الابــنة التــي دفعـت ثمــن كل شــيء… إلا كــرامتها.

لمحة نيوز


المفاتيح ثم تجهمت.
قالت
إنتي بالفعل مسجلة كضامن مشارك في قرض سيارة. النظام مش هيوافق على قرض تاني من غير دفعة مقدمة كبيرة.
رمشت ببطء.
قلت لها
أنا ماخدتش قرض عربية. عندي كورولا قديمة جبتها كاش. عمري ما مشيت في إجراءات قرض.
أدارت الشاشة لي قليلا وقالت بأسف
ده لفورد إكسبلورر اتفتح من 3 سنين. الضامنين لورانس ساندرا ولورانس هاربر.
اسم أمي. اسمي.
هبط قلبي لدرجة شعرت بدوار.
قبل ثلاث سنوات حصلت إيلا على أول سيارة لها للذهاب والعودة من الجامعةفورد إكسبلورر مستعملة بمقاعد جلد. وأكدت أمي وقتها أنها ماسكة الموضوع.
همست
أنا ما وقعتش على حاجة.
سألتني باميلا بحذر
يمكن أهلك مضوا عنك فاكرة توقيع أي
قاطعتها
لأ. ما روحتش المعرض معاهم أصلا. كنت في الشغل اليوم ده وبعتولي الصورة من المعرض.
ضغطت باميلا شفتيها وقالت
تقدري تعترضي بس هتحتاجي مستندات. وده ممكن يعقد علاقتك بعيلتك.
كدت أضحك. وكأنها بسيطة الآن.
في تلك الليلة واجهت أمي في المطبخ.
كان التلفاز يعمل في الصالة وأبي جالس في كرسيه الهزاز وكأن رفع الصوت في الغرفة المجاورة يحدد معدل تنفسه.
قلت لها مباشرة
حطيتي اسمي على قرض عربية.
ولم ترمش.
قالت
كنا محتاجين ضامن تاني. وانتي أحسن حد عنده سمعة كويسة. وانتي مسؤولة.
قلت
بس أنا ما وقعتش أي ورق.
هزت كتفيها
إديتيني رقمك القومي علشان ورق القروض بتاعة الجامعة السنة اللي فاتت. نفس الفكرة.
وقفت مشدوهة.


قلت
ده اسمه نصب.
فقالت باستهزاء
بلاش دراما إحنا عيلة.
ظل أبي يحدق في التلفاز لكن فكه انقبض.
وأضافت أمي
المفروض تشكرينا إننا وثقنا فيك. إيه يعني إنتي مش في كلية ولا عندك بيت ولا عندك التزامات. شغلك كله مطعم.
كانت كلماتها صفعات
إنتي مش في كلية.
بتشتغلي في مطعم.
لازم تكوني ممتنة.
شعرت بشيء بداخلي يتحرك متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات ليس انكسارا بل اصطفافا جديدا كعظمة تعود لمكانها بعد سنوات من الانحراف.
قلت
ده آخر مرة تستخدموا اسمي في أي حاجة.
قهقهت أمي
بلاش هبل. هتشكرينا بعدين لما العربية تتسدد وإيلا تبقى سايقة حاجة آمنة.
خرجت. من المطبخ ثم من البيت ثم إلى الليل الذي التصق بوجهي حرا ورطبا.
وقفت أمام الإكسبلورر تلمع تحت ضوء الشارع شيء يحمل اسمي دون إذني.
فأقسمت
سأفك كل خيط ربطوني به مهما استغرق الأمر.
مرت سنواتمكالمات لا تنتهي وثائق إثباتات عناد لم أكن أعلم أنني أملكه.
لم أقل لهم شيئا. فقط بنيت حياتي بعيدا عن احتياجاتهم.
وظيفة ثانية.
ثم ترقية.
ثم مكتب.
ثم استقرار مالي بدأ يشبه شيئا لم أعرفه من قبل
الملكية الذاتية.
لكن أهلي لم يروا إلا النقود.
هاربر الكهربا قطعت هتسلفيني
الغسالة بازت!
إيلا محتاجة دفعة للمسكن!
قلت نعم ثم نعم بشروط ثم لا.
وبدأت الاتهامات
اتغريتي.
مش دي البنت اللي ربيتها.
الفلوس لعبت في دماغك.
قابلت مايا في يوم كانت تصرخ فيه على آلة تصوير المستندات.
وبدأت
صداقتنا من هناكأكوام ملفات قهوة باردة وحوارات على ظهر سيارتها في موقف الشركة.
وعندما رويت لها جزءا من قصتي قالت بحدة
ده اسمه إساءة مالية. مش تضحية عائلية.
كانت أول من نطق الحقيقة بصوت عال.
وبعد شهور من الخطط وإعادة تنظيم حياتي جاء يوم حفل تخرج إيلا.
اليوم الذي توقعت عائلتي أن أدفع فيه الفاتورة كعادتي.
وعندما قال النادل
عيلتك قالت إنك هتدفعي الحساب كله.
وقفت. ابتسمت. وقلت الجملة التي أنهت كل شيء
دي مش عيلتي وده مش حسابي.
تركتهم جنبا إلى جنب مع دهشتهم المذعورة وخرجت.
في شقة مايا رويت لها كل شيء.
ولما سألتني
وأنتي كويسة
قلت
مش عارفة حاسة بالذنب وبالراحة في نفس الوقت.
فقالت
طبيعي. لأنك اتربيتي تحسي إنك لازم تولعي نفسك علشان تدفيهم.
ثم جاءت رسالة أمياتهامات خصام تهديدات بالنبذ.
ورسائل إيلالوم ابتزاز عاطفي إنكار.
فكتبت لهم
مش هدفع أي حاجة تاني.
ممنوع تستخدموا اسمي أو معلوماتي.
ولو حصل متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات هتواصل مع محامي.
بتمنى لكم الخير.
من فضلكم ما تتواصلوش معايا تاني.
أرسلتها.
ثم حظرتهم جميعا.
مرت أسابيع.
صرت أنام لأول مرة دون خوف من رسالة استغاثة مالية.
وصرت أجلس على طاولتي الخاصةطاولة تخصني وحديوأشرب قهوتي في هدوء.
حتى رأيت منشور أمي على فيسبوك.
صياغة مثالية لدور الضحية
بعض الأولاد بينسوا أهلهم أول ما يمسكوا قرشين
ضحينا بكل حاجة وده رد الجميل.
المئات تعاطفوا
معها.
شعرت بالحرقة المألوفة في بطني ثم أغلقت الهاتف.
لم أرد.
لم أشرح.
لم أدافع.
فالشرح رفاهية لا تمنح إلا لمن يريد الفهم.
وفي تلك الليلة اتصلت بي مايا وقالت
شفتي البوست
نعم.
إنتي كويسة
قلت
أيوه أظن كده.
وقد فاجأت نفسي بمدى صدق الشعور.
هو بيوجع بس برضه حاسة إنه دليل إني أخدت القرار الصح.
قالت مايا
إزاي
قلت
هي مش بتقول للناس استعملنا كريدت بنتنا من غير إذن وتوقعنا إنها تدفع عشا ب دولار.
لأ هي بتحكيلهم حكاية إنها الضحية وإني أنا الناكرة والجاحدة.
والناس بتصدق عشان أسهل من إنهم يفكروا إن الأهل ممكن يبقوا أنانيين.
سكتت مايا لحظة.
وقالت أخيرا
إنتي بتتكلمي زي الأخصائية بتاعتي.
ضحكت وقلت
ما هو أنا بسرق جملها.
ضحكت هي أيضا.
لم تتحول حياتي فجأة إلى مشاهد نجاح سينمائية. سيارتي تعطلت لاحقا. الإيجار زاد. شغلي فضل مرهق.
كانت هناك ليال أستلقي فيها أحدق في السقف وأتذكر أعياد الميلاد حول الطاولة الخشبية الكبيرة وصورة أبي وهو يسهر معي حتى منتصف الليل ليصنع معي بركانا للمشروع المدرسي وكان لطيفا بشكل غير متوقع.
كان من الأسهل لو كانوا أشرار كرتون.
لكنهم لم يكونوا كذلك. كانوا بشرا فوضويين أنانيين وأحيانا طيبين.
وهذا ما جعل الابتعاد عنهم يبدو كأنني أقطع جزءا من جسدي جزءا كان يعمل زمان حتى لو أصبح الآن فاسدا.
بعض الأمسيات كنت أتسلل إلى حساب إيلا أختي على إنستغرام.
صور التخرج قبعة روب خدود
مورد وعينان لامعتان.
أبي وأمي على جانبيها يبتسمان.
وفي بعض الصور الجماعية متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات مساحة
فارغة في
 

تم نسخ الرابط