دفعوني ثمن

لمحة نيوز


حسابي.
قمت وقفت، لميت شنطتي، ولبست جاكتي بكل هدوء وسط نظرات الصدمة والغل اللي طالعة من عيونهم، والمدير واقف ورايا بكل احترام وبيقولي تأمريني بأي حاجة تانية يا فندم؟
قلت له شكراً يا فندم، بس ياريت تتأكد إن كل واحد يدفع نصيبه قبل ما يمشوا... عشان مصلحة العيلة.
سبتهم وطلعت بره المطعم، وفي الهوا الساقع بتاع شيكاغو، أخدت أول نفس طويل ونظيف من تلات سنين. 
مشيت خطوتين على الرصيف اللي بيطل على النهر، وقبل ما أبعد عن باب المطعم، سمعت صوت الباب الإزاز بيتفتح ورايا وبيدب في الأرض بخطوات سريعة ونهجان.
كلير! أنتي اتجننتي؟! استني هنا!
لفيت ورايا ببرود. كان ريان، وأبويا طالع وراه وشه جايب ألوان من الغضب والكسوف قدام الناس.
أبويا قرب مني وهو بيشاور بصباعه وفي قمة نرفزته أنتي فاكرة نفسك مين عشان تعملي فينا الحركة دي قدام الناس؟ بتصغرينا قدام مدير المطعم والويترز؟ بقى إحنا نلمك ونقول نفتح صفحة جديدة وتقومي تذلينا بالطريقة دي؟
سندت ضهري على السور الحديد وبصيت له وعيني في عينه ألمك؟ هو مين اللي لم مين يا بابا؟ أنتوا عازميني عشان تلموني، ولا عشان تلموا من جيبي 4 آلاف دولار؟
ريان دخل في الكلام وصوته علي 4 آلاف دولار دول ولا حاجة بالنسبة لمرتبك دلوقتي يا ست الهانم! أنتي بتنتقمي مننا عشان ورث؟ دي فلوس عيلة واحدة، وكان المفروض تتقسم علينا كلنا، مش تاخديها وتعملي بيها ليلة وتشتري أسهم في مطاعم وتسيبيلنا الفاتورة نشيلها!
ضحكت بصوت عالي لدرجة إن الناس اللي كانت مارة في الشارع بدأت تبص علينا.
قلت لهم الفلوس دي فلوس جدتي، شقا عمرها في المدارس، وهي اللي اختارت

تديهالي عشان كانت عارفة إنكم هتصرفوها في ليلة على المنظرة الكدابة... زي ما عملتوا النهاردة بالظبط. أنتوا طلبتوا أغلى حاجة في المنيو، وكلتوا وشربتوا وأنتوا حاطين في بطنكم بطيخة صيفي إن المغفلة اللي قاطعتوها 3 سنين هي اللي هتدفع.
أبويا قرب خطوة وصوته اتهز من الغل أنتي مفيش في قلبك رحمة؟ أمك قاعدة جوه بتعيط والفيزا بتاعتها ارفضت! والمدير واقف وراسلنا بره مش راضي يخلينا نمشي من غير ما الحساب كله يقفل!
فتحت شنطتي، طلعت منها نظارتي الشمس وحطيتها في جيب الجاكت، وبصيت لهم البصة الأخيرة
خلوا أمك تعيط، يمكن دموعها تنضف الجشع اللي في قلبها. وخلوا المدير يكلملكم البوليس لو مش معاكم تدفعوا... يمكن ساعتها تفهموا إن ال 3 سنين اللي فاتوا مكانوش منفى... دول كانوا هروب بجلدي منكم.
لفيت ضهري ومشيت، وسمعت ريان ورايا بيزعق وبيشتم، وأبويا بينده عليا وصوته بيرتعش وهو بيرجع جوه عشان يشوفوا هيتصرفوا إزاي في الفاتورة.
ركبت أول تاكسي قابلني، وسندت راسي على الإزاز وأنا ببتسم... لأول مرة من 3 سنين، حسيت إن الكابوس ده انتهى بجد، وإن الفاتورة القديمة اتسددت بالمليم، بس مش من جيبي... من كرامتهم التاكسي بدأ يتحرك بيا وسط شوارع شيكاغو والأنوار الذهبية للمدينة بتجري على إزاز العربية. طلعت موبايلي وعملت حاجة كان المفروض أعملها من تلات سنين.. دخلت على جروب العيلة اللي كنت عامله له كتم ومسحت نفسي منه نهائياً، وعملت بلوك لكل الأرقام ال 16 اللي كانوا على الترابيزة.
قفل الموبايل وشيلته في الشنطة، وحسيت فجأة بوزن تقيل قوي انزاح من على نفسي.
الشوفير بتاع التاكسي بصلي في المراية
وقال بلكنة أمريكية هادية كل شيء تمام يا فندم؟ شكلك عديتي بيوم طويل.
ابتسمت له وقلت بالعكس.. ده أحسن يوم في حياتي كلها.
لما وصلت شقتي، غيرت هدومي وعملت كوباية شاي سخنة، وقعدت قدام اللاب توب أتابع شغل الشركة. مفيش خمس دقايق ولقيت إيميل مبعوت لي على إيميلي الشخصي.. الإيميل كان من مدير مطعم بيلمونت هاوس نفسه!
فتحت الإيميل وأنا مستغربة، ولقيته كاتب لي
الآنسة كلير، حبيت أطمنك إن الموقف اتقفل تماماً. أخوكي حاول يعمل مشكلة، بس لما هددناه بطلب الشرطة، عمتك كارول طلعت فيزا تانية ودفعوا الحساب كله وهم بيموتوا من الغيظ. وبصفتي مدير المكان، أحب أقولك إن لفتتك بخصوص البقشيش كانت كرم كبير منك.. وإحنا فخورين جداً إنك شريكة معانا في المجموعة. أتمنى لكِ ليلة سعيدة.
قفلت اللاب توب وأنا باصة للسقف وجمب سري مفيش غير سيرة جدتي إليانور. افتكرت كلمتها ليا وهي على السرير في أيامها الأخيرة لما قالتلي يا كلير، اللي يبيعك عشان قرش، اشتريه بقرش وبيعيه في سوق الرخيص.. عافيتك وكرامتك هما ورثك الحقيقي.
دلوقتي بس قدرت أنام وأنا مطمنة، بعد ما قفلت الدفتر القديم، ودفّعتهم تمن الغدر كاش.. ومن غير ولا مليم زيادة.
مر شهر بحاله على ليلة العشاء دي. شهر كامل عشته في هدوء مفيش فيه رنة تليفون تقطع خلوتي، ولا رسالة ذنب من أمي تعكنن عليا. كنت فاكرة إن الموضوع انتهى عند حد الفاتورة، لحد ما في يوم وأنا قاعدة في مكتبي بالشركة، السكرتيرة بلغتني إن فيه واحدة بره ومصرّة تقابلني، وبتقول إنها خالتك.
خالتي نادية.. الأخت الوحيدة لأمي، والشخص الوحيد في العيلة دي اللي اتقطع مع الباقيين من سنين
طويلة لنفس الأسباب الجشع والأنانية.
دخلت مكتبني بابتسامتها الهادية، وحضنتني بحنان حقيقي بقالي سنين محستوش. قعدنا وشربنا قهوة، وقبل ما تسألني عن الشغل، بصتلي وضحكت وقالت الخبر وصلني يا كلير.. شيكاغو كلها بتتكلم عن ليلة الاستاكوزا!
ضحكت وقلت لها يعني هما اللي حكوا لك؟
قالت وهي بتهز راسها أبداً، هما هيموتوا من الكسوف ومخبيين الوش التاني. بس جوز عمتك كارول مكانش قادر يمسك نفسه وحكى لأخوه، والخبر انتشر. أمك وأبوكي حالياً عارضين بيتهم الكبير للبيع، ورشيقة هانم أمي عمالة تقول للناس إنهم بينقلوا عشان تغيير الجو، بس الحقيقة إنهم مش عارفين يسدوا ديون الفيزا كارد اللي اتراكمت عليهم بعد ما اتقسمت الفواتير وبان الغطا اللي كانوا داريين نفسهم وراه.
سكتت شوية وبصتلي بفخر جدتك إليانور لو كانت عايشة، كانت هتبوسك بين عينيكي. أنتي الوحيدة اللي وقفتي في وشهم وخلتيهم يدوقوا من نفس الكأس.
بعد ما خالتي مشيت، وقفت قدام الشباك الأزاز بتاع مكتبي وبصيت على المدينة من فوق. افتكرت تلات سنين المقاطعة، وافتكرت كمية الوجع اللي عشته وأنا ببنّي نفسي لوحدي من الصفر، من غير ضهر ولا سند عائلي.
الموقف ده علمني إن العيلة مش مجرد صلة دم بنمضي عليها في شهادة الميلاد، العيلة هي اللي بتشيلك وأنت قليل، مش اللي بتستغل نجاحك وأنت كبير عشان تمص دمك.
حطيت إيدي في جيبي، وطلعت موبايلي، وبصيت على الشاشة وهي فاضية ونضيفة من أي إشعارات مسمومة. خدت نفس طويل، وابتسمت وأنا متأكدة من حاجة واحدة.. إن اللي بيبني حياته على الأصول والكرامة، عمره ما بيخسر، واليوم ده مكانش نهاية قصتي، ده كان البداية
الحقيقية لحياتي وأنا حُرّة

 

تم نسخ الرابط