قصه ابكت العالم
داخلي
شيء ظل متحجرا لسنوات.
انحنيت برأسي خجلا من نفسي وكأنني أقف أمام مرآة الحقيقة لأول مرة. مددت يدي المرتجفة وأمسكت مصحفا كان موضوعا بجانبي منذ زمن مصحفا مررت عليه مئات المرات دون أن أفتحه ودون أن ألتفت إليه.
فتحت الصفحة الأولى وبدأت أقرأ
لكن الكلمات لم تكن كما عهدتها من قبل.
كانت الآيات هذه المرة تخاطبني أنا تفضح تقصيري وتكشف خۏفي وتربت في الوقت نفسه على قلبي المتعب. لم أشعر إلا والدموع تنهمر من عيني دون إذن دموعا ساخنة صادقة كسرت سدود الكبرياء التي بنيتها طوال سنين.
كنت أبكي كطفل ضائع وجد طريقه أخيرا.
كان بعض المصلين لا يزالون في المسجد فحاولت جاهدا أن أتماسك
قلت في نفسي بصوت داخلي مرتجف
لست أنت الأعمى يا سالم بل أنا.
أنا الذي كنت أعمى عن النور
أنا الذي كنت أعمى عن الهداية
أنا الذي أضعت الطريق وأنا أظن نفسي أراه.
انتهت الصلاة وخرجنا من المسجد لكن قلبي لم يخرج كما دخل.
كنت إنسانا آخر أو على الأقل بدأت أول خطوة لأكون كذلك.
عدنا إلى المنزل وكانت زوجتي تنتظر بقلق واضح. نظراتها كانت مليئة بالخۏف والتساؤل وكأنها تخشى
أن يكون خروجي مع سالم مجرد نزوة عابرة سرعان ما تنطفئ.
جلست أمامها وحكيت لها كل
عن المسجد عن الصلاة عن سورة الكهف عن بكائي الذي لم أستطع منعه.
وما إن علمت أني صليت مع سالم حتى اڼفجرت بالبكاء.
لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة
كانت دموع فرح وارتياح وأمل طال انتظاره.
قالت وهي تمسح دموعها
كنت أدعو الله كل ليلة أن يهديك ولم أفقد الأمل يوما.
في تلك الليلة شعرت لأول مرة منذ سنوات أن بيتي هادئ أن الهواء أخف وأن القلوب أقرب.
ومنذ ذلك اليوم
لم تفتني صلاة جماعة.
شيئا فشيئا بدأت أبتعد عن رفاق السوء أولئك الذين كنت أظنهم سندا فاكتشفت أنهم كانوا أثقالا تشدني إلى القاع. لم يكن الفراق سهلا لكنه كان ضروريا.
وفي المسجد وجدت رفقة صالحة
وجوه بسيطة قلوب صافية
أصبحت قريبا من أسرتي أسمع أكثر مما أتكلم وأشعر أكثر مما أظهر.
وأشرقت الابتسامة على وجه سالم ابتسامة لم أر مثلها من قبل.
من يراه اليوم يظن أنه يملك الدنيا وما فيها.
ليس لأنه يرى بل لأنه يبصر بقلبه.
أما أنا
فكلما نظرت إليه حمدت الله ألف مرة على نعمته
وطلبت المغفرة ألف مرة على سنين أضعتها في الغفلة والسخرية
سنين كنت أضحك فيها بينما روحي كانت تبكي في صمت.
واليوم
إن سألني أحدهم من الذي أنقذ من
أقول دون تردد
الأعمى أنقذ البصير
وساقه