روحت اتبرع بكليتي
شهد.
كانت ماسكة إيدي وتبكي.
الحمد لله يمّه.
ابتسمت بتعب.
ثم سألت
الولد؟
دخل الدكتور بنفس اللحظة وقال
العملية نجحت.
أغمضت عيني براحة.
وبعد ساعات، دخل ياسين على كرسي متحرك.
كان ضعيف جدًا.
لكن مبتسم.
وقف عند سريري وقال بخجل
شكرًا خالتي.
ما قدرت أتمالك نفسي.
بكيت لأول مرة من قلبي.
لأن الطفل ما كان يعرف إن خالته ضحت بشي أكبر من كلية.
ضحت بعمر كامل.
بعد أسبوعين، طلعت من المستشفى.
ورجعت البيت للمرة الأخيرة.
جمعت ملابسي.
أوراقي.
صورتي القديمة مع شهد.
وتركت كل شيء ثاني.
سيد وقف عند الباب وهو يشوفني.
قال بصوت مكسور
راح تتركينا فعلًا؟
نظرت له بهدوء.
أنا تركت نفسي من سنين هسه فقط رجعت آخذها.
الحاجة زكية حاولت تمنعني
بعد كل اللي صار؟!
ضحكت بتعب.
بالضبط بعد كل اللي صار.
شهد حملت حقيبتها ومشت جنبي.
أما سيد
فظل واقف وحده داخل البيت.
لأول مرة فعلًا وحده.
نزلت الدرج ببطء.
كل درجة كنت أحسها تسحب من عمري سنة.
مو لأن البيت غالٍ عليّ
لكن لأنّي قضيت فيه نصف حياتي.
هنا شهد خطت أول خطواتها.
هنا بكيت أول مرة بصمت حتى لا تسمعني بنتي.
هنا رجعت مئات الليالي وريحت الزيت بملابسي، وأنا أحاول أقنع نفسي إن التعب يومًا ما راح يجيب راحة.
لكن بعض البيوت
ما تكون بيت.
تكون مجرد مكان يستهلك روحك ببطء.
لما وصلنا الشارع، كان المغرب قريب.
الجو مغبر شوي.
والناس ماشية بشكل طبيعي جدًا.
وهذا أكثر شيء كان يوجعني.
إن العالم كله مكمل حياته عادي بينما حياتي كلها كانت تنتهي بهذي
شهد ضغطت على إيدي وقالت
يمّه إنتِ زعلانة؟
نظرت لها.
ابتسمت رغم التعب.
لا.
سكتت شوي ثم قلت
يمكن لأول مرة بحياتي مو زعلانة.
ركبنا سيارة أجرة قديمة.
والسائق ظل ينظر بالمراية علينا بين فترة وفترة.
يمكن لأن وجوهنا كانت تحكي كل شيء.
وصلنا للغرفة الصغيرة اللي استأجرتها قبل يومين بدون ما أحد يعرف.
غرفة فوق سطح بيت قديم قريب من المدرسة.
بابها أزرق باهت.
وشباكها صغير.
لكن أول ما دخلتها
حسيت براحة غريبة.
ما بيها صراخ.
ولا خوف.
ولا أحد يراقبني وكأني مقصرة دائمًا.
شهد مشت داخل الغرفة ببطء.
حطت الحقيبة على الأرض.
ثم التفتت إليّ وسألت
راح نعيش هنا؟
قلت
مؤقتًا.
ابتسمت بخفة.
حلوة.
ضحكت.
الغرفة فعلًا ما كانت حلوة.
لكن شهد كانت تحاول تخفف عني.
تلك الليلة، نمنا على فرشتين خفيفتين فوق الأرض.
ورغم وجع العملية اللي ما زال يحرق جنبي
نمت
لأول مرة بدون خوف.
بدون ما أسمع باب ينفتح آخر الليل.
ولا رنة هاتف تخوفني.
ولا خطوات حماتي وهي تتمشى بالصالة وتبحث عن أي غلطة حتى تعيرني بها.
الصبح، صحيت على صوت أذان الفجر.
بقيت أنظر للسقف طويلًا.
ثم تذكرت كل شيء دفعة واحدة.
العملية.
الخيانة.
ياسين.
البيت.
وسيد.
الغريب إني ما بكيت.
كأن الدموع خلصت.
قمت بهدوء حتى لا أصحي شهد.
وفتحت الشباك الصغير.
هواء بغداد دخل باردًا قليلًا.
وتحت، كان الخباز يفتح محله.
وصوت أم تنادي ابنها للمدرسة.
والحياة تمشي.
دائمًا تمشي.
حتى لو أنت واقف مكانك.
بعد أسبوع تقريبًا، رجعت أوقف بعربتي.
في البداية كان الوقوف صعب.
جرح العملية يوجعني بسرعة.
لكن ما كان عندي خيار.
المصاريف ما تنتظر أحد.
أول يوم رجعت فيه، الأطفال تجمعوا حولي بسرعة.
واحد يريد فلافل زيادة.
واحد يريد سندويش بالدين.
واحدة صغيرة قالت
خالتي مريم اشتقنالج.
ابتسمت رغم كل شيء.
يمكن لأن الأطفال الوحيدين اللي يحبونك بدون شروط.
وقت الظهر، سمعت صوت سيارة توقف قريب.
ما انتبهت بالبداية.
لكن بعدها سمعت صوت مألوف
مريم.
التفت.
سيد.
كان واقف بعيد.
أنحف بشكل واضح.
وجهه متعب.
حتى شعره صار فيه شيب أكثر.
ظل واقف وكأنه مو عارف إذا يقترب أو لا.
قلت ببرود
خير؟
بلع ريقه.
ممكن أحچي وياچ شوي؟
شهد كانت جالسة داخل الغرفة الصغيرة خلف العربة تدرس.
نظرت له ثواني.
ثم قلت
احچي.
اقترب خطوة.
لكن مو كثير.
كأنه يعرف إنه فقد حقه بالقرب مني.
قال بصوت منخفض
البيت فاضي بدونكم.
ما جاوبته.
كمل بسرعة
شهد حتى ما ترد على اتصالاتي.
قلت
لأنها موجوعة.
نزل رأسه.
أدري.
سكت شوي.
ثم قال
والله حاولت أصلح كل شيء.
ضحكت بمرارة.
بعض الأشياء ما تنصلح يا سيد.
رفع عينه إليّ بسرعة.
أعرف.
وكان واضح فعلًا إنه يعرف.
لأول مرة بحياتي أشوفه مكسور بهذا الشكل.
مو تمثيل.
مو محاولة استعطاف.
انكسار حقيقي.
لكن الغريب
إني ما فرحت.
ولا حتى انتقمت.
كنت فقط متعبة.
متعبة جدًا.
قال بعد تردد
ياسين يسأل عنچ كل يوم.
هنا فقط اهتز شيء داخلي.
سكت.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
مده نحوي.
هاي أوراق البيت سجلته باسم شهد.
نظرت للظرف بدون ما
ليش؟
ضحك بحزن.
لأنّي طول عمري كنت أفكر متأخر.
أخذت الظرف بهدوء.
لكن ما شكرته.
لأن بعض الحقوق ما تعود هدية لما تتأخر كثير.
قبل ما يمشي، قال بصوت ضعيف
سامحيني إذا تكدرين يوم.
نظرت له طويلًا.
ثم قلت
يمكن أسامح لكن ما راح أنسى.
هز رأسه وكأنه كان متوقع الجواب.
ومشى.
ببطء.
كأن التعب صار أثقل من جسمه.
مرت الأيام بعدها أهدأ.
شهد رجعت تضحك شوي شوي.
وصارت تساعدني بالعربة.
وأحيانًا بالليل نجيب عشاء بسيط ونقعد فوق السطح نأكل ونحچي.
مرة سألتني
يمّه لو رجع الزمن، كنتِ تتبرعين؟
سكت طويلًا.
ثم قلت
إي.
استغربت.
حتى بعد كل اللي سواه؟
ابتسمت بتعب.
لأن الإنسان لازم يبقى إنسان حتى لو غيره ما كان يستحق.
شهد ظلت ساكتة وهي تفكر بكلامي.
ثم قربت مني وأسندت رأسها على كتفي.
بعد أشهر، صار ياسين يزورني أحيانًا.
كان يحب يقعد عند العربة ويساعدني يلف السندويشات بطريقة مضحكة.
وكل مرة يغلط، يضحك.
ضحكته كانت تشبه سيد كثير.
وهذا الشي كان يوجعني ويحنّن قلبي بنفس الوقت.
أما نور
فكانت دائمًا تقف بعيد بخجل.
واضح أنها لا تعرف كيف تتعامل معي.
ولا أنا كنت أعرف.
لكن بيننا شيء غريب
شيء يشبه التعب المشترك.
كلتانا دفعت ثمن رجل واحد.
في ليلة شتوية باردة، رجعت للغرفة بعد يوم طويل.
وكانت شهد نايمة.
جلست وحدي قرب الشباك.
أشرب شاي خفيف.
وأتأمل بغداد.
فجأة أدركت شيئًا.
أنا ما خسرت نفسي يوم اكتشفت خيانة سيد.
أنا كنت خاسرتها من زمان
يوم قبلت أعيش بلا قيمة.
ويوم اعتبرت الصبر فضيلة
ويوم صدقت إن المرأة لازم تتحمل كل شيء حتى تبقى زوجة محترمة.
أغمضت عيني.
ولأول مرة منذ سنين طويلة
حسيت سلام.
مو سعادة كاملة.
ولا فرح.
لكن سلام.
السلام اللي يجي بعد ما تتوقف عن الركض وراء ناس ما شافوا قيمتك يومًا.