لوحه تكشف سر الام
ممكن تشتري اللوحة دي يا بيه؟
صوت البنت الصغيرة كان واطي ومخطوف، لدرجة إن الهوا كان هيطير الكلمة قبل ما توصل له.
ياسين المنشاوي كمل مشيه ولا كأنه سمع حاجة.
في العادي، راجل في هيبته ومكانته مبيقفش في شوارع وسط البلد لأي حد. لا لسياح تايهين، ولا لصحفيين بيحاولوا يرموا شباكهم، ولا حتى لناس غلابة بيمدوا إيديهم والبرد بياكل في لبسهم. كان وراه عشا عمل مهم في الزمالك، ووراه تلاتة من رجالته السلاح متلقم في جيبهم، وعدو قديم مستنيه على طرابيزة خاصة بابتسامة صفرا زي الموس.
بس البنت اتكلمت تاني.
عشان خاطري يا بيه.. دي صورة ماما. هي تعبانة قوي ومحتاجة الدواء.
هنا رجله وقفت.
ياسين لفت بجسمه كله.
تلات بنات صغيرين كانوا قاعدين على الرصيف التلج، ساندين ضهرهم على محل قافل. كانوا تلات توائم نفس الشعر الكستنائي، نفس الوشوش الشاحبة، ونفس العينين الخضرا الواسعة اللي ملامحها أكبر بكتير من سنهم. واحدة ماسكة علبة سمنة فاضية فيها كام شلن وبريزة، والتانية لافة شال قديم على كتافها، والتالتة كانت واقفة حامية قدام لوحة صغيرة مسنودة على حيطة طوب.
ياسين بص للوحة بصه خاطفة.
وفي ثانية، الدنيا اختفت من حواليه.
زحمة العربيات سكتت.. هوا الشتا هدي.. ورجالته اللي وراه بقوا مجرد خيالات. لثانية واحدة مرعبة، ياسين المنشاوي
كان مجرد راجل بيبص في وش الست اللي دفنها بإيده من سبع سنين.
اللوحة كانت لست شابة قاعدة جنة شباك، النور ضارب في وشها، وشعرها الدهبي نازل على كتافها، وعينيها الخضرا بتضحك ضحكة مكنش حد بيشوفها غيره هو وبس.
ليلى الدمنهوري.
ليلى بتاعته هو.
نفس ياسين اتقطع لدرجة إن صدره وجعه بجد.
يا باشا؟ سيد، دراعه اليمين، همس وراه إحنا اتأخرنا قوي.
ياسين رفع إيده إشارة إنه يسكت.
سيد كتم نفسه ومطقش بكلمة.
أكتر واحدة في البنات كانت باينة جريئة خدت خطوة لورا. كانت بتحاول تبان جامدة، بس ياسين شاف صوابعها وهي بترتعش.
بكام؟ ياسين سأل وصوته مخنوق.
البنت بلعت ريقها اللي تجود بيه يا بيه.
أمكم اسمها إيه؟
التلات أخوات بصوا لبعض بحيرة.
الهادية فيهم همست ليلى.
ياسين غمض عينه بوجع، ونزل لمستواهم وقعد على ركبته ليلى إيه؟
الجريئة ردت ليلى الدمنهوري.. بس هي قالت لنا منحكيش حاجة لغريب.
الاسم نزل عليه زي الرصاصة.
من سبع سنين، ليلى الدمنهوري ماتت في حادثة عربية على طريق إسكندرية الصحراوي. ياسين وقف تحت المطر والشرطة بتطلع جثة متفحمة من قلب الحطام. عرفها من شنطتها، ومن غويشتها، ومن الخاتم الفضة الصغير اللي كان جايبهولها بعد خناقة كبيرة وخلصت بضحكتها وهي في حضنه. هو اللي دفن اللي
ودلوقتي، قدامه تلات بنات ليهم نفس عينيها.
عندكم كام سنة؟ ياسين سأل.
ستة. البنت ردت.
ستة.
الحسبة نزلت عليه زي حكم الإعدام.
ياسين مد إيده في جاكيت البدلة، طلع كل اللي في محفظته، وحط رزمة فلوس تقيلة في إيد البنت. كانت فلوس كتير قوي.. كتير لدرجة إنهم خافوا، والبنت الهادية شهقت من الصدمة.
أنا اشتريت اللوحة، قالها وهو بيحاول يجمع ثباته. بس عايزكم تقولوا لي، أمكم فين دلوقتي؟
وش البنت اتغير وبصت له بشك ليه؟
ياسين بص للبنت الجريئة بنظرة فيها وجع العالم كله، ونزل لمستواها أكتر لدرجة إن ركبته غرزت في تراب الرصيف.
عشان أنا كنت أعرفها.. كنت أعرف ليلى زمان.
البنات بصوا لبعض بنظرات تايهة، كأنهم بيحاولوا يقرروا الراجل اللي لابس بدلة شيك ووراه جيش ده فاعل خير ولا مصيبة تانية جاية عليهم.
البنت الكبيرة ضمت رزمة الفلوس لصدرها وقالت بصوت مهزوز ماما قالت لو حد سأل علينا نمشي فوراً.. وقالت إن فيه ناس وحشين لو عرفوا طريقنا هياخدونا منها.
ياسين قلبه اتنفض.. ناس وحشين؟ هل تقصد أعداءه؟ ولا تقصد عيلتها اللي رفضت جوازهم زمان؟
محدش هيقدر يقربلكم وأنا موجود، ياسين قالها بصوت زي الرعد بس فيه حنية غريبة. اللوحة دي ملكي خلاص.. وأنا لازم أوصل الأمانة لصاحبتها. ودوني لماما يا بنات.
قام وقف
البنات مشيوا قدامه في دخلة الشوارع الجانبية الضيقة اللي ريحتها رطوبة وعيش محروق، وياسين ماشي وراهم بقلب بيدق لأول مرة من سبع سنين. وصلوا لبيت قديم، واجهته مقشرة، وسلمه مكسور.
البنت الصغيرة طلعت تجري على السلم وهي بتنادي ماما! يا ماما! بعنا اللوحة وجبنا فلوس الدوا وزيادة!
ياسين وقف عند باب الشقة الموارب. ريحة المكان كانت بخور ومستشفيات.
دخل وراهم بخطوات تقيلة، وبص على الكنبة القديمة اللي في الصالة.. وشافها.
كانت ليلى.. بس مش ليلى اللي في الصورة. كانت خاسة النص، وشها شاحب زي الورقة، وتحت عينيها سواد بيحكي قصة عذاب سنين. أول ما شافته، الكوباية اللي في إيدها وقعت اتدغدغت على الأرض.
ياسين؟ همست بصوت يدوب مسموع.
ياسين مقدرش ينطق. بص للبنات اللي واقفين حواليها، وبص لها، وقال بمرارة سبع سنين يا ليلى؟ سبع سنين بدفن نفسي صاحي كل يوم وأنا فاكر إني دفنتك؟ والعيال دي.. العيال دي ولادي يا ليلى؟
ليلى حاولت تقعد، ودموعها نزلت بغزارة كانوا هيقتلوك يا ياسين.. عيلتي قالولي لو مرجعتش معاهم هيصفوك.. فضلوا ورايا لحد ما عملوا الحادثة وطلعت منها بأعجوبة، وخبيت عنك إني عايشة عشان تعيش أنت.. وعشت بالبنات
ياسين قرب منها بخطوات زلزال، مسك