حدس الام

لمحة نيوز


ده؟! صوته اتنقل من الذهول للجنون في ثانية. إنتي اتجننتي؟ عارفة العلبة دي بكام؟ دي أمي اللي جايباها مخصوص!
مش فارق معايا الثمن، قلتها بصوت واطي بس زي السكينة.
قرب مني وعينيه بتطلع شرار
يعني إيه مش فارق معاكي؟ إنتي إنسانة جاحدة ومعندكيش دم!
اتعدلت وبصيت في عينيه وقلت بمنتهى القوة
مش هأكل ابني سم من العلبة دي..
وفي اللحظة دي، الدنيا وقفت بيننا، وحسيت بفجوة كبيرة اتفتحت تحت رجلينا متوفرة على روايات و اقتباسات 
حكايات مني السيد 
محمود هجم على الرخامة وهو بيحاول يلحق اللي فاضل في العلبة، وكان بيزعق بهستيرية
إنتي مريضة! الغيرة من أمي وعمايلها هي اللي جننتك! ده لبن مستورد يا جاهلة، العلبة دي تمنها نص مرتبك!
نفضت إيده عن العلبة وزقتها ناحيته بغضب
طب شم! شم قبل ما تظلمني! افتح عينك وشوف إيه اللي جواها!
محمود اتجمد مكانه،

ملامحه كانت مزيج من الغل والذهول.. مد إيده المرتعشة ومسح شوية من البودرة اللي كانت لسه لازقة في جدار العلبة، وقربها من مناخيره متوفرة على روايات و اقتباسات وفجأة، ملامحه اتغيرت تماماً.. الريحة كانت نفاذة، حاجة تشبه ريحة البلاستيك المحروق مخلوط ب بودرة غسيل رخيصة. وشه اللي كان أحمر من العصبية اتقلب فجأة وبقى لونه بلون الورق، شاحب ومخطوف.
حط صباعه في البودرة وفركها، لقى قطع صغيرة كريستالية، بتلمع زي كسر الزجاج أو الملح الخشن، مستحيل تكون لبن أطفال بيدوب في المية.
إيه ده يا سارة؟ همس بصوت مخنوق، ده... ده مش لبن.
ده الموت يا محمود، قلتها ودموعي نزلت من القهر. العلبة متغلفة ومن برا شكلها جديد، بس اللي جواها سم هاري. يا إما الصيدلية غشتها، يا إما الصلاحية متغيرة، يا إما ربنا كان عايز ينقذ ابننا على إيدي.
محمود رمى العلبة في الحوض
وقعد على الكرسي، وشه بين إيديه، كان بيترعش من الصدمة. فكرة إنه كان ممكن يصحيني بالليل عشان يساعدني ويديله رضعة من العلبة دي كانت كفيلة تخلي جسمه يقشعر.
أنا... أنا كنت هشتمك، كنت هكرهك... قالها وهو مش قادر يبص في عيني متوفرة على روايات و اقتباسات 
قربت منه وحطيت إيدي على كتفه
المشكلة مش في العلبة يا محمود، المشكلة إنك كنت مستعد تصدق إني مجنونة ومفترية، بس مستحيل تشك إن هدايا مامتك ممكن يكون فيها غلطة. الغلط مش عند طنط إلهام، هي أكيد اتغشت، بس الغلط إنك لغيت عقلي عشان خاطر خاطرها.
محمود قام فجأة، مسك العلبة اللي لسه فيها شوية بودرة باقية، وقال بصوت مليان غل
والله ما هسكت.. الصيدلية اللي باعت لأمي القرف ده، أنا هقفلها بالضبة والمفتاح.
نزل محمود في نص الليل زي المجنون، ورجع بعد ساعتين وشه متبدل. عرف إن الصيدلية دي بتجيب
بضاعة مضروبة من تحت السلم وبتبيعها على إنها مستوردة عشان تستغل الناس اللي بتدور على الغالي.
لما الصبح طلع، وحماته جت كالعادة بابتسامتها المنتصرة عشان تسأل ها.. الواد رضع اللبن ولا لسه؟، محمود وقف قدامها وحط العلبة الفاضية على السفرة.
حكى لها اللي حصل بالتفصيل، ولأول مرة، شفت إلهام هانم مكسورة، وشها في الأرض، مش قادرة تنطق بكلمة أنا أدرى.
محمود مسك إيدي قدامها وقال لها
يا أمي، سارة هي اللي أنقذت ابننا. من هنا ورايح، مفيش كلمة في البيت ده تعلو فوق كلمة أم العيل.. هي اللي حاسة بيه، وهي اللي بتخاف عليه أكتر مننا كلنا. حكايات مني السيد 
من يومها، إلهام بقت بتدخل بيتنا بخطوات أهدأ، وصوت أوطى.
وأنا.. أنا عرفت إن غريزة الأم مش مجرد كلام، دي البوصلة اللي ربنا حطها في قلبي عشان أحمي ابني، حتى لو كان العالم كله واقف ضدي.
االنهاية
بقلم مني السيد 

 

تم نسخ الرابط