حسابات خاطئه
وقالت: "أنا اللي كنت هضيع مستقبلك بجد يا ابني.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس والمنظر هما اللي بيعملوا بني آدم، بس أتاري الستر والرضا والحب هما اللي بيخلوا للبيت روح. أنا كنت جاية ألومك على اختيارك، بس دلوقت بطلب منك تسامحني إن عيني كانت مغمية."
اليوم ده مكنش مجرد زيارة، كان ولادة جديدة لعلاقتنا. أمي اللي كانت بترفض "الحمل الزيادة"، بقت هي اللي بتتحايل على وسام عشان تاخد ياسين يبيت عندها. العربية القديمة اللي كانت بتتريق عليها، بقت هي اللي بتركب فيها وتضحك من قلبها وهي رايحة معانا مشاويرنا البسيطة. الدنيا دارت دورتها، وطلعت "الخسارة" اللي أمي كانت خايفة منها هي أكبر "مكسب" دخل حياتنا، والحقيقة اللي شافت الهرجلة فيها مكنتش في بيتي، كانت في قناعاتها القديمة اللي اتهدت فوق دماغها في لحظة واحدة.
*****'**'**********
قعدنا كلنا في الصالة، والسكوت كان هو سيد الموقف، بس مكنش سكوت تقيل، كان سكوت شخص لسه فايق من صدمة عمره. أمي بدأت تحكي لوسام عن ذكريات قديمة، عن عادل اللي كان بيحب الرسم والشعر، وعن الرفض اللي دمر حياتها زمان وخلاها تتحول للست الحديدية اللي كانت واقفة قدامي من شوية.
أمي بصت للبيت المرة دي بنظرة تانية خالص، مكنتش بتدور على ماركة السجاد ولا سعر النجف، كانت بتبص على "ياسين" وهو قاعد في حضني بيسمع حكايتنا، وقالت بصوت هادي: "عارف يا ابني.. أنا طول عمري كنت بحاول أحميك من
قامت وسام وجهزت الغدا، أكل بيتي بسيط بس ريحته كانت مالية المكان دفا. أمي أكلت معانا وضحكت، ضحكة مسمعتهاش منها من سنين، ضحكة صافية مفيش وراها حسابات. ولما جه وقت المشي، أمي وقفت قدام وسام وطلعت من إيدها غويشة دهب غالية أوي، كانت دايماً تقول إن دي أغلى حاجة عندها، ولبستها لوسام وقالت لها: "دي كانت المفروض تبقى ليكي من زمان.. أنتِ مش بس مرات ابني، أنتِ الحتة اللي فاضلة من أغلى ذكرى في حياتي."
ودعتنا عند الباب، بس المرة دي مكنتش ماشية وهي "بتصلح معطفها" بكبرياء، كانت ماشية وهي بتلتفت وتلوح لنا بإيدها وتبتسم لياسين. وأنا واقف مكاني، ساند على كتف وسام، عرفت إن الحقيقة اللي أمي كانت شافت إنها "فوضى"، طلعت هي النظام الوحيد اللي كان ناقص حياتنا عشان تكتمل.. وإن الاستثمار الحقيقي مكنش في المدارس ولا البيانو، كان في اللحظة دي، لحظة ما البيت بقى فعلاً بيت، والقلوب أخيراً لقت طريقها لبعض.
******************
مر شهر على اليوم ده، والحال اتبدل تماماً. أمي اللي كانت بتبص لساعتها بالدقيقة عشان تمشي، بقت هي اللي بتتصل كل يوم تسأل: "عملتوا غدا إيه؟ أنا جاية أدوق." العربية القديمة اللي كانت مسمياها "خردة"، بقت تنزل مخصوص تركبها مع وسام عشان يروحوا يشتروا لبس لياسين، وتقعد تضحك وهي بتقول لها: "صدقي يا وسام
وفي ليلة، كنا قاعدين بنشرب شاي بلكونة بيتنا الصغير، أمي بصت للسما وقالت لي: "عارف يا ابني؟ أنا زمان كنت فاكرة إن الأم الواجب عليها ترسم طريق ولادها بالمسطرة، بس اكتشفت إن أحلى الطرق هي اللي بنمشيها بقلبنا مش بخوفنا. أنا كنت خايفة عليك من الدنيا، فكنت هضيع عليك الدنيا بجد." وسام مسكت إيدها وقالت لها: "المهم إننا مع بعض دلوقتي يا طنط، والوجع اللي فات كان هو اللي عرفنا قيمة الراحة دي."
ياسين طلع من جوه وهو ماسك كراسة رسم، ورسم صورة لينا كلنا، ورسم "جدو عادل" فوق في السما بيضحك. أمي لما شافت الرسمة، عينيها لمعت بدموع فرحة، وأخدت ياسين في حضنها وقالت له: "أنت أغلى استثمار دخل حياتي يا قلب تيتة."
الحكاية مخلصتش عند الصدمة، الحكاية بدأت بجد لما القلوب اتفتحت. البيت اللي كان في نظر أمي "فوضى"، بقى هو الملجأ اللي بتهرب فيه من زحمة حياتها وكدب المظاهر. وأنا واقف في البلكونة، بصيت لوسام ولياسين ولأمي، وعرفت إن القدر لما بيكسر حاجة، بيبقى عشان يبني مكانها حاجة أقوى وأجمل بكتير.. وإن الحب اللي اتمنع زمان، رجع يعوضنا كلنا في صورة عيلة مكنتش على البال، بس كانت هي دي "الحقيقة" اللي تستاهل نعيش عشانها.
*******************
مرت سنة كاملة، والحياة اللي كانت أمي شيفاها "خراب" بقت هي جنّتها الوحيدة. في عيد ميلاد ياسين الثامن،
فجأة، أمي ندهت عليا ودخلتني الأوضة اللي كنا مخصصينها "مكتب" صغير، وطلعت ظرف وحطته في إيدي. بصيت فيه لقيتها أوراق ملكية لشقة واسعة في عمارة هادية، بس المفاجأة إنها كانت باسم وسام وياسين. بصيت لها باستغراب، فابتسمت وقالت لي: "ده مش استثمار يا ابني، ولا ده عز بفرضه عليكم.. دي هدية من جدو عادل لوسام، أنا بس كنت الأمينة عليها لحد ما الوقت الصح يجي. البيت ده بتاعكم، ابنوا فيه ذكريات جديدة بعيد عن أي ضغط."
وسام لما عرفت، بكت من فرحتها، مش عشان الشقة، بس عشان حست إن أمي أخيراً قبلتها كبنت ليها مش كـ "حمل" زي ما قالت زمان. وفي وسط اللمة، وياسين بيطفي الشمع وهو ماسك إيدي وإيد وسام وأمي، بصيت حواليا وعرفت إن دي النهاية السعيدة اللي بجد.
النهاية مش إننا بقينا أغنياء، النهاية إننا بقينا عيلة حقيقية. أمي اتصالحت مع ماضيها، وسام لقت السند اللي يعوضها عن شقا سنين، وياسين كبر وهو عارف إن عنده "بابا" و"تيتة" بيحبوه من غير شروط. قفلنا باب بيتنا وإحنا متطمنين، والبيت الهادي اللي كان إيجار، سيبناه وإحنا شايلين منه حب يكفينا عمر كامل في بيتنا الجديد.
تمت
بقلم انجي الخطيب
Engy