ياسين وهنا
قبل الفرح بأسبوعين، أهلي طلبوا يقعدوا مع خطيبي "ياسين" لوحدهم في الصالون. دخلت المطبخ أحضر الصينية، ووقفت ورا الباب لما سمعت أبويا بيقول بلهجة حاسمة: "يا ابني إحنا بنحبك وعاوزين نبري ذمتنا قدام ربنا.. البنت دي كدابة، وطول عمرها بتخبي بلاوي، وهي عندها بنت (مخبياها) من وراك!".
أبويا كمل وهو بيضغط على حروفه: "اسألها مين هي (فيروز)؟ واسألها عن الفلوس اللي كانت بتسحبها من ورايا.. دي بتصرف على بنتها في السر!"
أنا كنت واقفة ورا الباب الموارب، شايلة صينية "شربات"، وإيدي بتترعش لدرجة إن الكاسات كانت بتخبط في بعضها. سمعت صوت أمي واطي ومبحوح: "افكش الجوازة دي يا ياسين، اهرب بجلدك قبل ما تلبس في الحيط وتدمر حياتك".
ياسين سكت.. والسكوت ده كان بيقطع في قلبي. وفجأة رد بصوت هادي وواثق: "أنا عارف".
من الصدمة، الصينية مالت من إيدي وخبطت في حرف الباب، والشربات الأحمر غرق السجاد. أمي لفت بسرعة، وأبويا ملامحه نورت بانتصار شرير، كأنه بيقول "أهو اعترف وهيسيبها".
ياسين قام وقف، ومبصش ناحيتي، فضل باصص في عينيهم وقال: "أنا عارف إنكم مألفين القصة دي كلها.. ومعايا تقرير كامل من مكتب تحريات وتتبع، ومعايا الحقيقة كلها هنا".
طلع ظرف كبير وحطه على التربيزة وزقه ناحية أبويا. أول ما أبويا
لأن التقرير مكنش عني أنا.. التقرير كان عن طفلة تانية خالص، اختفت من 28 سنة، ومحدش يعرف عنها حاجة.
أمي سألت وهي بتترعش وصوتها طالع بالعافية: "إنت عرفت مكانها إزاي؟".
اللي ياسين كشفه مكنش مجرد كدبة عشان يبوظوا جوازة.. ده كان الخيط اللي هيسحب سر هما دافنينه من قبل ما أنا أتولد.
يتبع
أبويا مسك الظرف بإيد بتترعش، وفتحه وهو بيحاول يبان متماسك، بس أول ما شاف الصور اللي جوه، لسان حاله اتقطع.
الصور مكنتش لبنت صغيرة.. كانت لصور ورق قديم من مستشفى خاص اتقفل من سنين، ومعاها صورة "سونار" باهتة وعليها تاريخ قديم قوي.. تاريخ ميلادي أنا.
ياسين بص لهم ونظرة عينه كانت حادة زي الموس: "كنتوا فاكرين إنكم لما تلبسوها تهمة (بنت في السر) هتشغلوني عن البنت الحقيقية اللي اختفت؟ التقرير ده بيقول إن (فيروز) مكنتش مجرد اسم، دي كانت أختي الكبيرة اللي أنتوا قولتوا للناس إنها ماتت وهي لسه مولودة.. بس الحقيقة إنكم بعتوها".
أمي رميت نفسها على الكنبة وهي بتنهج، وأبويا صوته طلع مخنوق: "إنت فاهم غلط.. إحنا عملنا كده عشان نعيشك إنتي.. المستشفى كان غالي وإحنا كنا.."
ياسين قاطعهم بزئير واطي: "بعتوا طفلة عشان تداروا على
أنا كنت واقفة مكاني، رجلي م
ش شيلاني، الشربات اللي غرق السجاد كان شكله زي الجرح المفتوح. ياسين قرب مني، مسك إيدي اللي كانت بتترعش، وبص لأبويا وقال جملة واحدة خلت البيت كله يتهز:
"إحنا مش بس هنتجوز في معادنا.. إحنا هنروح بكره نبلغ بالتقرير ده، يا إما تقولوا لي فيروز فين دلوقتي بالظبط.. يا إما الفرح الجاي مش هيكون في قاعة، هيكون في المحكمة".
أبويا نزل راسه في الأرض لأول مرة في حياته، وأمي بدأت تصرخ بهستيريا.. في اللحظة دي عرفت إن الإنسان اللي اختارته مكنش بس بيحبني، ده كان الشخص اللي حررني من سجن عيلة عاشت حياتها كلها بتبني بيوت من كدب.
أبويا سند راسه بين إيديه، وصوته طالع زي ما يكون جاي من تحت الأرض: "إحنا مبعناهاش يا ياسين.. إحنا خبيناها".
ياسين ضحك ضحكة استهزاء مريرة وقال: "خبيتوها؟ خبيتوها عند ناس غريبة مقابل شيك بمبلغ وقدره؟ وطلعتوا شهادة وفاة مزورة عشان تخرسوا أي حد يسأل؟".
بصيت لأمي وأنا مش مصدقة، كنت دايمًا حاسة إن فيه حيطة سد بيني وبينهم، كنت بحس إني "زيادة" عليهم، بس مكنتش أتخيل
أمي بصت لي ب غل غريب وقالت: "كانت هتموتنا من الجوع.. أبوكي كان خسران كل حاجة، والناس اللي خدوها مبيخلفوش، يعني عاشت في عز إنتي مشفتيهوش!".
ياسين شد على إيدي وضغط عليها عشان يطمني، وبص لأبويا وقال بلهجة مفيهاش تفاهم: "قدامكم ساعة واحدة.. الاسم والعنوان اللي فيروز عايشة تحتهم دلوقتي يكونوا عندي، وبالاسم الجديد اللي متسمية بيه.. لو الساعة دي عدت والورقة دي ملمستش إيدي، المحامي بتاعي هيقدم البلاغ في القسم، والتقرير ده هينزل على صفحات التواصل الفضايح مش هتخلص".
أبويا قام ببطء، دخل المكتب وطلع ورقة قديمة، باين عليها إنها متشالة في مكان سري من سنين، وحطها قدام ياسين وهو مكسور تمامًا.
ياسين خد الورقة، وبص لي وقال: "يلا بينا يا نورهان.. مفيش ليكي مكان هنا تاني".
خرجت معاه وأنا مش شايفة قدامي، ركبنا العربية، وقبل ما يدور المحرك بص لي وقال: "أنا كنت عارف إنهم هيحاولوا يبوظوا الجوازة، فبدأت أدبش وراهم عشان أضمن إنهم ميمسكوش عليكي حاجة.. بس التقرير فاجئني أنا كمان".
بصيت للورقة اللي في إيده، كان مكتوب فيها اسم "فيروز" الجديد.. وعنوان في محافظة تانية خالص. ياسين بص لي وسألني: "تحبي نروح نقابلها دلوقتي،