وانا قاعده مستنيه
لأن بعد مراجعة أوراق ميراث أمي الله يرحمها، ظهر إن نقل ملكية الشقة حصل بطريقة فيها مخالفات كتير.
وتوقيعات ناقصة.
وإقرارات عمرها ما وصلت لي أصلاً.
أما المفاجأة الأكبر فكانت في ملف المعاش.
أرقام ما كانتش راكبة.
مبالغ اتسحبت في مواعيد أبويا نفسه كان وقتها محجوز في المستشفى.
وتحويلات خرجت لحسابات تانية.
ولما بدأ المحامي يراجع المستندات بدقة، الصورة بقت واضحة.
كريم كان بيسحب جزء من معاش أبويا بطرق ملتوية من سنين.
وأبويا ماكانش فاهم حاجة.
كان فاكر إن المعاش قليل.
وإن الظروف صعبة.
وإن الدنيا غالية.
بينما ابنه اللي بيدافع عنه ليل نهار هو اللي بيأكل حقه.
طلبنا جلسة عائلية رسمية.
مش في البيت.
في مكتب المحامي.
وحضر الكل.
أبويا.
كريم.
هند.
ومنار.
وحتى عمتي ميرفت أصرت تيجي.
دخل كريم وهو واثق من نفسه.
قاعد يحرك رجله ويشرب قهوة.
كأنه رايح يضيع ساعة ويرجع.
لكن أول ما المحامي بدأ يعرض المستندات،
ورقة وراء ورقة.
كشف حساب وراء كشف حساب.
إمضاءات.
تحويلات.
تواريخ.
وأرقام.
أنا ما اتكلمتش.
كنت سايبة الورق يتكلم.
لأن الورق عمره ما بيعرف يمثل.
ولا يجامل.
ولا يخاف.
أبويا كان ساكت.
ساكت بطريقة خوفتني.
لحد ما رفع عينه وسأل كريم
الكلام ده حقيقي؟
كريم حاول يضحك.
قال إن في سوء فهم.
وإن المحامي بيبالغ.
لكن لما طلع أصل التوكيلات.
وصور السحوبات.
وتقارير البنك.
ما بقاش عنده حاجة يقولها.
لأول مرة في حياتي شفت أخويا بيعرق.
ولأول مرة شفت أبويا بيبص له نظرة غريبة.
نظرة واحد اكتشف إن الشخص اللي وثق فيه أكتر حد في الدنيا هو اللي خانه.
الجلسة انتهت بصمت.
والقضايا بدأت تمشي في طريقها القانوني.
كريم حاول يهدد.
ويترجى.
ويعتذر.
ويقول إنه كان ناوي يرجع الفلوس.
لكن الأوان كان فات.
وبعد شهور من التحقيقات والأوراق، صدر الحكم.
إرجاع المبالغ المستولى عليها.
وإلغاء الإجراءات غير القانونية الخاصة
وتوزيع الحقوق حسب القانون.
وللمرة الأولى من وفاة أمي، حسيت إن حقها رجع.
أما أبويا...
فكان أكتر واحد اتغير.
كبر عشر سنين في كام شهر.
مش بسبب الفلوس.
بسبب الصدمة.
صدمة إن بنته اللي كان بيضغط عليها طول عمره كانت واقفة جنبه.
وابنه اللي كان شايله فوق راسه هو اللي سرقه.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في البلكونة ومروان بيرسم على الترابيزة الصغيرة.
التليفون رن.
كان أبويا.
رديت.
سكت شوية.
وبعدين قال
مروان عامل إيه؟
لأول مرة من شهور يسأل عنه.
قلت
كويس الحمد لله.
سكت تاني.
وقال بصوت مكسور
أنا ظلمته.
ما رديتش.
كمل
وظلمتك إنتِ كمان.
الكلمات خرجت منه تقيلة.
كأنها بتوجعه.
لكنها كانت حقيقية.
ودي أول مرة تحصل.
بعد أسبوع جه البيت.
جاب لمروان عدة رسم كبيرة.
وقعد يتفرج عليه وهو بيرسم.
من غير ما يستعجله.
ومن غير ما يطنشه.
ومن غير ما يحسسه إنه أقل من حد.
ومروان، بطبيعته البريئة، سامحه أسرع من أي حد.
أما أنا فسامحت...
لكن ما نسيتش.
لأن في فرق كبير بين الاتنين.
مرت سنة كاملة.
رجعت شقتي.
ورجع حقي.
وكبر مروان.
وفي عيد ميلاد جدي الواحد والستين، محدش عمل حفلة في مطعم فاخر.
ولا قاعة مغلقة.
ولا بالونات بمئات الجنيهات.
اجتمعنا في الجنينة الصغيرة قدام البيت.
تورتة بسيطة.
وعصير.
وشوية كراسي بلاستيك.
وكان مروان قاعد في النص.
بيضحك.
وبيجري.
وبيوري جده الكارت الجديد اللي رسمه بإيده.
المرة دي محدش رماه في الزبالة.
أبويا أخده.
وطواه بحرص.
وحطه في جيب القميص فوق قلبه.
بصيت للمشهد وساعتها فهمت حاجة مهمة.
أنا ما كسبتش لما الحفلة باظت.
ولا لما الفلوس رجعت.
ولا حتى لما الحقيقة انكشفت.
أنا كسبت يوم ما بطلت أستجدى مكان لابني في قلوب ناس المفروض يكون مكانه فيها محفوظ من غير طلب.
لأن اللي يشوف طفلك عبء...
ما يستاهلش تضحي عشانه.
أما اللي يشوفه نعمة...
فده هو أهلك الحقيقيين.
ومروان، وهو بيضحك وسط الشمس
وبعضها بنخوضها عشان نحافظ على كرامتنا.
وأحيانًا...
بنكسب الاتنين مع بعض