صوت كسر عظام

لمحة نيوز


قبل أربع سنين.
قبل الجواز بسنة.
كانت إيمان راجعة من شغلها بالليل.
وحصلت لها حادثة غريبة.
رصاصة طائشة حسب ما اتقال وقتها.
جرح بسيط.
وخيطين.
والقضية اتقفلت ضد مجهول.
إيمان نفسها ما عرفتش الحقيقة.
لكن شريف كان يعرف.
لأنه ما كانش مجرد شاهد.
كان طرفًا فيها.
الحكاية بدأت لما كان داخل في شراكة مشبوهة مع مقاول كبير.
وأحد العمال هدد يفضح عمليات تزوير ومستندات.
في الليلة دي حصل إطلاق نار.
والعامل مات.
وإيمان كانت بالصدفة في المكان.
وأصيبت بشظية صغيرة من نفس الرصاصة.
القضية اتدفنت.
والعامل اتقيدت وفاته ضد مجهول.
أما الشظية ففضلت مستخبية جوه جسمها كل السنين دي.
والنهاردة ظهرت بالصدفة.
لأن الأشعة اتعملت على منطقة قريبة منها.
رأفت ما عرفش القصة كلها.


لكن الحاجة اللي خلت الموضوع يكبر إن رقم البلاغ اللي كان متسجل على تقرير الإصابة القديمة ظهر في النظام الإلكتروني للمستشفى.
وبمجرد المراجعة، اكتشفوا إن الإصابة مرتبطة بتحقيق قديم غير مغلق بالكامل.
عشان كده تم إبلاغ الجهات المختصة.
شريف بدأ يفقد أعصابه.
دخل أوضة الكشف بعنف.
وقال
إحنا هنمشي.
لكن للمرة الأولى.
إيمان قالت
لأ.
بس الكلمة دي كانت مختلفة.
ما كانتش همسة.
ولا خوف.
كانت قرار.
الدكتورة سحر وصلت المستشفى بعد ما بلغوها.
ولما شافت إيمان قالت
أنا عاوزة أكلم المريضة لوحدها.
شريف رفض.
لكن الأمن الداخلي للمستشفى منعه.
اتقفل الباب.
ولأول مرة من سنين.
إيمان قعدت في أوضة من غير شريف.
ومن غير خوف.
ومن غير حد يراقب كلامها.
الدكتورة مسكت إيدها
السليمة.
وقالت
الحقيقة.
بس كلمة واحدة.
الحقيقة.
وساعتها انهارت.
كل السنين خرجت دفعة واحدة.
الزرقان.
الضرب.
التهديد.
العزل عن أهلها.
الفلوس.
الإهانات.
كل شيء.
خرج.
بعد ساعات كان فيه بلاغ رسمي.
وتقرير طبي كامل.
وصور لكل الإصابات القديمة والجديدة.
والكسر اتوثق.
والشهادة اتسجلت.
وشريف اتمنع من الاقتراب منها.
بعد أسبوعين ولدت إيمان بنتها قبل الموعد بشوية.
بنت صغيرة.
صوتها عالي.
وحياتها أقوى من كل الخوف اللي سبقها.
أول ما شالتها بين إيديها.
بكت.
لكن المرة دي ما كانش من الوجع.
كان من الراحة.
أما شريف.
فالموضوع ما وقفش عند قضية الاعتداء.
لأن التحقيقات رجعت تراجع ملفات قديمة كانت متنسية.
ومع الوقت ظهرت مستندات وشهادات جديدة.
واتفتحت ملفات كان الكل
فاكر إنها ماتت.
وفي النهاية خسر كل حاجة بالتدريج.
منصبه.
وسمعته.
وبيته.
وكل الصورة اللامعة اللي كان بيرسمها قدام الناس.
أما إيمان.
فبعد شهور طويلة من العلاج الطبيعي.
رجعت تستخدم إيدها.
مش كاملة زي الأول.
لكن كفاية إنها تشيل بنتها.
وتحضنها.
وده كان أهم من أي حاجة تانية.
وفي يوم هادي بعد سنة كاملة.
كانت قاعدة في نفس البلكونة في شقتها الجديدة.
بنتها نايمة على صدرها.
والشمس داخلة من الشباك.
بصت للندبة الصغيرة اللي فضلت في معصمها.
وللأثر اللي الكسر سابه.
وافتكرت الليلة كلها.
ثم ابتسمت.
لأنها أخيرًا فهمت حاجة مهمة.
إن أسوأ سجن ممكن يعيش فيه الإنسان مش البيت.
ولا الجواز.
ولا الخوف.
أسوأ سجن هو إنه يصدق إنه ما يقدرش يهرب.
وهي هربت.
وأنقذت نفسها.

وأنقذت بنتها.
وده كان الانتصار الحقيقي.
أما شريف؟
فبقى مجرد فصل انتهى من كتاب عمرها.
كتاب قفلت آخر صفحة فيه للأبد.

تم نسخ الرابط