لوحه تكشف سر الام
نايمين في حضنها من التعب.
قعد جنبها على طرف السرير، مسك إيدها وباسها حمد الله على السلامة يا ليلى المنشاوي.
ليلى بدموع أنا مش مصدقة يا ياسين.. خايفة أصحى ألاقي نفسي لسه في الحارة.
ياسين قرب من ودنها وهمس بصوت واثق نامي وإنتي مطمنة.. الأسد رجع لعرينه، واللي فات كان كابوس وخلص. من النهاردة، إنتي وبناتك في حماية ياسين المنشاوي.. واليوم اللي فكروا فيه يكسروكي، هيبقى هو يوم نهايتهم كلهم.
ليلى غمضت عينيها وهي حاسة بأمان ملقتهوش من سبع سنين، وياسين فضل قاعد جنبهم، عينه عليهم، وقلبه بيحلف إن اللوحة اللي بدأت الحكاية دي.. هتفضل محفورة في ذاكرته كأغلى حاجة اشتراها في عمره كله.
الشمس طلعت تاني يوم، ونورها دخل القصر من الشبابيك العالية، بس المرة دي النور كان طعمه مختلف.
ياسين كان قاعد في الصالون الكبير، وحاطط اللوحة الصغيرة اللي بدأت الحكاية قدامه على الترابيزة. كان بيبص لوش ليلى اللي في الصورة، وبيقارنه بوشها اللي شافه امبارح.. فرق السنين والقهر كان واضح، بس هو حلف إنه هيرجع الضحكة دي تاني.
سيد دخل بخطوات سريعة يا باشا، عزمي الدمنهوري عرف إنك خدت ليلى والبنات، وحالياً بيحاول يهرب بره البلد.. تليفوناته كلها متراقبة، وهو مرعوب.
ياسين نفخ دخان سيجارته ببرود يهرب فين؟ الأرض دي صغرت عليه قوي يا سيد. أنا مش عايزه يهرب، أنا عايزه يحس إنه محبوس في أوضة ضلمة ملهاش باب.. زي ما حبس أخته في الفقر والخوف سبع سنين.
فجأة، سمع صوت تكتكة جزمة صغيرة على الرخام.
كانوا التلات بنات.. فريدة ولينا ومايا. كانوا لابسين فساتين جديدة سيد جابها ليهم الصبح، وشعرهم متسرح، وشكلهم كأنهم ملائكة طالعين من قلب الوجع.
فريدة قربت منه وقالت بتردد بابا.. هو إحنا ممكن نشوف اللوحة تاني؟
ياسين شالها وقعدها على رجله اللوحة دي هتنور القصر كله يا فريدة.. بس قوليلي، إيه اللي كان بيخليكم تنزلوا تبيعوا لوحات في البرد ده؟
لينا الصغيرة ردت ببراعة عشان ماما كانت بتعيط بليل وتقول ياسين لو كان هنا مكنش رضي بالحال ده.. فإحنا قلنا نساعدها عشان تجيب الدواء وتخف، وتوديك لينا.
الكلمة نزلت على قلب ياسين زي السكين. توديك لينا؟ يعني هي كانت بتزرع صورته في خيالهم رغم إنها فاكرة إنه خلاص بعيد.
ياسين ضمهم هما التلاتة وقال بصوت مكتوم خلاص يا حبايب بابا.. مفيش نزول شارع تاني، ومفيش عياط بليل. النهاردة فيه مفاجأة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح وليلى دخلت. كانت لابسة فستان ناعم، ووشها بدأ يرد فيه الروح بعد المحاليل والرعاية. أول ما شافتها البنات، جريوا عليها ماما! شوفي بابا جاب لنا إيه!
ياسين قام وقف، وبص لليلى نظرة طويلة كلها عتاب وحب ليلى.. أنا نقلت كل أملاك عيلة الدمنهوري اللي كنت مسيطر عليها لاسمك واسم البنات. حقك اللي أخوكي حاول يسرقه، رجع تحت رجلك.
ليلى شهقت أنا مش عايزة فلوس يا ياسين.. أنا عايزة نعيش في أمان.
ياسين قرب منها ومسك إيدها بقوة الأمان مش كلمة بتتقال، الأمان فعل. وعشان كده.. بص لسيد وكمل بلهجة مرعبة سيد.. عزمي الدمنهوري يجيلي
ليلى خافت ومسكت في دراعه ياسين.. بلاش دم، عشان خاطر البنات.
ياسين باس راسها وقال بنبرة واثقة متقلقيش يا ست البنات.. الأسد مبيوسخش إيده بدم الكلاب، بس لازم يعرف إن ليلى المنشاوي وراها راجل يهد جبال عشان خاطر نظرة من عينيها.
العيلة اتجمعت على أول فطار حقيقي ليهم، وياسين بيبص لولاده وهما بياكلوا بفرحة، وعينه على ليلى، وهو بيحلف في سرّه إن القصة اللي بدأت بدموع على رصيف، هتنتهي بفرحة تزلزل مصر كلها.
العصر أذن، والجو في القصر كان هادي هدوء ما قبل العاصفة.
ياسين كان قاعد في المكتب، واللوحة وراه متعلقة في نص الحيطة، كأنها نيشان لانتصاره. فجأة الباب خبط، وسيد دخل ومعاه راجل وشه أصفر زي الكركم، هدومه مبهدلة، وعينه في الأرض من كتر الرعب.
ده كان عزمي الدمنهوري.
ياسين مشالوش عينه من عليه، وفضل ساكت دقيقة كاملة.. الدقيقة دي كانت عند عزمي أطول من سبع سنين سجن.
ياسين اتكلم ببرود يرعب نورت بيتك يا عزمي.. قصدي نورت بيتي اللي كنت فاكر إنك هترتاح فيه بعد ما تخلص على أختك وعيالي.
عزمي صوته كان بيقطع ياسين بيه.. والله أنا.. أنا كنت فاهم غلط.. أنا كنت بحميهم..
ياسين قام وقف فجأة، وخبط المكتب بإيده خبطة هزت الأوضة بتحميهم؟ بتحميهم وأنت سايبهم يبيعوا لوحات في عز التلج عشان لقمة العيش؟ بتحميهم وأنت مستني موتهم عشان تورث حتة أرض؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح..
كانت واقفة بكل هيبتها، لابسة عقد ألماس ياسين كان شايلهولها من سنين، وعينيها فيها قوة مكنتش موجودة امبارح. عزمي أول ما شافها ركبه خبطت في بعضها ووقع على ركبه ليلى.. سامحيني يا أختي.
ليلى بصت له بنظرة قرف وقالت بكلمة واحدة أنا ماليش إخوات.. أنا ليا جوز وسند، وليا تلات بنات هعيش عشانهم. أنت بالنسبة لي مت من يوم ما فكرت تبيع دمي.
ياسين شاور لسيد سيد.. الراجل ده يتسلم للنيابة بمحضر شروع في قتل وبلاغات بكل المصايب اللي عملها في السبع سنين اللي فاتوا. مش عايزه يشوف الشمس تاني.. والفلوس اللي سرقها
من ورث أختك، هترجع بالمليم وتتصرف لبيوت الأيتام باسم ليلى.
عزمي اتسحل لبره وهو بيصوت، وياسين قرب من ليلى، لف دراعه حول وسطها وقال ارتحتي؟
ليلى سندت راسها على صدره دلوقتي بس يا ياسين.. حسيت إن السبع سنين وجع خلصوا بجد.
طلعوا الجنينة، لقوا البنات التلاتة فريدة ولينا ومايا بيلعبوا مع كلب حراسة كبير كان ياسين مربيه، والكلب اللي كان بيخوف جيوش، كان نايم على ضهره والبنات بيزغزغوه.
ياسين ضحك من قلبه وقال تعرفي يا ليلى.. أنا اشتريت اللوحة دي ب شنطة فلوس، بس اكتشفت إني اشتريت بيها حياة.
ليلى بصت للسمك في النافورة وقالت والبنات سموها لوحة الأمل.. عشان كانت السبب إن باباهم يرجع لهم.
ياسين شدها لحضنه والغروب وراهم بيرسم لوحة تانية خالص، لوحة مفيهاش وجع ولا برد.. فيها بس عيلة المنشاوي اللي رجعت تلم شملها من تاني، والكل في القصر عرف إن اللي يلمس حرم
تمت.