طفله انقذت الوحش

لمحة نيوز


ياسين فضل باصصله.
نظرة طويلة تقيلة.
النظرة اللي كانت زمان بتسبق دفن ناس.
ليلى استخبت ورا رجل أمها وهي بتترعش.
هو بيكدب
الكلمة نزلت في أوضة المكتب زي الرصاصة.
وفجأة
فادي ضحك ضحكة قصيرة وهو بيفرد إيده.
إنت هتصدق طفلة عندها سخونية ومرعوبة وتشك فيا أنا؟
ياسين ما ردش.
وده كان أسوأ.
لأن فادي يعرفه كويس.
عارف إن أخطر لحظة عند ياسين النجار لما يسكت.
ببطء، ياسين قرب من مكتبه، فتح الدرج السفلي، وطلع ملف قديم مغبر.
ملف حادثة موت سارة وآدم.
حطه قدام فادي.
عارف إيه الحاجة الوحيدة اللي عمري ما فهمتها؟
فادي حاول يحافظ على هدوءه.
إيه؟
ياسين فتح أول ورقة.
إزاي عرفت مكان المخزن بسرعة الليلة دي؟
سكت ثانية.
وإزاي أقنعتني أسيب بيتي رغم إن قلبي كان حاسس إن فيه حاجة غلط؟
أول نقطة عرق ظهرت على رقبة فادي.
لكن صوته فضل ثابت.
عشان كنا في حرب مع الشرقاوي وقتها.
الغريب
قالها ياسين وهو يقلب الورق ببطء.
إن رجالة الشرقاوي ماتنين بعدها بأسبوع قبل حتى ما أقدر أوصلهم.
الصمت بقى خانق.
وفجأة
ليلى شهقت بخوف، وضمت ودانها بإيديها الصغيرة.
هو هيأذيك!
في نفس اللحظة
إيد فادي نزلت بسرعة تحت الجاكيت.
لكن ياسين كان أسرع.
طلع مسدسه وضرب الرصاصة جنب رجل فادي مباشرة.
صوت الضربة دوّى في القصر كله.
الحراس اقتحموا المكتب فورًا.
فادي رفع إيده ببطء لكن عينه كانت مليانة كراهية مرعبة.
بعد العمر ده كله تصدق طفلة؟
ياسين قرب منه خطوة.
لأ.
صوته كان متجمد.
بصدق الراجل اللي جوايا الراجل اللي

كان حاسس من أول يوم إنك خنتني.
ولأول مرة
الخوف الحقيقي ظهر على وش فادي الرشيدي.
اتقبض عليه داخل القصر.
وفي الأول أنكر كل حاجة.
لكن لما رجالة ياسين فتشوا بيته القديم
لقوا الحقيقة المدفونة من تلات سنين.
تحويلات مالية.
مكالمات.
وصور مراقبة لعربية سارة قبل الانفجار بساعات.
والأقذر من كل ده
رسالة صوتية متسجلة بصوته.
الليلة دي ياسين لازم يكون بعيد عن العربية الست والولد مش مهم.
لما التسجيل اشتغل قدام ياسين
الوقت وقف.
إيده بدأت ترتعش.
وعنيه دمعت لأول مرة من يوم الجنازة.
مكانش غضب.
كان وجع.
وجع راجل اكتشف إن أقرب الناس ليه هو اللي دفن قلبه بإيده.
رفع عينه ناحية فادي المقيد وقال بصوت مبحوح
ليه؟
فادي بصله فترة طويلة
وبعدين ضحك.
ضحكة مريضة مليانة حقد سنين.
عشان كل حاجة كانت بتاعتنا إحنا الاتنين لحد ما هي دخلت حياتك.
سكت لحظة.
من يوم ما حبيت مراتك بقيت ضعيف.
ياسين قرب منه ببطء.
فقتلت ابني؟
فادي رد ببرود مرعب
كان لازم تخسر عشان ترجع الوحش اللي كنت عليه.
السكوت اللي نزل بعدها كان تقيل لدرجة الاختناق.
لكن اللي قطع الصمت
كان صوت صغير جدًا.
ليلى.
كانت واقفة عند الباب، ماسكة بخة الربو الفاضية.
وبتبص لياسين بعينيها الواسعة.
الراجل اللي مصر كلها كانت بتخاف منه
نزل على ركبته قدام طفلة صغيرة.
ولأول مرة من تلات سنين
انهار.
دفن وشه في إيده وعيط.
مش عياط رجال الأعمال.
ولا دموع الغضب.
كان عياط أب اتسرق منه عمر كامل.
وليلى قربت منه ببطء
وحطت إيدها الصغيرة
على كتفه.
ماما بتقول اللي بنحبهم بيروحوا عند ربنا بس بيفضلوا شايفينا.
ياسين رفع عينه ليها وسط دموعه.
ولأول مرة من سنين طويلة
حس إن فيه نفس دخل صدره فعلًا.
مش بسبب بخة الربو.
لكن بسبب طفلة صغيرة
رجّعت إنسانيته من تحت الركام.
بعد اللي حصل، قصر النجار اتغيّر.
مش فجأة
لكن حتة حتة.
زي راجل بيتعلم يتنفس من جديد بعد ما كان غرقان سنين.
فادي الرشيدي اختفى من حياة ياسين للأبد.
والناس اللي كانت بتشتغل معاه بدأت تقع واحد ورا التاني.
حسابات اتقفلت.
مخازن اتمصادرت.
ورجالة كانت فاكرة نفسها فوق القانون بقت بتجري تدور على مخرج.
أما ياسين
فأول قرار أخده، كان غريب على كل اللي حواليه.
فتح أوضة البيانو.
الخدم وقفوا يبصوا لبعض بصدمة وهم شايفين الشمس داخلة المكان لأول مرة من سنين.
التراب كان مغطي المفاتيح.
وصورة سارة لسه مكانها فوق البيانو، زي ما سابتها.
وقف قدام الصورة وقت طويل.
وبعدين لمسها بإيده بهدوء.
أنا آسف اتأخرت.
وفي نفس الأسبوع
رجعت صور آدم للقصر.
رجعت لعبه الصغيرة.
وحتى الكوباية الزرقا اللي كان بيشرب فيها اللبن، محدش رماها.
ولأول مرة من تلات سنين
اتحط أكل على السفرة الكبيرة.
لكن المعجزة الحقيقية
كانت ليلى.
البنت الصغيرة بقت تمشي في القصر كأنها نور صغير دخل مكان كله ضلمة.
الحراس اللي عمرهم ما ابتسموا، بقوا يخبولها شوكولاتة.
والخدم بقوا يستنوا صوت ضحكتها.
أما ياسين
فكان بيتغير بطريقة محدش مصدقها.
بقى يرجع البيت بدري.
بطل الشرب.
وبدأ يبيع جزء كبير
من شغله القذر فعلًا.
فنادق.
مطاعم.
مشاريع قانونية.
زي ما وعد سارة زمان.
وفي يوم
كان قاعد في الجنينة الخلفية للقصر، وليلى بتلون جنب رجله.
فجأة سألته
إنت لسه زعلان؟
بصلها ياسين وسكت شوية.
أيوه.
هزت راسها الصغيرة بحكمة غريبة على سنها.
ماما بتقول الزعل الكبير مبيمشيش بس القلب بيتعلم يشيله.
الكلام خبطه في قلبه مباشرة.
فسألها بهدوء
وإنتي؟
رفعت كتفها الصغير.
أنا بخاف بالليل بس لما بصحى وألاقي ماما جنبي، بخف.
في اللحظة دي
ياسين حس بحاجة عمره ما توقعها.
دفا.
دفا حقيقي.
بعد شهور
مريم خدت خبر إن علاج ليلى بالكامل بقى على حساب مؤسسة جديدة اتفتحت باسم
مؤسسة سارة وآدم النجار للأطفال.
محدش احتاج يسأل مين صاحبها.
وفي افتتاح المؤسسة
الصحافة كلها كانت موجودة.
الكل مستني يشوف ياسين النجار، الرجل المعروف بالقسوة والخوف.
لكنه لما طلع على المسرح
مكانش نفس الراجل.
وشه بقى أهدى.
وعنيه فيها تعب لكن مش ظلمة.
وقف قدام الميكروفون، وسكت شوية قبل ما يتكلم.
زمان كنت فاكر إن القوة معناها إن الناس تخاف منك.
بص ناحية ليلى اللي كانت قاعدة في الصف الأول، ماسكة الأرنب القماش.
وابتسم ابتسامة صغيرة.
بس طفلة صغيرة علمتني إن أقوى حاجة ممكن تنقذ إنسان هي الرحمة.
القاعه كلها سكتت.
أما ليلى
فجريت
عليه فجأة قدام
الناس كلها.
حضنته من رجله وهي بتضحك.
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا
ياسين النجار ضحك بصوت مسموع.
ضحكة حقيقية.
الصحافة تاني يوم كتبت عن رجل الأعمال اللي اتغير.
لكن محدش
عرف الحقيقة كاملة.
محدش عرف إن أخطر راجل في البلد
أنقذته طفلة فقيرة ببخة ربو فاضية تقريبًا.
وإن البنت الصغيرة اللي دخلت القصر من باب الخدم
هي نفسها اللي رجّعت الروح لبيت كان ميت.

 

تم نسخ الرابط