حدس الام
المحتويات
حماتي دخلت علينا وفي إيدها علبة لبن بودرة مستورد، حطتها على السفرة كأنها تحفة أثرية أو كنز لقت لُقطة.. وبعدها بشوية، كنت أنا واقفة قدام الحوض بصفي محتوى العلبة كله في الصرف. محمود جوزي انفجر فيّ، وشيتمه وصوته جابوا آخر الشارع، وحلف ميت يمين إنه مش هيسامحني أبدًا.. لحد ما مد إيده وفتح العلبة بنفسه، وفجأة، وشه اتقلب ألوان وانقطع نَفَسه من الصدمة.
كل الحكاية بدأت لما أم محمود شرفت بطلتها المعتادة، ومعاها الهدية اللي كانت فاكرة إنها بتنقذنا بيها. عينيها كانت بتلمع بالفخر، لكن أنا، كان فيه قبضة في قلبي.. إحساس تقيل ولزج زي ما يكون حد زرع حتة تلج تحت جلدي.
كنت لسه نفساء، مكملتش 3 أسابيع ولادة. جسمي مهدود، وجع الرضاعة بياكل فيّ، والنوم بقى حلم بعيد، وعقلي طبعًا فريسة سهلة للخوف والتعب. كل همسة
محمود كان طاير من الفرحة، زين ابنه البكري ونور عينه. ورغم إنه مش فاهم نص اللي بمر بيه، بس كان بيحاول يطبطب ويسند. لكن فيه حاجة واحدة مابتتغيرش.. أمه، ست الحبايب هانم.
من يوم ما زين شرف، وهي سنترال مفتوح عندنا. بتدخل من غير معاد، بتعلق على كل كبيرة وصغيرة شيليه كدة، رضعيه كدة، لازم ينام على جنبه، إيه الغنوة دي؟. كنت ببلع ريقي وبحاول أكتم غيظي، وأفهمها بالذوق إني محتاجة أتعلم وأجرب بنفسي.. بس هي كانت بتمشي بمبدأ ودن من طين وودن من عجين. متوفرة على روايات و اقتباسات يا بنتي أنا مربية أربعة وشايلة عيال العيلة كلها على كتافي، أنا أدرى بمصلحته.
ممكن تكون أدرى فعلاً، بس ده مش معناه إني مش عارفة مصلحة
يومها دخلت وفي إيدها شنطة فخمة، طلعت العلبة وقالت بنبرة احتفالية
ده أنضف لبن في السوق، وصيت عليه مخصوص وجبته غالي أوي.. إحنا عايزين الواد يرم عضمه ويكبر ويبقى بطل، ولا إيه؟
محمود عينيه لمعت وقال لها
يا أمي ليه التعب ده؟ إحنا مدبرين حالنا والله.
لوحت بإيدها وقالت بحدة
كلام خايب! الطفل ده ميتبخلش عليه بمليم، لازم ياخد أحسن حاجة.
أنا وقفت ساكتة، مسكت العلبة.. كانت تقيلة، غطاها بيبرق، والبرشام عليها سليم. بس فيه نغزة في قلبي مش راضية تسكت.
تسلمي يا طنط، شكراً. قلتها ببرود غصب عني. حكايات مني السيد
ابتسمت ابتسامة النصر اللي بتستفزني وقالت وهي بتبص لصدري
ابدئي اديهوله من النهاردة.. أكيد لبنك خفيف ومش بيشبعه، أنا ملاحظة.
الكلمة دي نزلت على قلبي زي مية النار. قالتها بمنتهى الهدوء بس
بالليل، والبيت هادي وزين نايم، ومحمود قاعد قدام التليفزيون، كنت أنا واقفة في المطبخ قدام الكنز المزعوم. نور اللمبة كان بيترعش على الغطا الفضي، والإحساس ده مش راضي يسيبني.. مش خوف، ده نذير شؤم كأني شامّة ريحة صدى في مناخيري.
فتحت البرشام.. تك. صوت بسيط مسموع بالعافية.
في الأول، البودرة كان شكلها عادي، بيضا وناعمة. بس لما قربتها من الضوء، شفت حاجات غريبة.. ملمسها فيه كتل مش طبيعية، والريحة.. الريحة مكنتش ريحة لبن أطفال خالص. كانت ريحة شياط أو حاجة كيميائية مخنوقة.
وقفت ثواني قلبي بيدق في زورى، ومن غير تفكير، مِلت على الحوض وبدأت أدلق العلبة. كنت بدلقها بإصرار، وإيدي بتترعش بس مكملة.
وفي اللحظة دي، دخل محمود.
إيه
متابعة القراءة