العوده من القبر
أجري وأنجو بنفسي؟ ولا أحاول أنقذ أختي؟
بصيت لنور، وشفت في عينيها نظرة استنجاد. قطعت وصلات الأجهزة، وشيلتها على ضهري، وطلعت أجري وسط النار والدخان. خرجت من البيت ووقعت على الرمل وأنا شايلة نور في حضني. بصيت ورايا، البيت كان بيحترق.. وعم صابر كان واقف بعيد بيبصلي بنظرة غامضة. نور مسكت في رقبتي وقالت بصوت مسموع بالعافية أمل.. نيرمين.. نيرمين هي اللي حاولت تنقذني.. ليلى هي اللي أخدتنا.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. مكنتش عارفة أصدق مين، الكل أخطأ في حقنا. رفعت راسي وشفت عربية سودة بتقرب مننا ببطء.. وفتحت الباب.
العربية السودة وقفت، ونزل منها شخص مكنتش أتوقعه.. كان عصام السيوفي، أبويا. بس مكنش مكسور.. كان في كامل هيبته. بص لنور وبعدين بص لي وقال ببرود كنت عارف إنك هتوصل لهنا يا أمل. صرخت فيه إنت خرجت إزاي؟ إيه اللي بيحصل يا بابا؟
ضحك وقال أمل يا بنتي، السجن ده للي زيهم. أما أنا، فأنا اللي بدير الأمور. نيرمين اللي شوفتيها دي كانت وسيلة عشان تجيبك هنا.. الحقيقة يا أمل إن نور هي الورقة الأخيرة اللي كنت مستنيها عشان أخلص من ليلى للأبد. نور بصوت مرعوب همست أمل.. متصدقيهوش.. هو اللي عايز يخلص مننا إحنا الاتنين عشان يمسح أي أثر للماضي من حياته.
أبويا قرب مننا ليلى أخدت مني كتير يا أمل.. نور دي كانت الورقة اللي بتهددني بيها. ودلوقتي، بما إن ليلى بقت بعيدة، ملوش لزمة إن نور تفضل موجودة.. ولا إنتي كمان. في اللحظة دي، عم صابر التربي وجه سلاحه ناحية أبويا وقال لحد هنا وكفاية يا عصام بيه.. ليلى هانم كانت عارفة إنك مش سهل، وعشان كده خلتني أراقبك.
فجأة، المكان اتحول لساحة صراع. سحبت نور وبدأت أتحرك بعيد وأنا بصرخ من الخوف. وسط الجلبة، شفت أبويا وهو بيحاول يهرب، بس اتصاب. نيرمين ظهرت، وبدل ما تساعده، أخدت شنطة
شلت نور، وبكل قوتي ركبت العربية ودورتها. سقت بجنون وأنا مش شايفة غير الطريق قدامي. نور كانت جنبي، بتنهج بصعوبة. بصيت لها وقولت في سري إحنا هنبدأ من جديد يا نور.. في مكان محدش يعرفنا فيه. لكن وأنا بفتح درج التابلوه، لقيت ظرف مقفول مكتوب عليه إلى أمل ونور.
فتحت الظرف، لقيت فيه أوراق سفر بأسماء تانية، ورسالة بخط إيد ليلى أمي لو قريتوا الرسالة دي، يبقى أنا وصابر نجحنا. نيرمين وعصام كانوا فاكرين إنهم أذكى مني، بس أنا اللي كنت بدير اللعبة. نيرمين اللي هربت بالشنطة، الشنطة فيها أوراق هتوقعها في شر أعمالها. عيشوا يا بناتي.. وانسوا الماضي.
بصيت لنور، ولقيتها بتبتسم ابتسامة باهتة.. لأول مرة أحس إننا أحرار، بس الحرية دي كان تمنها غالي جداً. دوست بنزين، وسبت كل حاجة ورا ضهري، وأنا عارفة إن القصة مخلصتش.. هي بس بدأت تكتب أول سطر بجد.
السرعة كانت جنونية. نور كانت مغمضة عينيها، وجسدها المنهك بدأ يرتاح. وصلنا المطار قبل الفجر. دخلنا المطار زي خيالات. الأوراق اللي أمي سابتها كانت معمولة بحرفية، أسماءنا فيها كانت سارة وهنا. واحنا واقفين، شاشات التلفزيون عرضت خبر عاجل انفجار سيارة على الطريق، ومصرع سيدة كانت بداخلها.
نور مسكت إيدي. نيرمين انتهت.. الشنطة اللي كانت فاكرة إنها نجاتها، كانت نهايتها. أمي مسبتش حد من اللي أخطأوا إلا وأخدت حقها منه. ركبنا الطيارة، وحسيت بتقل انزاح من فوق صدري. بصيت من الشباك على أنوار المدينة وهي بتبعد. نور مالت براسها على كتفي وهمست تفتكري هنقدر ننسى يا أمل؟ بصيت لها وقولت بصدق مش هننسى يا نور، بس هنتعلم نعيش..
نور نامت، وأنا فضلت صاحية. فتحت شنطتي، فإيدي لمست فلاشة تانية خالص. حطيتها في اللابتوب وفتحتها. كان فيها فيديو واحد بس. ظهرت أمي وهي قاعدة، وقالت أمل، نور.. لو شوفتوا الفيديو ده، يبقى إنتوا دلوقتي في أمان. أنا عارفة إن الحقيقة مرة. بس السر الأخير.. إن عصام السيوفي مكنش أبوكم. أبوكم الحقيقي كان شخص بسيط، عصام تخلص منه عشان ياخد الورث. أنا عشت سنين بخطط لليوم اللي تخرجوا فيه من سيطرته. عيشوا يا بناتي.. وعوضوا بعض.
الفيديو خلص، والشاشة اسودت. دموعي نزلت بصمت. الحكاية كانت أعقد من مجرد صراع، كانت حرب بقاء. وصلنا البلد الجديدة، وبدأنا حياة هادية. نور بدأت تتعافى، وأنا اشتغلت في مرسم صغير. مر سنتين، والحكاية بدأت تبقى مجرد ذكريات.. لحد ما في يوم، لقيت جواب محطوط تحت باب الشقة.
الجواب مكتوب عليه الديون لازم تتدفع. فتحت الجواب، ولقيت جواه صورة لعم صابر، ووراه خيال شخص لابس بدلة شيك، وماسك في إيده ولاعة فضة غالية جداً.. نفس الولاعة اللي كانت مع عصام. جسمي اتنفض والورقة وقعت من إيدي. بصيت لنور اللي كانت بترسم، وحسيت إن الأرض بتهتز تاني. الماضي مابيموتش يا أمل.. الحكاية مخلصتش.
مسكت الورقة وأنا حاسة برعب كبير. عصام لسه موجود؟ والولاعة دي ميمسكهاش غيره، وعم صابر.. هل كان معاه من الأول؟ دخلت المطبخ وقفلت الباب، وسندت ضهري عليه. الموبايل رن برقم دولي مخفي. رديت وأنا مرعوبة.
مبروك على الحياة الجديدة يا أمل.. بس يا خسارة، الألوان في شقتكم فاقعة زيادة، مش لايقة على اللي حصل. كان صوته. عصام ماماتش. الطلقة اللي سمعتها شكلها كانت مجرد تمويه. قولتله بصوت بيترعش إنت عايز إيه؟ سيبنا في حالنا، إنت أخدت كل حاجة.. عايز منا إيه تاني؟
ضحك وقال أنا مش عايز فلوس يا بنتي.. أنا عايز الأمانة. أمك قبل ما تتقبض
اسمعي يا أمل.. قدامك 24 ساعة. هترجعي، وتيجي للمكان اللي عارفاه لوحدك، ومعاكي المفتاح. لو فكرتي تبلغي، اعتبري نور انتهت.. وإنتي عارفة إني أقدر أوصلكم. الخط قطع. وقفت مكاني مشلولة. بصيت لنور، كانت بتبص لي وابتسمت. مكنتش أعرف إني هضطر أواجه كل حاجة تاني عشان خاطر الابتسامة دي.
تاني يوم، كنت في المطار راجعة لنفس المواجهة. بس المرة دي، مكنتش أمل الضعيفة. المرة دي، كنت شايلة معايا سر أمي. وصلت للمكان بليل. عصام كان واقف مستنيني، وجنبه عم صابر اللي كان باصص في الأرض. رميت له المفتاح وقلت أهو.. خد المفتاح وسيبنا نعيش.
عصام مسك المفتاح بعين بتلمع، وقبل ما ينطق بكلمة، المكان كله نورت بكشافات الشرطة سلم نفسك يا عصام.. المكان كله محاصر! عصام بص لي بذهول بلغتي؟ قولتله ببرود إنت اللي علمتني إن الحقوق لازم ترجع.. وده حق أمي ونور.
وفي لحظة، عصام حاول يتحرك، بس عم صابر وقف في طريقه، وانتهى كل شيء. الشرطة هجمت، وفي وسط الفوضى، عصام حاول
يهرب، بس سقط في فخ الطبيعة في المكان ده. بصيت له وهو بيختفي ببطء، صوته كان بيختفي مع الريح، بس أنا ممدتش إيدي. وقفت أتفرج على نهاية الشخص اللي حاول ينهي حياتنا.
عم صابر قبل ما يغادر المكان، مسك إيدي وقالي سامحيني يا بنتي.. كان لازم أجاريه عشان أجيبه لهنا.. ليلى كانت عارفة إنه مش هينتهي بسهولة، وكان لازم الفخ يبقى محكم.
القصة انتهت بجد المرة دي. مفيش رسايل تانية. أمي بتواجه جزاء أعمالها، وعصام انتهى، ونيرمين رحلت. رجعت لنور، ومن يومها وإحنا بننعم بالسكوت والهدوء اللي اشتريناه بأغلى تمن.. تمن إننا نعيش
تمت
بقلم إنجي الخطيب