تعاملني اختي مثل الخادمه
بسرقة عربية نهى لو حاولت تمشي.
الأربع 9 صباحا أمي بتتكلم عن إنها تستنفد الحد الأقصى من كارت نهى التاني.
يوسف همس بصوت متقطع
لازم تمشي الليلة. هيكلموا البوليس بكرة الصبح عن العربية. لازم تسبقهم.
بصيت للشاب الشجاع اللي ضحى بأمانه عشان يحميني. فهمت إن الرحيل مش هروب ده خطة. لازم أمشي عشان أستعيد قوتي وأرجع له.
الساعة 12 بالليل الضلمة غطت الضواحي. بدأت المرحلة الأخيرة من رحيلي.
تحركت في أوضتي بهدوء كإني شبح. أي صرير خشب كان ممكن يصحيهم. تجاهلت التذكارات العاطفية ألبومات صور هدايا كانت أثقال. ركزت على البقاء.
حشرت كل حاجتي في أكياس قمامة سودا متينة. كان ده اختيار استراتيجي لو سعاد أو حسن بصوا من الشباك يفتكروا إني بطلع الزبالة مش بنقل كل أغراضي من بيتهم.
تسللت في الممر معدية جنب أوضة النوم الرئيسية وصوت شخير حسن الخافت بيتردد من ورا الباب. قلبي كان بيدق جامد لدرجة إني افتكرت إنه هيصحي العيل.
وصلت لباب المطبخ. يوسف كان مستنيني في الضلمة.
ما اتكلمش. مسك اتنين من أتقل الشنط وقادنا لعربيتي السيدان اللي كنت راكنها في الشارع عشان أتجنب دوشة باب الجراج. حملنا الشنط في شنطة العربية تحت نور كهرماني خافت من أعمدة النور والهواء البارد بيقرص وشنا.
بصيت له آخر مرة. الذنب كان تقيل على صدري.
قلت بصوت مخنوق
يوسف
قرب مني بيرتعش في جاكته الخفيف وإيديه في جيوبه.
قال
يا خالتي امشي. ما تقلقيش علينا. لو فضلتي هنا هتموتي موت بطيء جوه الجدران دي.
مسكت إيديه وضغطت عليهم بقوة.
بوعدك إني هرجعلك. هبقى أقوى وهخرجك من هنا.
أومأ برأسه مرة واحدة زي جندي ثابت في معركة خسرانة وزقني برفق ناحية مقعد السواق.
شغلت العربية وسايبتها تتدحرج على المنحدر وهي على وضع الحياد قبل ما أدوس بنزين. وأنا سايقة في الشوارع الفاضية دموعي نزلت. لكن تحت الحزن كان فيه راحة عميقة لدرجة إنها دوختني.
وصلت لمجمع سكني متبهدل في طرف المدينة هالة كانت مأمنة
ما قفلتش المزلاج حتى. كنت مرهقة لدرجة إني ما اهتمتش.
السلام ما طولش.
صحيت تاني يوم مش على صريخ العيال لكن على موبايلي وهو بيتهز ويقع. 99 مكالمة فائتة. مئات رسايل. سعاد.
تجاهلتهم. لكن بعدين جت رسالة صوتية
يا جاحدة! هكلم البوليس وأقول إنك سرقت فلوسي! هتدفعي تمن تخليك عن العيلة دي!
احتفظت بالرسالة الصوتية. كانت دليل.
بعد أقل من 48 ساعة من وصولي وهم الأمان اتبخر. كنت قاعدة على الفرشة بحاول أركز في كتاب فجأة الأوضة نورت بأضواء صفارات البوليس الحمراء والزرقاء اللي بتخترق الستارة الخفيفة.
خبط عنيف هز باب الشقة.
بصيت من العين السحرية. اتنين ضباط واقفين بزي رسمي إيديهم قريبة من مسدساتهم. ووراهم على طول سعاد بتلعب دورها ببراعة عاملة نفسها أرملة مكسورة بتمسح دموعها.
فتحت الباب وإيديا باينة.
الضابط الأكبر قال بنبرة حازمة
آنسة نهى وصلنا بلاغ عن التحقق من سلامة قاصر وادعاء بسرقة كبرى سرقة أصول بعشرة آلاف جنيه.
اتصدمت. عشرة آلاف
سعاد اندفعت من الردهة دموعها نازلة
اقبضوا عليها! دي حرامية! خدت فلوس عيالي وسرقت مجوهرات جدتي فاطمة القديمة!
قلت بصوت مرتعش لكن ثابت
ما سرقتش حاجة. يا حضرة الضابط بص على المكان.
رجعت خطوة لورا. الأوضة فاضية غير فرشة وأكياس هدوم. مش شكل وكر حرامية مجوهرات.
فتشوا أغراضي. ما عنديش حاجة أخبيها.
بدأوا يفتشوا. سعاد واقفة عند المدخل ابتسامة ساخرة وسط دموعها المصطنعة. كانت فاكرة إنها مسكتني. فاكرة إنها كسبت.
التوتر كان خانق. لحد ما صوت لاهث قطع الجو
استنوا!
رفعت راسي. يوسف واقف في الردهة بيتنفس بسرعة عرق مغرق وشه. واضح إنه جري أو ركب مواصلة عشان يلحقهم.
سعاد اتفاجئت
يوسف ارجع للعربية!
هو تجاهلها وعدى جنبها ورفع موبايله المكسور في وش الضابط.
قال بصوت مرتعش لكنه عالي
أمي بتكدب.
الضابط شاف الفيديو. الشاشة عرضت مشهد واضح سعاد وهي بتلف علبة مجوهرات بمنشفة وتخبيها تحت سريرها وتضحك مع حسن إنها هتدمر حياة نهى.
الجو اتغير فجأة. الضابط الأصغر وقف عن التفتيش وبص لسعاد. الضابط الأكبر رجع الموبايل ليوسف وبص لأختي بنظرة مختلفة تماما.
قال بصوت هادي لكنه حاد
يا مدام تقديم بلاغ كاذب جريمة. وإهدار موارد الشرطة في ثأر شخصي جريمة خطيرة.
سعاد اتلعثمت
أنا هو بيكدب! الولد مش فاهم!
قال الضابط بحدة
الفيديو واضح. اخرجي للطرقة يا مدام دلوقتي.
شفت إزاي موازين القوة اتقلبت. سعاد فهمت إن محاولتها تدميري بقت سبب مثالي يخلي السلطات تحقق معاها.
العواقب كانت سريعة وقاسية.
الضابط قدم بلاغ إلزامي لإدارة حماية الطفل. كان قلقان من سلوك سعاد غير المستقر والأدلة المصورة اللي بتثبت إنها لفقت تهمة لحد من أهلها.
التحقيق كشف طبقات من الإهمال أنا كنت مخبياها سنين. الأخصائي الاجتماعي وصل البيت يعمل تفتيش مفاجئ. ومن غير وجودي أنضف العفن وأخفي الفوضى البيت كان شبه منطقة منكوبة.
لقوا عفن أسود في الحمام. التلاجة فاضية. الكهربا مقطوعة تاني. العيال الصغيرين كريم سارة وآدم باين عليهم سوء تغذية.
حسن أثبت ولاءه الحقيقي. أول ما الضغط زاد لم شنطته وسرق فلوس سعاد اللي كانت مخبياها في علبة بسكويت واختفى في الضلمة سايبها تواجه العواقب لوحدها.
جلسة الاستماع الطارئة كانت شكلية. القاضي شاف الصور وقرأ تقرير الأخصائي الاجتماعي.
سعاد اتجردت من حضانة العيال. واتحطوا في رعاية أسر بديلة مؤقتة.
يوسف اتفصل عن إخواته الحاجة الوحيدة اللي كنت بحاول أمنعها لكنه كان في أمان.
القاضي حكم على سعاد بخدمة مجتمعية وغرامة تقيلة. يائسة مفلسة ووحيدة لحقتني آخر مرة.
كنت في مكتب الشركة بخلص فترة تدريبي لما موظفة الاستقبال كلمتني
في ست هستيرية في الطرقة.
خرجت لقيت سعاد. شكلها شبح شعرها منكوش عينيها جاحظة هدومها متسخة.
صرخت
نهى! أرجوك! قولي لهم إنك هتدفعي الإيجار! حسن سابني! ماينفعش أخسر العيال! إنتي عمتهم!
كانت بتحاول تستغل حبي ليهم كسلاح آخر مرة.
بصيت لها. استنيت أحس بالذنب. استنيت رغبة أصلح. لكن ماكانش فيه حاجة. مجرد حزن أجوف.
رجعت خطوة لورا بعيد عن إيدها.
قلت بصوت مسموع في الطرقة
أنا ربيتهم 3 سنين يا سعاد وإنتي ما اتصرفتيش يوم كأم حقيقية. دي النتيجة اللي لازم تتحمليها. مش هانقذك المرة دي.
أشرت للأمن. خرجوها وهي بتعيط وأنا رجعت مكتبي أبني المستقبل اللي حاولت تهدمه.
بعد ست شهور.
كنت واقفة في الدور العلوي من مبنى في لاس فيجاس ببص على أضواء النيون وهي بتنور في سماء الصحرا.
خلصت تدريبي بتفوق. الشركة عرضت علي وظيفة محللة نظم مبتدئة بدوام كامل. المرتب أعلى من اللي سعاد وحسن جمعوه في 3 سنين. ساكنة في مجمع حديث الكهربا ما بتقطعش.
الحاجة فاطمة جالها جلطة خفيفة بعد الجلسات. الخزي كان شديد عليها. ومن غير دخلي اتنقلت لدار رعاية حكومية على أطراف المدينة. ريحتها مطهر وندم. بتتصل أحيانا لكن ما بردش.
تركيزي بقى على الأبرياء.
قابلت مستشار مالي وأنشأت صندوق تعليمي محمي ليوسف وإخواته. يفتح لما يتموا 18 سنة. الشروط صارمة سعاد ما ليهاش أي حق فيه.
يوسف دلوقتي عايش مع أسرة حاضنة بتشجع اهتماماته الهندسية. بنتواصل بالإيميل كل أسبوع. وعدته إن مستقبله مضمون وأنا بوفي بوعدي.
وسعاد
شغالة في وردية ليلية في مغسلة هدوم شغالة 24 ساعة في حي فقير من المدينة عشان تسدد غراماتها القضائية. ساعات بتخيلها هناك تحت نور فلورسنت باهت وهي بتطوي هدوم داخلية متسخة لناس غرباء ضهرها بيوجعها من الشغل اللي طول عمرها كانت شايفة نفسها أرفع منه.
أخيرا بقت عايشة واقع اختياراتها.
لفيت ضهري عن الشباك وشلت شنطتي الجلد. شفت انعكاسي في الزجاج ست ما بقتش تعبانة وما بقتش خايفة.
دخلت قاعة الاجتماعات مستعدة للقيادة. أنا عديت
والسلام ختام
بقلم الكاتبة نرمين همام
تمت