مرات ابني
لو كانت مرعوبة.
بصتلي وقالت بابتسامة صغيرة
مالك يا طنط؟ وشك أصفر ليه؟
أنا مقدرتش أرد.
كنت ببصلها وبحاول أشوف
هل دي فعلاً البنت الهادية اللي كنت بحمد ربنا عليها؟
ولا أنا كنت معايا مجرمة طول الوقت؟
وفجأة
جرس الباب ضرب.
دنيا اتجمدت.
أول مرة أشوف الرعب الحقيقي في عينيها.
فتحت للشرطة، ودخل الظابط ومعاه اتنين أمناء.
قلت لهم بصوت متقطع إن في راجل مستخبي في الحمام، وإن في كلام عن شحنة وتسليم.
دنيا بدأت تعيط فورًا.
والنبي يا باشا ما في حد! دي أكيد فهمت غلط!
لكن الظابط طلب يفتش الحمام.
ولأول مرة دنيا وقفت قدام الباب ومنعتهم.
وهنا أنا حسيت إن شكي طلع صح.
الظابط زعق
ابعدي يا مدام.
لكن دنيا صرخت فجأة بشكل هستيري
لأ! محدش يفتح الباب!
وفي ثانية خبطت كتفها في الحيطة ووقعت على الأرض منهارة في العياط.
الشرطة كسرت الباب.
وكلنا دخلنا.
لكن اللي لقيناه ماكانش أي حاجة من اللي تخيلتها.
الحمام كان فاضي.
مفيش راجل.
مفيش أكياس مخدرات.
مفيش أي أثر لجريمة.
بس كان فيه حاجة أغرب.
ركن الحمام كله
الظابط شغل الجهاز
وطلع منه نفس الصوت اللي سمعته بالحرف
جهزت الشحنة وباقي الأكياس
أنا بصيت مصدومة.
التسجيل!
كل اللي سمعته كان تسجيل صوتي.
لكن ليه؟
الظابط بص لدنيا وقال بحدة
إيه ده؟
ودنيا وقتها انهارت بالكامل.
وقعدت على الأرض تبكي وهي مش قادرة تاخد نفسها.
وقالت الجملة اللي قلبت الدنيا كلها
أنا مريضة وأنا كنت بخبي عليكم.
اتضح إن دنيا كانت مصابة بمرض نادر جدًا في الغدد والمناعة، والمرض ده كان مسبب لها تساقط شعر كامل في جسمها وتشوهات تدريجية في الجلد، وكانت بتاخد علاج كيماوي خفيف وجلسات منزلية سرية.
لكنها كانت مرعوبة إن ياسين يسيبها لو عرف.
خصوصًا إن الجواز كان جديد، وهي أصلًا اتقدملها أكتر من مرة واترفضت لما الناس عرفت بحالتها.
عشان كدة، كانت مستنية سفر ياسين كل مرة، وتقفل على نفسها الحمام بالساعات علشان
تركب الشعر المستعار.
تعمل جلسات البخار والعلاج.
تحقن نفسها بالأدوية.
وتستخدم البرفان الرجالي التقيل
أما التسجيلات
فدي كانت جزء من علاج نفسي.
الدكتور طلب منها تسمع تسجيلات بصوت رجالي فيها أوامر وتحفيز لأنها كانت بتمر بنوبات هلع شديدة وبتخاف تعمل العلاج لوحدها.
جهزت الشحنة كان المقصود بيها شحنة الأدوية.
الأكياس كانت أكياس المحاليل الطبية.
أما الراجل فكان مجرد صوت مسجل من التطبيق العلاجي.
أنا وقتها حسيت إن الأرض اتشقت وبلعتني من الخجل.
الشرطة بصوا لبعض بإحراج، والظابط قفل الدفتر وقال
الحمد لله إنها طلعت كدة.
ومشيوا.
بعد ما الباب اتقفل، البيت كله سكت.
السكوت المرة دي كان أتقل من أي صوت.
أنا بصيت لدنيا
لقيتها قاعدة على الأرض ماسكة الباروكة في إيدها لأول مرة أشوفها من غيرها.
وشها كان شاحب
وحواجبها خفيفة جدًا
وعينيها مليانة كسر.
وقالتلي بصوت موجوع
كنتِ أول أم أحس إنها حبتني بجد خفت لما تعرفي تبصيلي بقرف.
الكلمة خبطتني في قلبي.
أنا اللي كنت فاكراها خاينة
كانت كل يوم بتستخبى علشان تتعذب لوحدها.
قربت منها ببطء، وقعدت جنبها على الأرض.
المصيبة
ياسين رجع من السفر بدري.
وأنا كنت منهارة من تأنيب الضمير، لكن دنيا ترجتني مانقولوش.
كانت خايفة يخاف أو يشفق عليها.
لكن الحقيقة عمرها ما بتستخبى.
ياسين دخل أوضتهم بالليل، ولأول مرة شافها من غير الباروكة وهي نايمة بعد جلسة العلاج.
وفضل واقف مصدوم.
دنيا صحيت وشافت نظرته.
وبدأت ترتعش.
وقالت وهي بتبكي
أنا آسفة كنت خايفة تخسرني.
لكن ياسين عمل حاجة محدش توقعها.
قرب منها وشال الباروكة من على الأرض وحطها جنب السرير.
وبعدين باس راسها وقال
إنتي فاكرة إني اتجوزت شعرك؟
دنيا انهارت من البكاء.
وأنا كنت واقفة برا الأوضة بعيط أنا كمان.
بعد شهور طويلة من العلاج، البيت اتغير.
بقى فيه أدوية أكتر تعب أكتر لكن فيه حب حقيقي كمان.
وأنا بطلت أبص لدنيا ك مرات ابني.
بقيت أشوفها بنتي فعلًا.
وفي يوم، وهي واقفة في البلكونة من غير باروكة لأول مرة، والشمس داخلة على وشها، اكتشفت إنها رغم المرض كانت أجمل بكتير من كل الخوف اللي كانت مخبياه.
أما أنا
فكل ما أسمع صوت الحمام بالليل،
وأقول لنفسي
أوقات أكتر الأسرار رعبًا بتكون مجرد وجع إنسان خايف يتحب ناقص.