ياسين وهنا

لمحة نيوز


​دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة، بصيت له وقولت: "يلا بينا.. كفاية 28 سنة ضاعوا من عمرنا في الكدب".
طول الطريق للمحافظة التانية، مكنتش قادرة أنطق بكلمة. شريط حياتي كله بيعدي قدام عيني.. كل مرة كنت بحس فيها إني وحيدة، كان فيه "حفرة" جوه قلبي مش فاهمة سببها، أتاري الحفرة دي كانت مكان أختي اللي خلعوها وأنا لسه حتة لحمة حمراء.
​ياسين كان سايق وإيديه ماسكة إيدي، كأنه بيوصل لي كهرباء عشان أفضل صامدة. وصلنا قدام عمارة هادية في حي راقي، وقفنا والعربية بطلت، بس قلبي كان صوته مسموع من كتر الدقات.
​"إنتي جاهزة؟" سألني ياسين بصوت حنين.
هزيت راسي بـ "أيوة" وأنا بمسح دموعي.
​طلعنا الدور التالت، ياسين خبط.. لحظات وعدت كأنها سنين، لحد ما الباب اتفتح.
وقفت قدامي ست في أواخر العشرينات، ملامحها كانت مراية لملامحي، نفس العيون الواسعة، ونفس الشامة الصغيرة اللي فوق شفايفي. هي أول ما شافتني اتسمرت مكانها، والشنطة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض.
​"إنتي مين؟" سألتني بصوت مرعوش، وكأنها شافت شبح.
ياسين رد بهدوء: "دي نورهان.. أختك يا فيروز".
​فيروز رجعت خطوة لورا، وعينيها اتملت

دموع: "أختي؟ أنا معنديش أخت.. أنا أهلي ماتوا في حادثة وأنا صغيرة، والناس اللي ربوني هما اللي قالوا لي كدة".
​ياسين طلع التقرير والصور القديمة وقالها: "أهلك اللي ربوكي اشتروكي بفلوسهم، وأهلك الحقيقيين باعوكي بخوفهم وطمعهم.. بس الحقيقة مابتتمحيش مهما فات عليها سنين".
​الموقف كان أصعب من أي وصف.. اترمينا وإحنا بنعيط بوجع سنين ضاعت في الغربة وإحنا في نفس البلد. فيروز حكت لنا إنها دايمًا كانت حاسة إن فيه حلقة مفقودة، وإن "أهلها" اللي ربوها كانوا بيعوضوها بالفلوس عن نظرة عين مش موجودة.
​ياسين بص لنا وإحنا حاضنين بعض وقال: "الجوازة مش بس هتكمل، دي هتكون بداية لعيلة بجد، عيلة مفيهاش كدب ولا بيع ولا شراء".
​في اليوم ده، رجعت البيت لميت كل حاجتي. أبويا وأمي كانوا قاعدين في الصالة زي التماثيل، مكسورين بالخزي. مبصيتش ورايا وأنا خارجة، لإن اللي يبيع ضناه مرة، يبيعه ألف مرة.
​يوم فرحي، فيروز كانت هي اللي بتعدل لي الطرحة، وياسين كان واقف فخور بإن حبه ليا مكنش مجرد مشاعر، ده كان "إنقاذ" لروحين تاهوا في وسط كدب ملوش آخر. وأهلي؟ محضرواش الفرح، ولا بقوا جزء من حياتي، لإن اللي
يبني بيته على رمل، لازم يجي يوم والبيت يتهد فوق دماغه.
بعد الفرح بشهر، كنت قاعدة في بيتي الجديد مع ياسين وفيروز، بنحاول نعوض سنين الغربة اللي عشناها وإحنا في بلد واحدة. فيروز كانت لسه مش قادرة تستوعب إن اللي كانت فاكراهم أهلها، طلعوا مجرد "مشتريين"، وإن أهلها الحقيقيين هما اللي خانوا الأمانة.
​فجأة، الباب خبط. فتح ياسين ولقى المحامي بتاع أبويا واقف ومعاه شنطة سودة كبيرة ووشه مقلوب.
​دخل المحامي وقعد، وبص لي بنظرة كلها أسف وقال: "يا مدام نورهان، والدك تعب جدًا بعد يوم الفرح، وهو دلوقتي في المستشفى.. بس قبل ما يدخل العمليات، طلب مني أسلم الأمانة دي ليكي ولأختك فيروز".
​فتح الشنطة، ولقينا فيها دفاتر توفير قديمة، وعقود لأملاك مكنّاش نعرف عنها حاجة، ومعاهم رسالة بخط إيد أبويا، الورقة كانت صفراء وريحتها "كمكمة" كأنها متخزنة من سنين.
​فتحت الرسالة وقرأت وصيته الأخيرة:
​"يا بنتي.. أنا عارف إن الندم مش هيرجع اللي فات، والفلوس دي مش تمن لأختك، دي كانت الفلوس اللي كنت بحوشها من (تمن البيعة) ومن كل قرش كسبته بعدها، ملمستش منها مليم لنفسي، كنت شايلها ليكم لليوم اللي الحقيقة
فيه تظهر.. أنا كنت جبان، خفت من الفقر فبعت أغلى ما عندي، وخفت من الفضيحة فضيعت ابنتي التانية.. سامحوني لو تقدروا، ولو مش قادرين، ادعوا ربنا يغفر لي."
​فيروز بصت للفلوس والعقود وضحكت بوجع: "فاكر إن الورق ده هيمسح إحساسي إني كنت بضاعة؟ فاكر إن ده هيخليني أنسى الليالي اللي كنت بسأل فيها نفسي أنا طالعة شبه مين؟"
​ياسين مسك إيدنا إحنا الاتنين وقال بحكمة: "الفلوس دي حقكم، بس مش هي دي اللي هتحرركم. اللي حرركم هو إن الكدب خلص. أبوكي اختار يعيش ويموت في سجن ضميره، لكن أنتوا دلوقتي أحرار."
​قررنا أنا وفيروز إننا مش هناخد مليم واحد من الفلوس دي لنفسنا. فتحنا بيهم "دار رعاية" للأطفال المجهولين، وسميناها "دار فيروز"، عشان مفيش طفل تاني يتحرم من أهله أو يتباع تحت أي مسمى.
​أبويا عاش، بس فضل وحيد هو وأمي في بيتهم اللي بقى زي القبر، محدش بيعتب بابهم. وأنا وياسين وفيروز بقينا عيلة بجد، عيلة متربطة بالصدق مش بالدم الملوث بالكدب.
​السر اللي دفنوه 28 سنة، كان هو السبب في إننا نعيش باقي عمرنا واحنا راسنا مرفوعة، وعارفين إن مفيش كدبة بتعيش للأبد، مهما طال الزمان، الحقيقة دايمًا بتلاقي
طريقها للنور.

 

تم نسخ الرابط