وأنا قاعدة مستنية تطلع نتيجة عملية ابني بين الحياة والموت، لقيت أخويا بيبعتلي رسالة ويقولي بلاش تجيبي ابنك معاكي حفلة عيد ميلاد أبويا عشان ميعكننش علينا!، في اللحظة دي روحي اتسحبت، وبكل برود وثبات سحبت فيزا الدفع بتاعتي من حساب المطعم ولغيت الحجز.. ولما جت ساعة العشاء، الحفلة اللي كانوا فاكرينها على حسابي اتقلبت ليلة سودة وخراب مستعجل عليهم، والكل كان بيدور على يداري وشه من الفضيحة وقلة القيمة قدام الناس!
الرسالة جتلي وأنا قاعدة على كرسي الانتشار في الطرقة بتاعة المستشفى، شنطة المدرسة بتاعة ابني تحت رجلي، والديناصور اللعبة بتاعه قفلاه بين إيديا ومتبتة فيه. كوباية القهوة كانت سقعت ووشها طار، وماكينة البيبسي اللي جنبي بتزن بصوت عالي ومستفز كأنها مش حاسة إن في قلب أم واقف ومبيَدقش جوه صدرها. الباب العمومي بتاع العمليات كان بيفتح ويقفل، ومع كل ممرضة تعدي كنت بلقي طولي وأرفع عيني، مستنية أي خبر عن مروان. مروان عنده تسع سنين.. ودلوقتي جوه تحت المشرط، وجروب العيلة على الواتساب عمال يتبعت عليه بلالين وزوامير وقلوب بمناسبة عيد ميلاد أبويا الستين. أنا اللي كنت حاجزة القاعة المقفولة في المطعم الغالي، وأنا اللي دافعة العربون من شقايا، وأنا اللي منقية المنيو والتورتة، وسايبة فيزتي هناك في الحساب عشان يتخصم منها كل حاجة كالعادة.. أصل أنا الممرضة الشقيانة اللي بتطحن في ورديات الليل، والكل عارف إني بعرف أمشي قرشي وأسد مكان أي حد.. العيلة مكنتش بتقول عليا جدعة، كانوا بيقولوا اعتمادية يعني بنفتكرها أول ما الفاتورة تنزل! فجأة تليفوني نور برسالة من أخويا كريم النهاردة ليلة أبوكي الستين، بلاش تجيبي ابنك معاكي عشان ميعكننش على الناس ويفصلنا! مقالش مروان.. مقالش اسم ابني.. قال ابنك، كأنه جاكتة زيادة ممكن أرميها في شنطة العربية وأدخل! أختي هند ردت وكتبت فعلاً عندك حق، ومرات أخويا منار زادت عليها الحفلة للكبار وبس، عاوزين حمايا يروق وينبسط! وتحت كلامهم، عمتي ميرفت نزلت فيديو لعيال كريم وهما لابسين طراطير الحفلة وبيتنططوا على الكنبة! يعني الموضوع مكنش للكبار وبس.. الموضوع كان ممنوع لمروان وبس! فضلت باصة للشاشة لحد ما الحروف زغللت في عيني، وكتبت كلمة واحدة تمام. قفلت التليفون ورميت وشّه
في الأرض. ممرضة صاحبتي من وردية الليل عدت عليا وحطت بسكوتة على الكرسي الفاضي وهمست هو لسه في الإفاقة، الدكاترة هيطلعوا حالا. هزيت راسي لأنني لو نطقت بكلمة واحدة، صوتي كان هيتكسر والكل هيبان. سنين وأنا بعدي وبقول معلش؛ فرع زينة العيد اللي اتكتب عليه ضيف وعيال العيلة كلهم أساميهم بتلمع بالبرق، صورة العيلة الكبيرة اللي مروان مكنش فيها لأنه كان واقف معايا في المطبخ بيساعدني نغسل الفراولة، القعدة بتاعة يوم المصيف اللي قالوا عليه فيها لسه صغير مع إن في عيل أصغر منه بشهور كان بيلعب عادي! حتى الرسومات الصغيرة اللي كان بيرسمها لأمي وبيديهالها، كنت بلاقيها مرمية جنب باسكيت الزبالة قبل ما الحلو ينزل! كنت بكدب على نفسي وأقول مش قاصدين، قلة أخذ بال، كنت بقول بلاش خناق على الهيافة، بس وأنا قاعدة مستنية ابني يفوق من البنج، وبعد ما أخويا كتب الجملة دي في الجروب اللي بيستغلوا فيه قاعة أنا دافعة تمنها.. الستار وقع وكل حاجة بانت على حقيقتها. بعد ساعتين، دكتورة الجراحة طلعت؛ علامة الكمامة كانت لسه حافرة في جبهتها، بصتلي النظرة اللي الدكاترة بيبصوها قبل الأخبار الحلوة، وركبي كانت ه تخوني من كتر الارتياح. وقالتلي الزائدة كانت ملتهبة جداً بس الحمد لله لحقناها على آخر ثانية قبل ما تنفجر، هو زي الفل دلوقتي وحالته مستقرة. حطيت إيدي على بوقي ودموعي نزلت شكراً يا رب.. شكراً يا دكتورة. دقيقة كاملة مكنتش بعمل فيها حاجة غير إنني باخد نفسي؛ مروان بقى كويس، مروان في أمان، مروان مش حمل تقيل ولا عكننة ولا عيب لازم نداريه.. ده ابني.. وده عيلتي الحقيقية. خطيت في الطرقة جنب الشباك عشان الشبكة تلقط، وجبت رقم المطعم من الإيميل واتصلت مطعم اللؤلؤة للحفلات، مع حضرتك رنا. قلت لها أهلاً يا رنا، معاكي مدام رشا، أنا اللي سايبة الفيزا بتاعتي لحفلة عيلة الهواري النهاردة، القاعة المقفولة الساعة سبعة. قالتلي أهلاً يا فندم، كله تمام وجاهزين على ٢٢ فرد، والتورتة في التلاجة، كل سنة وحضرت والدي طيب. قلت لها بثبات هو هيبقى طيب.. بس أنا عاوزة أعمل تعديل في الحساب. قالت تحت أمرك. قلت لها بالمسطرة اسحبي الفيزا بتاعتي من السيستم تماماً، وم تتخصمش منها مليم واحد النهاردة. سكتت ثانية بذهول وقالت يعني الحساب هيبقى إزاي؟
شيكات منفصلة ولا الفاتورة تتقدم لرب الأسرة لما يوصل؟ قلت لها شيك منفصل لكل أسرة ولكل شقة، والمشروبات كلها كاش.. مفيش حاجة مفتوحة على حساب حد. قالت تمام يا فندم. قلت لها سيبوا القاعة زي ما هي، والعربون اللي أنا دافعاه اعتبروه هديتي لأبويا.. بس التورتة؟ قالت مالها؟ قلت لها اكتبي عليها بالكريمة كل سنة وأنت طيب يا بابا.. رشا ومروان. صوتي اتهز وأنا بنطق اسم ابني، فرنا حست بيا وقالت بنعومة حاضر من عينيا، هبعتلك حالا إيميل بالتأكيد. الإيميل جه في ثانية، وقعت عليه بصوبعي وسيفته؛ مش عشان عاوزة خناق، بس لأنني ممرضة وعارفة إن الورق والمستندات هما اللي بيحموا الحقوق. رجعت لمروان؛ كان بدأ يفتح عينه بالراحة ويقفلها كأن الإضاءة شديدة عليه والدنيا حواليه دوشة. همست حمد الله على السلامة يا بطل.. أنت زي الفل. قال بصوت واطي عطشان يا ماما. مسكت الكوباية الصغيرة وشربته براحة، إيده كانت دافية في إيدي، وصوت جهاز ضربات القلب شغال بانتظام، والديناصور اللعبة مستخبي تحت كوعه. افتكرت كارت المعايدة اللي كان عامله لجده بإيده، ورقم ٦ اللي كان راسمه شبه صنارة السمك عشان جده بيحب الصيد، واقتنعت في اللحظة دي إن مروان وقيمته في حياتي عمرها ما هتبقى تحت رحمة عيلة بتشوفه تقيل ومش من مقامهم! على الساعة سبعة، التليفون بدأ يزن وم بيفصلش؛ سبته يرن على مكتب الممرضات. أوضة المستشفى كانت ريحتها مطهر وعصير برتقال، مروان رجع نام والديناصور تحت دقنه، وأنا قاعدة جنبه بتفرج على الجروب وهو بيتفجر رسايل من غيري. الساعة سبعة واثنا عشر دقيقة، عمتي بعتتلي على الخاص أنا شفت الرسالة وزعلانة عشانك يا بنتي، لو عوزتي أي حاجة أنا جنبك. كتبت لها مروان عمل عملية وهو كويس، وإحنا بايتين هنا. ردت ألف سلامة عليه، هجيلكم الصبح بالمرق والفطير. بس الجروب الكبير مكنش بيهدى أنتِ فين؟ الويتر واقف وبيطلب الفيزا! المدير بيقول
مفيش كارت متسيف للحساب! المشروبات كاش؟ أنتِ بتتكلمي بجد؟ أنتِ بتصغرينا قدام الناس وبتفظعي شكلنا! م ردتش على ولا كلمة. على الساعة تسعة، المكالمات الفايتة بقت من الكل؛ أمي، كريم، هند، منار، وحتى أبويا أخيراً اتصل. قريت يادوب رؤوس أقلام عشان أفهم إنهم وصلوا القاعة، وشافوا البلالين اللي منقياها، والتورتة اللي دافعة
تمنها، والمنيو اللي مرتباه، وبعدها الصدمة نزلت عليهم إن الليلة دي كلها هما اللي هيدفعوا تمنها من جيوبهم! ساعتها بس كتبت رسالة واحدة على الجروب مروان عمل عملية النهاردة، هو كويس ونايم، وأنا مش هدفع مليم واحد في عيلة ابني مش محسوب فيها ولا ليه مكان.. انبسطوا بالعشاء، والعربون والتورتة هديتي ليكم. الحساب سكت لدقيقة كاملة، وبعدها السيل نزل أنتِ كسرتي فرحة أبوكي! أنتِ بتعملي دراما من مفيش! إحنا مجبناش فلوس ومحفظتنا مكفتش للحساب ده! أمي قاعدة بتعيط من الكسوف! أنتِ دايماً عاوزة تقلبي كل حاجة ليكي وتظهري في الصورة! بصيت لابني اللي نايم في سلام، وعملت التليفون خاصية عدم الإزعاج. الصبح، ومروان قاعد بياكل حتة بيضة صغننة وتوست متقطع مثلثات، أبويا اتصل؛ مقالش حتى سلام عليكم ولا حمد الله على سلامة ابنك، دخل في الموضوع عليا وقالي أنتِ سحبتي الفيزا من المطعم وكسرتي بيا؟ قلت له بكل برود أنا لغيت الدفع يا بابا.. آه.
أبويا صوته علي في التليفون وقالي أنتِ كدة بتقطعي صلتك بينا، والبيت ده مش هتعتبيه تاني! ومكنش يعرف إنني وأنا قاعدة في المستشفى، المحامي بتاعي كان بيقفل ملف القضية اللي هترجعلي حقي في شقة أمي الله يرحمها اللي هما قاعدين فيها وكاتبينها باسم كريم من ورايا، والورقة اللي لقيتها في مكتب المستشفى كشفت إن كريم مكنش شغال في الشركة الكبيرة زي ما بيقول، ده كان سارق فلوس المعاش بتاعة أبويا ومزور إمضته!
لو عاوزين تعرفوا رشا هتعمل إيه لما تخرج من المستشفى وإزاي هتاخد حقها وتطرد كريم من الشقة وتكشف حقيقته قدام أبوها،
أبويا قفل السكة في وشي بعد الجملة دي.
لا سأل عن مروان.
ولا قال حمد الله على السلامة.
ولا حتى سكت ثانية يفكر.
كل اللي كان شاغله إن الحفلة باظت.
بصيت للتليفون في إيدي شوية.
وبعدين حطيته جنب سرير ابني.
ولأول مرة من سنين طويلة، ماحسيتش إني مكسورة.
حسيت إني خلاص تعبت.
وتعبت قوي.
لدرجة إني مش قادرة أجري ورا رضا ناس شايفينني ماكينة صرف وبس.
بعد ثلاثة أيام خرج مروان من المستشفى.
أول حاجة عملها إنه حضن الديناصور اللعبة بتاعه وقال
أنا وحشتني أوضتي يا ماما.
ضحكت وبوسته.
وأخدته على البيت.
لكن وأنا بحاول أرجع حياتي لطبيعتها، المحامي بتاعي كان شغال.
الملف اللي فتحناه مكانش صغير.
ولا بسيط.