اشاره سريه حكايات انجى الخطيب
كل اللي فات!
سارة بصت لأبوها وللراجل الغريب، وحست إن الستار لسه مقفلش، وإن الحكاية اللي بدأت بكسر في الرجل، لسه وراها أسرار هتخلي مصر كلها تتكلم عنها...
الحاج إبراهيم وقف مكانه، ملامحه اتغيرت مابين الصدمة والذهول، وبص للراجل الغريب اللي كان واقف بمنتهى الثبات، سارة قلبت عينيها بين أبوها وبين الضيف اللي ملامحه نسخة مصغرة من جدها الله يرحمه.. الراجل كمل كلامه وهو بيطلع ظرف مختوم بختم قديم أنا المحامي عادل، محامي العيلة في الصعيد.. الوصية دي كلفني بيها جدك قبل ما يموت بأسابيع، وقالي متتفتحش ولا تظهر إلا لما سارة تخرج من المحنة اللي كانت فيها ومن غير ما محمود يشم خبر.
سارة فتحت الظرف بإيد بتترعش، لقت ورق ملكية لأرض ومصنع نسيج كبير في المحلة، ومكتوب في آخر الورقة بخط إيد جدها للحرة اللي مبيكسرهاش وجع.. ده حقك اللي كنت شايله ليكي بعيد عن عيون الطماعين، عشان تفضلي سيدة قرارك.
محمود في السجن كان فاكر إنه خسر سارة بس، مكنش يعرف إنه خسر الكنز اللي كان بيحلم بيه طول عمره بسبب غباءه وطمعه، وفوزية اللي كانت بتخطط وتدبر، ماتت وهي متعرفش إن سارة اللي كانت بتقول عليها رهيفة بقت هي كبيرة العيلة والمالكة الوحيدة لأملاك آل رضوان.
سارة بصت لأبوها والدموع في عينيها، بس المرة دي دموع قوة مش قهر، ليلى شدتها من فستانها وقالتلها ماما، هو إحنا هنروح المصنع ده نلعب فيه؟، سارة ضحكت وشالتها وقالت لا يا لولى، إحنا هنروح هناك نبني مستقبلنا.. ونعلم الناس إن الست المصرية لما بتقوم من وقعتها، بتقوم أقوى من الأول بكتير.
وهي خارجة من النادي، شافت خيال محمود ورا قضبان السجن في خيالها، وابتسمت بانتصار، وركبت عربيتها الجديدة وسقت وهي شايفة في المراية ليلى بتلعب بالميدالية.. وفي لحظة سكون، لقت رسالة جاتلها على الموبايل من رقم مجهول مكتوب فيها مبروك يا سارة هانم.. بس خلي بالك، محمود مش لوحده اللي كان عينيه على المصنع، فيه اللي مستنيكي هناك وراسم خطة تانية خالص!
سارة داست بنزين وهي بتهمس لنفسها ببرود أهلاً بالمعارك.. أنا لسه مخلصتش، وسابت وراها كل الوجع، وبدأت رحلة جديدة وسط دخان المصانع وهيبة الورث الكبير، وهي عارفة إن اللي جاي مش مجرد شغل، دي حرب سيادة جديدة!
سارة قفلت الموبايل ورمته على الكرسي اللي جنبها ببرود يحرق الأعصاب،
وصلت المحلة، وهناك شافت هيبة مصانع رضوان.. صرح عملاق، بس العمال واقفين مجموعات والوشوش مقلوبة، وبمجرد ما نزلت من عربيتها، لقت راجل ضخم، شعره شايب وعينه صقر، لابس جلباب صعيدي وشال فاخر، واقف وسط الحراسة بتاعته ومانع المدير إنه يدخل المكتب.. ده كان منصور، ابن عم محمود، اللي كان مختفي السنين اللي فاتت وكل همه يسيطر على ورث العيلة بالعافية.
منصور بص لسارة بصه كلها استهزاء وقال بصوت جهوري أهلاً يا ست سارة.. نورتي ملكنا، بس يا خسارة، الجمال ده مكانه البيوت مش إدارة مصانع ووقفة وسط رجالة.. الورق اللي معاكي ده بله واشربي ميته، المصنع ده فيه ديون ليا أنا، وأنا اللي همشي الليلة.
سارة مشت وسط العمال بكل ثقة، وقفت قدامه والفرق في الطول بينهم كان واضح، بس نظرة عينها كانت بتهزه.. طلعت موبايلها وفتحت لايف وفجأة ظهر قدامها على الشاشة مدير أمن المنطقة ومحامي المحافظة، وقالت بصوت مسموع للكل يا سيادة اللواء، زي ما سيادتك شايف، في محاولة بلطجة لتعطيل الإنتاج في مصنع قوام الاقتصاد في المنطقة، والورق اللي في إيد الأستاذ عادل المحامي يثبت إن المصنع ده تحت حماية الدولة ووصية جدي شخصياً.
منصور وشه جاب ألوان، والعمال لما شافوا إن صاحبة الملك مش خايفة وبتحارب عشانهم، بدؤوا يهتفوا باسمها.. سارة قربت من منصور وهمست له بنفس الطريقة اللي محمود كان بيعملها زمان، بس المرة دي هي اللي في مركز القوة محمود دخل السجن عشان كان فاكرني ضعيفة.. أنت بقى عايز تدخل وراه عشان فاكرني لوحدي؟.
منصور انسحب وهو بيتوعد، بس سارة مكنتش مهتمة بتهديده، دخلت مكتب جدها وقعدت على الكرسي، ليلى دخلت وراها وهي ماسكة عروسة صغيرة وقعدت على المكتب وقالت ماما.. المكان ده كبير أوي، هنعمل فيه إيه؟.
سارة بصت لشريط الجرح اللي لسه سايب أثر بسيط في رجلها، وقالتلها وهي بتبتسم هنكبره يا ليلى.. وهنخلي كل ست محتاجة شغل تيجي هنا وتلاقي لها مكان.. إحنا مش بس ورثنا فلوس، إحنا ورثنا تار مع الضعف، وهنخلصه النهاردة.
وفجأة، الباب خبط، ودخل المحامي عادل بوش باهت وقال سارة هانم.. محمود هرب
سارة متهزتش، بالعكس، سحبت نفس طويل كأنها كانت مستنية الخبر ده عشان تخلص الحكاية للأبد. بصت للمحامي وقالت بصوت هادي ومرعب يا أهلاً بالمعارك.. خلوه ييجي، ده أنا كنت خايفة يموت في
السجن قبل ما يشوفني وأنا كاسرة مناخيره بالنجاح اللي وصلت له.
أمرت الحرس ياخدوا ليلى والحاج إبراهيم لمكان آمن جوه المصنع، ووقفت هي في نص الصالة الكبيرة، وسط المكن اللي صوته بيهز الأرض.. الدقائق كانت بتمر كأنها سنين، لحد ما لمحت خيال من بعيد بيجري بين الممرات، هدومه مقطعة وعينه طاقق منها جنون الدنيا.. كان محمود، اللي هرب من الترحيلة ومبقاش عنده حاجة يخسرها.
أول ما شافها، وقف ينهج وصرخ بهستيريا دمرتيني يا سارة! خدتي فلوسي ورميتيني في السجن وخليني مطارد.. والله ما هسيبك تتهني بمليم واحد من اللي سرقتيه!.. طلع مطواة من جيبه وجري عليها وهو بيشتم بأبشع الألفاظ.
سارة متهربتش، فضلت واقفة مكانها وبمنتهى الثبات والبرود رفعت إيدها، وفي لحظة، قبل ما يوصل لها بخطوة، طلعوا رجالة المصنع العمال اللي سارة وقفت جنبهم وشغلتهم، حوطوه زي السور العظيم، وفي ثانية كان محمود متثبت على الأرض والسكينة طارت من إيده.. العمال مكنوش مستنيين أمر، كانوا بيدافعوا عن الست اللي صانت بيوتهم.
سارة قربت منه وهو مرمي تحت رجليهم، وطت عليه وقالتله والابتسامة مالية وشها فاكر لما قلتلي إن مفيش حد جاي ينقذني؟ أديك شايف يا محمود.. المصنع ده كله بقى ضهري، والبلد دي كلها بقت عيلتي.. أنت اللي مفيش حد هيسمي عليك.
في اللحظة دي، دخلت قوات العمليات الخاصة، وقبضوا عليه وهو بيصرخ زي النسوان، ومنصور ابن عمه اللي كان مستني برا عشان يشاركه، هرب زي الفار لما شاف المنظر.
سارة خرجت لباب المصنع، الشمس كانت بتغيب وبترسم خيوط ذهب على لافتة مصانع رضوان.. الحاج إبراهيم خرج ومعاه ليلى اللي جريت على حضن أمها، سارة شالتها وبصت لأبوها وقالت خلاص يا بابا.. الحساب اتقفل، والقديم اتدفن.
الحاج إبراهيم طبطب عليها وقال دلوقتي بس أقدر أموت وأنا مستريح يا بنتي.
سارة ردت بثقة لا يا بابا.. أنت لسه هتعيش وتشوف ليلى وهي
سارة بصت لبعيد، ولأول مرة حست إن مفيش وجع في رجلها، ولا خوف في قلبها.. الحكاية بدأت بكسر، وانتهت بكيان مبيتهزش.. سارة مشيت ومعاها ليلى، وسابوا وراهم سيرة الست اللي حولت الوجع ل إمبراطورية، وبقت قصتها هي الحكاية اللي بتتحكي لكل واحدة فاكرة إن الدنيا ممكن تقف عند راجل ظالم.
الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء المنتصر مش الضحية. سارة كانت واقفة وسط عمالها، وشايفة محمود وهو بيتسحب في الكلبشات للمرة الأخيرة، وهو بيبص لها بنظرة فيها انكسار ملوش حل، وكأنه لسه مش مصدق إن سارة الضعيفة هي اللي حطت النقطة الأخيرة في سطره.
مرت السنين، وبقت إمبراطورية سارة مش مجرد مصنع، دي بقت مدرسة ومستشفى وبيت لكل ست محتاجة سند. وفي يوم، كانت سارة قاعدة في مكتبها اللي جدرانه متزينة بصور ليلى وهي بتكبر وبقت شابة زي الفل، دخلت عليها ليلى وهي لابسة لبس التخرج من كلية الهندسة، وحاطة الشهادة على المكتب وقالتلها بابتسامة نصر ماما.. أنا جاهزة أستلم الوردية بتاعتي في المصنع.
سارة قامت، ضمت بنتها بقوة، وحست إن الجرح القديم اللي في رجلها اختفى أثره تماماً، مش بس جسدياً، لا ده حتى الوجع اللي كان في الروح داب وسط ضحكة ليلى. خدت بنتها وخرجوا في البلكونة الكبيرة المطلة على خطوط الإنتاج اللي مبيسكتش صوتها، وقالتلها شوفي يا ليلى.. الأرض دي شربت دموع ووجع كتير، بس النهاردة مبيطلعش منها غير خير وقوة.. أوعي في يوم تنسي الإشارة اللي كانت بيننا، مش عشان تطلبي النجدة، عشان تفتكري إنك أنتي النجدة لنفسك.
وفجأة، ليلى رفعت إيدها وبصت لمامتها ورفعت الصباعين بنفس الطريقة القديمة، بس المرة دي كانت بتضحك وقالت اتنين يعني إحنا سوا يا ماما.. ومحدش يقدر علينا.
سارة ضحكت من قلبها، الضحكة اللي كانت غايبة عنها سنين، وبصت للسما وهي حاسة إن روح جدها وأبوها الحاج إبراهيم مرتاحين دلوقتي. وفي اللحظة دي، شافت من بعيد يافطة كبيرة بتترفع على بوابة المصنع الجديدة، مكتوب عليها مؤسسة سارة وليلى.. للأمل والقوة.
انتهت حكاية الوجع، وبدأت أسطورة الست اللي مكسرهاش الحزن، بل صنع منها كيان بقى حديث البلد كلها.. وقفلت سارة باب المكتب وهي عارفة إنها مش بس أنقذت نفسها، دي أنقذت أجيال جاية وراها، وسابت قصة هتفضل تتحكي في البيوت عن الست اللي بدأت بكسر وانتهت
تمت
حكايات انجى الخطيب