روايه كامله 3
في يوم زفافي… مات زوجي أمام عيني.
أو هكذا ظننت.
وبعد أسبوع كامل من البكاء، وترتيب جنازته، ومحاولة النجاة من الحزن الذي سحقني بلا رحمة، صعدت إلى حافلة متجهة إلى مدينة لا أعرفها، فقط لأهرب من الذكريات التي كانت تطاردني في كل زاوية.
لكن ما حدث هناك… كان كفيلًا بتحطيم آخر جزء سليم بداخلي.
جلس زوجي الميت إلى جواري، ثم همس بصوت خافت:
— «لا تصرخي… يجب أن تعرفي الحقيقة كاملة.»
⸻
كنت أنا و«كارل» مخطوبين منذ أربع سنوات قبل أن نتزوج.
وخلال تلك السنوات، كنت أظن أنني أعرف عنه كل شيء.
أعرف ضحكته حين يكون متعبًا، والطريقة التي يمرر بها يده في شعره عندما يفكر، وأعرف خوفه من المرتفعات، وحبه للموسيقى القديمة، وحتى عادته الغريبة في احتساء القهوة الباردة.
لكن رغم كل ذلك… كان هناك باب واحد في حياته ظل مغلقًا دائمًا.
عائلته.
كلما حاولت الاقتراب من هذا الموضوع، كان ينسحب فورًا، وكأنني لمست جرحًا قديمًا لم يلتئم قط.
كان يقول دائمًا:
— «الأمر معقد.»
وحين أسأله:
— «معقد كيف؟»
يطلق ضحكة قصيرة خالية من أي دفء، ثم يجيب:
— «تعقيد العائلات الثرية.»
ثم ينهي الحديث تمامًا.
لم يكن يزورهم، ولا يتحدث إليهم، ولا حتى يذكر أسماءهم عرضًا.
ومع ذلك،
في إحدى الليالي، بينما كنا نجلس في مطبخ شقتنا الصغيرة نتناول العشاء، وضع شوكته فجأة وقال:
— «هل فكرتِ يومًا كيف يمكن أن تكون الحياة لو امتلكنا مالًا حقيقيًا؟»
ضحكت بخفة:
— «في هذا الزمن؟ حتى زيادة بسيطة في الراتب تبدو معجزة.»
لكنه هز رأسه ببطء وقال:
— «لا… أقصد ثروة حقيقية. المال الذي يمنحك الحرية. أن تسافري متى شئتِ، وتشتري ما تريدين دون أن تنظري إلى حسابك البنكي، وتبدئي أي حلم دون خوف من الفشل.»
ابتسمت وقلت مازحة:
— «تبدو كرجل يحاول إقناعي بالدخول في عملية احتيال.»
لكنه لم يضحك.
بل نظر إليّ بجدية غريبة وقال:
— «أنا أتحدث بصدق.»
تأملته للحظة، ثم أمسكت يده وقلت:
— «ربما تبدو الحياة أسهل بالمال… لكنني سعيدة طالما أنك معي.»
حينها فقط لان وجهه، وقال بصوت منخفض:
— «طالما نحن معًا… وبعيدان عن سيطرة أي شخص… فسنكون بخير.»
ظننت يومها أن الصبر سيجعلني أعرف كل شيء لاحقًا.
لكنني لم أكن أعلم أن الحقيقة التي يخفيها ستدفنني حيّة قبل أن أعرفها.
⸻
في يوم زفافنا، كنت أظن أن حياتي الحقيقية بدأت أخيرًا.
القاعة كانت تغمرها الأضواء الذهبية، والموسيقى تنساب بين الضحكات والأحاديث، والناس يلتفون
أما كارل… فكان يبدو سعيدًا بطريقة لم أرها فيه من قبل.
خلع سترته، ورفع أكمام قميصه، وكان يضحك بصوت عالٍ مع الضيوف.
ثم…
تغيّر وجهه فجأة.
وضعت يداه على صدره بعنف.
ارتجف جسده كأن شيئًا خفيًا يمزقه من الداخل.
ثم سقط أرضًا.
كان صوت ارتطامه بالأرض مرعبًا إلى درجة جعلت الزمن يتوقف لثانية كاملة.
ساد الصمت.
ثم انفجرت الفوضى.
صرخت امرأة في الخلف.
توقفت الموسيقى.
وصاح أحدهم:
— «اتصلوا بالإسعاف!»
لكنني كنت قد وصلت إليه بالفعل.
ركعت على الأرض بفستان زفافي الأبيض، وأمسكت وجهه المرتبك بين يديّ المرتجفتين.
— «كارل… انظر إليّ… أرجوك.»
لكن عينيه بقيتا مغلقتين.
بعد ذلك، تحولت اللحظات إلى ضباب ممزق.
الناس يتحلقون حوله.
المسعفون يركضون.
أصوات متداخلة:
— «مرة أخرى.»
— «لا يوجد نبض.»
— «أفسحوا الطريق.»
ثم رفع أحد المسعفين رأسه نحوي وقال الجملة التي حطمت عالمي بأكمله:
— «يبدو أنها سكتة قلبية.»
شاهدتهم يحملونه بعيدًا على الحمالة الطبية…
بينما بقيت واقفة وسط قاعة الرقص بفستان زفافي، أحدق في الباب الذي اختفى خلفه، وكأنني ما زلت أنتظر عودته.
لكنه لم يعد.
⸻
بعد أيام، أكد الطبيب رسميًا أن كارل توفي إثر أزمة قلبية
وبعد أربعة أيام فقط…
دفنت زوجي.
رتبت الجنازة وحدي، لأن أحدًا من عائلته لم يحضر.
الشخص الوحيد الذي ظهر كان ابن عمه «دانيال».
وقف بعيدًا عند طرف المقبرة، يضع يديه داخل جيب معطفه، ويبدو متوترًا كمن يرغب بالهروب.
اقتربت منه وقلت:
— «أين والداه؟»
أخفض بصره وقال:
— «الأمر… معقد.»
اشتعل الغضب داخلي فور سماعي الكلمة نفسها مجددًا.
قلت بحدة:
— «ابنهما مات! ما معنى أن يكون الأمر معقدًا؟»
نظر إليّ للحظة قصيرة، ثم أشاح بوجهه:
— «العائلات الثرية لا تسامح بسهولة… خاصة حين يرفض أحد أبنائها الطريق الذي رسموه له.»
— «أي طريق؟»
لكن هاتفه رن فجأة.
نظر إلى الشاشة وكأنها أنقذته، ثم قال بسرعة:
— «أنا آسف… يجب أن أذهب.»
وغادر مسرعًا، بطريقة بدت أقرب إلى الهروب.
وهنا بدأت الشقوق الأولى تظهر في القصة.
أما الشق الثاني…
فكان في تلك الليلة.
⸻
بعد الجنازة، أصبح البيت خانقًا.
كل شيء فيه يذكرني به.
كوب القهوة الذي تركه على الطاولة.
قميصه المعلق خلف الباب.
حتى رائحة عطره التي ما زالت عالقة في الوسائد.
كلما أغمضت عيني، رأيته يسقط أمامي من جديد.
مرة.
وأخرى.
وعشرات المرات.
وقبل شروق الشمس، استسلمت.
وضعت بعض الملابس في حقيبة
كنت فقط أريد الهروب من المكان الذي مات فيه كل شيء داخلي.
وصلت إلى محطة الحافلات، واشتريت أول تذكرة إلى أي مدينة بعيدة.
وحين تحركت الحافلة أخيرًا، وأسندت رأسي إلى النافذة،