انتقام صامت حكايات شروق خالد
المحتويات
كنت لابسة الروب الورقي الخفيف بتاع المستشفى، وجسمي مقشعر من برودة الأوضة، وكوباية الميّة البلاستيك اللي جنبي بقت فاترة.
لما حياتك تكون على وشك إنها تتهد وتبدأ من جديد، عقلك بيركز في أتفه التفاصيل.
كنت قاعدة لوحدي في مستشفى "قصر العيني الفرنساوي"، بحاول مابينش الرعب اللي في عيني. بره الأوضة، الممرضات بيتحركوا عادي.. صوت الشباشب الطبية على الأرض بزيقها المكتوم، وواحدة بتضحك بهدوء في الاستقبال، وصوت بيبي بيعيط في آخر الطرقة.
وأنا؟
كنت حامل في الأسبوع الـ ١٢، داخلة باسم مش اسمي، ودافعة تمن الكشف كاش عشان ميبقاش ليّا أثر، وبدعي ربنا إن "ياسين" ميعرفش مكاني أبداً.
الدكتور بص للشاشة، وبعدين بص لي بتركيز.
"يا مدام سارة،" قالها بحذر، "في حاجة تانية لازم تعرفيها."
صوابعي قفلت على طرف الكرسي من الخوف. للحظة، افتكرت إنه كشفني. افتكرت إنه شاف الحقيقة
بس الدكتور مكنش بيتكلم عن الماضي.
لف الشاشة ناحيتي شوية وقال: "في نبضين.. إنتِ حامل في توأم."
توأم.
مش سر واحد مدفون جوايا.. دول اتنين.
الأوضة فجأة بقت بيضا زيادة، والهواء ريحته بقت بنج ورعب. حطيت إيدي على بطني كأني بحاول أحميهم من دقات قلبي اللي كانت هتوقف.
الدكتور كمل كلامه عن تحاليل لازمة وفحوصات أكتر، وقال جملة رنت في ودني: "المعلومة قوة يا مدام سارة."
قوة؟
كنت عايزة أضحك بمرارة. أنا معنديش أي قوة. أنا عندي شنطة نصها ملموم ومستخبية في قاع الدولاب، وحساب بنكي سري فيه ملاليم يدوب تخليني أتنفس، ومعايا راجل في البيت بيبتسم في وش الناس وفي البيوت بيحسسني إني نملة.
هزيت راسي للدكتور وخرجت.
خرجت من الأوضة وأنا شايلة روحين وسر تقيل. وأول ما باب الأسانسير فتح..
لقيت ياسين قدامي.
مع واحدة شقراء لابسة فستان حرير، . كان لابس القميص اللي أنا منقياه له.. اللي كان بيقول عليه "قميص الشغل المهم". كان بيضحك من قلبه، لحد ما عينه جت في عيني.
وشه اتخطف في ثانية.
صدمة.. وبعدها خوف.. وبعدين تحول لحتة تلج.
"سارة؟" قالها كأني حد غريب قابله بالصدفة ومضطر يسلم عليه.
الست اللي معاه ابتسمت لي وقالت له: "دي واحدة صاحبتك؟"
ياسين مرمش جفنه، وبص لي ببرود وقال: "دي زميلة قديمة في الشغل."
زميلة قديمة؟
كنت واقفة في طرقة المستشفى وعياله في بطني، وهو في نَفَس واحد حولني لغريبة ملوش علاقة بيها.
ساعتها لمحت إيدها. كانت حاطة إيدها برقة على بطنها.
ريقي نشف. هي كمان حامل.
الأسانسير فضل مفتوح، ومحدش فينا اتمزع من مكانه. عيون ياسين كانت بتبعت لي أمر صريح: "إياكي تبوظي الليلة."
رسمت ابتسامة باهتة وقلت: "كشف روتيني.. الواحد ميعرفش ممكن يقابل إيه في المستشفيات."
عروق رقبته اتشدت. والست اللي معاه، "دينا"، بصت لي بطيبة واحدة متعرفش إنها واقفة فوق حطام حياتي.
قلت لها "بالتوفيق"، وعيني نزلت لثانية على بطنها. ياسين وشه بقى زي الورقة، بس دينا ملاحظتش.
خرجت من المستشفى والقاهرة كانت زحمة وصوت الكلاكسات عالي، والناس بتجري في كل حتة. مفيش حد مهتم إن حياتي اتفرتكت نصين.
بس في حاجة جوايا اتغيرت. مكلمتش ياسين، معيطتش في الحمام، ولا اتصلت أترجاه يفهمني. رحت قعدت في جنينة عامة، وطلعت تليفوني وعملت لستة.
أولاً: تحليل الدم.
ثانياً: أدور على مساعدة.
متابعة القراءة