بعد 38سنه

لمحة نيوز


​"عشان كده قفل على نفسه ست شهور وهو بيحضر للخطة دي، واخترع قصة الخيانة عشان يخليكي تطلبي الطلاق وتكرهيه، فتبعدي وتكملي حياتك من غير ما تتبهدلي في مستشفيات وتعيشي في حزن دائم.. هو ضحى بسمعته وبحب عمره وبوجوده وسط عيلته، وعاش الخمس سنين اللي فاتوا لوحده تماماً في شقة صغيرة، بيصارع المرض ويموت كل يوم في السر عشان يحميكي من الوجع ده."
​الست طلعت من شنطتها جواب صغير متبهدل، ومدت إيدها بيه ليا وهي بتقول: "الجواب ده سابه معايا من خمس سنين، وقالي متديهوش ليكي غير في جنازته.. لما يتأكد إن كل حاجة انتهت."
​أخدت الجواب وإيدي بترتعش، فتحته ولقيت مكتوب فيه بخطه اللي حافظاه:
​"حبيبتي الوحيدة.. أنا أسف إني وجعتك، بس كان لازم أعمل كده عشان أعيش وأموت وأنا شايفك قوية ومش مكسورة بسببي. أنا عمري ما خنتك، أنا عشت ليكي ومت وبحبك."
​وقعت على ركبي في الأرض وأنا بصرخ وببكي على الـ 38 سنة اللي ضاعوا، وعلى الراجل اللي شال وجع الدنيا كله فوق كتافه ومات لوحده.. عشان يحميني أنا.

 

الدكتورة سارة طبطبت على كتفي وهي بتعيط، وسابتني ومشيت. قعدت مكاني مش قادرة أتحرك، الجواب في إيدي حاساه أتقل

من جبل. الدموع عامية عيني، وشريط حياتنا كله بيعدي قدامي.. كل ضحكة، كل أزمة عدينا بيها، والست شهور السودا اللي قسا عليا فيهم عشان يكرهني فيه.
​كنت غبية.. إزاي صدقت إنه ممكن يبيع 38 سنة في لحظة؟ إزاي مشوفتش الوجع في عينه وهو بيقولي إنه خانني؟
​وقفت بالعافية، وركبت عربيتي وأنا مش شايفة طريق قدامي. مروحتش بيتي، لقيت رجلي واخداني على شقته القديمة اللي عرفت عنوانها من ولادي بعد الطلاق ومكنتش برضي أبص ناحيتها. فتحت الباب بالمفتاح اللي الدكتورة سارة سابتهولي مع الجواب.
​الشقة كانت صغيرة، ضلمة، وريحتها دوا. مكنش فيها أي مظاهر للحياة.. غير حاجة واحدة بس.
​الحيطة الرئيسية في الصالة كانت مليانة صور! صورنا من أيام الكلية، صور فرحنا، صور ولادنا وهما صغيرين، وصور الأحفاد.. كان مجمع كل لحظة حلوة عشناها سوا، وعايش وسطها.
​دخلت أوضة نومه، لقيت على الكومودينو علب أدوية كتير، وجنبها نوتة صغيرة. فتحتها ولقيت بخطه المرتعش كاتب مذكرات الأيام الأخيرة.. كان بيكتب في كل يوم بيفقد فيه جزء من ذاكرته:
"النهاردة نسيت اسم حفيدي الصغير.. بس لسه فاكر ملامحك يا حبيبتي."
"النهاردة تعبت قوي، كان نفسي
أسمع صوتك، بس أنا مستحمل عشان تعيشي متهنية."
​في اللحظة دي، دخلوا عليا ولادي، كانوا بيدوروا عليا ولقوا عربيتي تحت البيت. شافوني وأنا منهارة في الأرض وماسكة النوتة والجواب. جم جري عليا وأنا بصرخ وبقولهم: "أبوكم مخدعناش.. أبوكم مظلمناش.. أبوكم ضحى بعمره كله عشاننا!"
​لما قرأوا الجواب والنوتة، الشقة اتقلبت مناحة. ولادي كانوا بيبكوا بحرقة، ندمانين على كل يوم قسوا فيه عليه أو قصروا في سؤاله، وهو كان بيموت في السر عشانهم.
​عرفنا الحقيقة.. بس بعد إيه؟ بعد ما القطر فات، وبعد ما بقيت أنا وولادي عايشين بوجع وذنب هيفضل في قلوبنا لحد ما نروحله.. بس العزاء الوحيد، إنه مات وهو أغلى وأطهر راجل في نظري، وإني هعيش الباقي من عمري مخلصة لذكراه، وللحب الكبير اللي حماني بيه لحد آخر نفس في عمره.
مرت شهور على الجنازة، بس الشقة الصغيرة دي مبقتش مجرد مكان، بقت هي حياتي الجديدة. نقلت حاجتي وعشت فيها وسط صوره ومذكراته.. حاسة إن روحه لسه في المكان، وإن ده أقل تعويض عن الخمس سنين اللي عاشهم في ضلمة ووحدة عشاننا.
​ولادي بقوا بيجوا يقعدوا معايا كل يوم، بنقعد نقرأ كلامه ونفتكر أيامه. الوجع والذنب
ماناموش في قلوبنا، بس اتحولوا لطاقة حب ودعاء ليه في كل سجدة وكل لحظة.
​وفي يوم، وأنا برتب النوتة بتاعته وبقفلها عشان أشيلها، لمت صباعي ورقة صغيرة كانت مستخبية في الجلاد الورقاني بتاع النوتة من ورا. سحبتها براحة.. لقيتها تذكرة سينما قديمة قوي، متبهدلة من الزمان، ومكتوب بظهرها ببيان جاف ممسوح تقريباً:
"أول فيلم دخلناه سوا.. 1988. مش هنسى اليوم ده طول ما فيا نفس."
​الورقة دي خلتني أبتسم وسط دموعي. عرفت إنه مكنش بيموت لوحده.. هو كان عايش بالذكريات دي، كانت هي ونسه ودواه الحقيقي وسط كل التعب.
​جمعت ولادي وأحفادي كلهم في الصالة، تحت الحيطة اللي مليانة صورنا، وقولتلهم: "أبوكم ساب لنا ورث مش فلوس ولا عقارات.. ساب لنا أعظم قصة حب وتضحية، وعايزاكم تحكوا الحكاية دي لأولادكم وأحفادكم.. اعرفوا إن الراجل ده عاش بطل ومات بطل."
​دلوقتي، وأنا قاعدة في البلكونة وببص للسما، مفيش في قلبي غير سلام غريب. حاسة إنه سامعني وشايفني.. ومبقتش خايفة من الموت، بالعكس، بقيت مستنياه بصبر وحب، عشان أول ما أروحله، هاخده في حضني وأقوله: "أنا عرفت كل حاجة يا حبيبي.. ومسامحاك على الوجع، وشايلاها لك جميل
لحد ما اتقابلنا تاني."

تم نسخ الرابط