامر في وجهها ذات ليلة، بعد أن كانت مروة تبكي بعد مكالمة طويلة مع أمها.

أنا مش هبيعكم! صرخت
 

تم نسخ الرابط