سلف ودين
دي فلوسي! أنا اللي تعبت وشقيت فيها!"
– "يا شيخة ما تضحكيناش! هي مرتبك دي تجيب تمن حتة الجبنة الرومي اللي إنتي شايلاها في الكيس دي؟ طول عمرك عايشة عالة على قفا ابني، لا حيا ولا دم!"
دخلت ولاء الصالة وهي بتجرجر أكياس الطلبات، ورزعت الباب وراها. وفجأة.. ساد الصمت التقيل اللي بقالها سنتين بتغرق فيه كل ما تدخل البيت.
حماتها، الست نادية، كانت واقفة على باب المطبخ. واقفة وبتبص. لا قالت "حمد لله على السلامة"، ولا "أساعدك في حاجة؟". كانت بس مراقبة ولاء وهي بتقلع جزمتها بصعوبة وهي بتنهج.
– "سلام عليكم يا ماما نادية،" قالتها ولاء بصوت واطي وهي بتعدل ضهرها.
– "عليكم السلام،" ردت نادية بكلمات ناشفة زي الزلط. "أدي اللي باخده منك، سلامات وكلام معسول، لكن الجوف فاضي، ما فيش إحساس خالص."
ولاء اتسمرت مكانها وهي ماسكة كيس اللبن:
– "أفندم؟ مش فاهمة في إيه؟"
– "بسأل يعني، الفلوس اللي شايلاها للزمن دي هتخلص إمتى؟ خلصتي مرتب ابني كله النهاردة على المنظرة دي؟" قربت نادية منها وربعت إيديها: "وريني كده جايبة إيه في الأكياس."
– "دي فلوسي يا ماما! أنا اللي تعبت فيها!"
– "ضحكتيني والله! مرتبك ده يا دوب يشممك ريحة الجبنة الغالية اللي بتجيبيها! إنتي قاعدة فوق كتاف حازم، لا مكسوفة من نفسك ولا شايلة له جمايله!"
ولاء حطت الكياس في الأرض بهدوء، ورفعت عينيها وبصت في عينين حماتها اللي دايماً مش عاجبها العجب:
– "يا ماما نادية، أنا بشتغل! وبدخل في البيت
– "بيتك وطرقتك؟" صوت نادية عليّ وشرخ في الصالة: "إنتي مين أصلاً عشان تقوليلي أعمل إيه؟ أنا الأم! أنا اللي ربيت وكبرت، وإنتي جيتي على الجاهز ولهفتي كل حاجة! لهفتي الشقة، ولهفتي ابني، ودلوقتي بتلهفي فلوسه!"
– "في إيه يا جماعة؟ إيه الصوت ده؟" حازم دخل من الباب، لسه بشنطة الشغل وعلى كتفه هموم اليوم.
في ثانية، وش نادية اتغير تماماً.. ملامحها اتكرمشت وصوتها بقى رفيع وبيتمرعش:
– "شوفت يا حازم؟ شوفت يا ضنايا؟ بتغلط فيا وبتهيني.. كنت بكلمها بالراحة قامت ناطحة فيا، ولا عملت اعتبار ليك ولا لابنك ياسين اللي قاعد جوه، الواد نفسيته هتتدمر!"
– "أنا معليتش صوتي،" ولاء ضغطت على إيدها بقوة: "أنا بس كنت..."
– "إنتي بس عاوزة تطرديني من البيت!" صرخت نادية فجأة. "عارفة صنفكم يا كنات، طول ما أم الراجل عايشة النوم مش بيزور عينكم!"
حازم بص لولاء بصه طويلة، فيها تعب الدنيا كله، وبعدين بص لأمه: بقلم منــال عــلي
– "يا أمي، مش قدام ياسين.. الواد جوه بيذاكر."
– "وياسين ماله؟ ياسين بقى يهرب مني! أنا جدته ولا غريبة؟ أشغل التلفزيون بالليل يفضل يبوز ويقلب وشه.. ما فيش تربية خالص، كله من دلعك يا ولاء."
ولاء سابتهم ودخلت المطبخ بالأكياس وإيدها بتترعش. سنتين.. سنتين وهي صابرة على الفيلم ده، من يوم ما حماتها
... وقتها، من سنتين، ولاء كانت في مكتبها بتخلص حسابات، وجالها تليفون مفاجئ. نادية عمرها ما اتصلت بيها من غير سبب.
– "يا ولاء،" الصوت كان مخنوق ومكسور، "يا ولاء.. بيتي اتخرب."
حازم حكى لها بعدين إن أبوه ساب البيت وراح لواحدة تانية كان شغال معاها. مشي بكل برود، خد ورقة وقلمه، وهدومه، وحتى طقم الشاي القديم اللي نادية كانت بتشيله للمناسبات. 35 سنة جواز وانتهت في لحظة.
ولاء وقتها كانت بتروح لحماتها كل يوم. ترجع نص الليل، مهدودة، تطبخ لها، وتتحايل عليها تاكل لقمة، وتقعد جنبها وهي بتبص للحيطان بصمت. حازم في الأول كان بيساعد، بعدين بقى يهرب على القهوة أو الجراج، مكنش بيستحمل يشوف أمه مكسورة كده.
– "تعالي عيشي معانا،" ولاء هي اللي قالتها بعد 3 أسابيع. "أوضة ياسين واسعة، هنحط سرير ليكي وهتبقى وسطنا."
نادية وقتها مسكت إيد ولاء وعيطت وقالت لها: "كتر خيرك يا بنتي، مش هنسالك الجميل ده أبداً."
باعت نادية شقتها القديمة، والفلوس – تقريباً كلها – إدتها لبنتها الكبيرة عبير.
– "عبير عليها أقساط وديون، هي أولى بالقرشين دول.. أنا هعيش معاكم، إنتو مش هتطردوني."
وماطردوهاش. بقلم منــال عــلي
– "يا تيتا، ياريت تغسلي كوبايتك وراكي،" ياسين دخل المطبخ ورزع شنطته. "بقالى ساعة بلم لم في الكوبايات من الأوضة، عملت معرض قزاز جوه."
– "بقى كدة؟" نادية كشرت. "بقى العيل بيعلمني الأدب؟"
– "يا تيتا أنا مش بعلمك، أنا بطلب
– "قال امتحانات قال،" نادية لوحت بإيدها. "ما إحنا كبرنا وبقينا بني آدمين من غير امتحاناتكم دي."
– "ده كان أيام الهكسوس يا تيتا،" ياسين برطم وخرج.
ولاء عضت على شفايفها عشان ما تضحكش. نادية نفخت بضيق ودخلت أوضتها ورزعت الباب وراها لدرجة إن في فازة على الكومودينو وقعت.
تاني يوم الصبح، الموال بدأ من أول وجديد: بقلم منــال عــلي
– "شوفت يا حازم مراتك صرفت كام على الأكل؟" نادية كانت واقفة وماسكة الفاتورة كأنها وكيل نيابة. "120 جنيه في رغيفين عيش؟ ليه؟ ده أنا بجيب العيش البلدي ببركة ربنا وبناكل ونشبع."
– "يا أمي ده عيش سن مخصص عشان الدايت، إحنا متعودين عليه،" حازم كان بيشرب قهوته وهو بيبص في الموبايل.
– "دايت ومناظر،" نادية اتأففت. "ولاء دي غاوية منظرة وفشار، جبنة بالشيء الفلاني، وزبدة بالشيء الفلاني، وإنت يا عيني عمال تطحن في الشغل زي الساقية."
– "أنا مش مطحون يا أمي، إحنا الاثنين بنشتغل وبنشيل البيت سوا."
– "بتشتغل؟ دي قاعدة في مكتب وتكييف وطلبات دليفري."
دخلت ولاء بطبق البيض وحطته على السفرة وقعدت قدام جوزها: بقلم منــال عــلي
– "تفطري معانا يا ماما نادية؟"
– "لا يا ختي، أكلك بيجيب لي حمو على قلبي."
ولاء مسكت الشوكة وسكتت. حازم كح ونطق: بقلم منــال عــلي
– "يا أمي، عيد ميلادك قرب.. تحبي أجيب لك إيه؟"
نادية وشها نور فجأة وفردت ضهرها:
– "أنا