الابــنة التــي دفعـت ثمــن كل شــيء… إلا كــرامتها.
الطرف أعرف جيدا أنني أنا من كان يجب أن يقف فيها واضعة يدي على كتف أختي متظاهرة بأن كل شيء بخير.
لم أندم على خروجي.
لكنني حزنت على ما كان يمكن أن يكون لو أحبوني كما أحبوا نسخة مني.
وبعد ثلاثة أشهر من تلك العشوة وجدت رسالة في صندوق البريد.
ليست فاتورة. ولا دعاية.
اسمي بخط أمي المميز.
حملتها كأنها قنبلة.
جلست على الطاولة قلبتها. لا مرسل لكني كنت أعرف.
فكرت أرميها من غير ما أفتحها
لكن تخيلت أنا المستقبلية قاعدة عند محام وكانت هتحتاج كل ورقة.
فتحت الظرف بسكينة زبدة.
بدأت تقرأ
هاربر
مش عارفة لو هتقري الرسالة ولا لأ بس مامتك وليا حق أسمع صوتي.
سردت الفقرات الأولى بسرعة.
كل ما توقعته بالضبط
أنني كسرت قلبها وأنني اخترت الفلوس على العيلة متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات وأنها ضحت بشبابها عشاني بينما أنا معرفتش أدفع فاتورة عشا من غير فضيحة.
ثم لفت نظري سطر واحد
عملنا اللي لازم يتعمل. ماكناش هنعيش من غير مساعدتك. إنتي مدينة لنا غصب عنك.
ها هو مكتوب بالحبر.
الإيمان القديم اللي كنت حاساه سنين
لكن عمري ما قدرت أثبته.
قرأت الرسالة مرتين
مش بدور على اعتذارلأني أعرف إنه مش موجود متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات
بل على
وفي النهاية كتبت
يوم ما إحنا نموت يا ريت تفتكري إننا حاولنا. ولو مش هترجعي قبلها ما تجيش الجنازة. الناس هتسأل فين بنتنا التانية ومش عارفة هقولهم إيه.
طويت الورقة وضعتها في علبة الأحذية مع التقارير البنكية.
كأدلة ليس على جريمة لكن على حقيقتهم.
ثم وعدت نفسي بوعد واحد
لو ماتوا قبل ما أشوفهم تاني هحزن على الأهل اللي كنت محتاجاهم مش اللي كان عندي.
مر عام.
حصلت على ترقية رسمية مديرة عمليات.
قال مديري وهو يدفع الورق نحوي
إنتي أصلا بتعملي الشغل ده قولت بقى ندفعلك عليه.
وقعت قبل ما يغير رأيه.
كانت مرتبتي أعلى مما مضى
لأول مرة أقدر أفكر في مستقبل.
شقة أكبر. دراسة ليلية. يمكن يوما الكلية اللي كانوا دايما بيستعملوها كسلاح ضدي.
وفجأة ظهرت إعلانات برامج تعليم أونلاين للكبار.
كلية عادية معتمدة مش مرموقة لكن حقيقية.
كانت جملة أمي ترن في أذني
إنتي ما دخلتيش الجامعة متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات ما لكيش مكان على الترابيزة دي.
ضغطت الزر.
وبعد شهر صرت طالبة بدوام جزئي.
مادتين بالليل على الزووم بعد الشغل.
مرهقة. مرعبة.
لكن ملكي.
أول ما أخدت A في ورقة بحث بكيت في العربية في باركينج
مش عشان الدرجة
لكن لأن الدكتور كتب
عندك قدرة تحليل عالية. فكرتي قبل كده تكلمي بدوام كامل
أول مرة حد يقول إني أقدر.
أخبرت مايا صرخت في السماعة
إنتي بتعمري الترابيزة بتاعتك بنفسك!
لم أتوقع رؤية عائلتي مرة أخرى.
لكن الدنيا قررت تقلب اللعبة يوم خميس ممطر.
كنت واقفة في طابور الصيدلية
سمعت اسمي
هاربر
التفت.
كانت إيلا.
أختي.
شعرها مربوط ملامحها مرهقة.
وقفت قدامي وقالت بصوت منخفض
أنا بدور عليك بقالي فترة.
قلت
إنتي معاكي إيميلي.
قالت
ماكنتش عارفة أقول إيه. بس في حاجة لازم تعرفيها.
خرجنا بره تحت المظلة.
قالت
ماما ما تعرفش إني بتكلم معاك لو عرفت
توقفت.
المهم اللي حصل بعد ما مشيتي
من العشا.
كنت متخيلة المشهد
لكن إيلا قالت شيئا لم أتوقعه
أنا اللي دفعت.
لمعت عيني
إنتي!
هزت رأسها.
بكارت الطوارئ اللي بابا إدههولي للجامعة. وبعدها اتخانقوا معايا. قالولي إني بهدلتهم. وإني بقيت زيك.
ضحكت مرة مرة
كان زمان ده مدح.
ثم قالت بصوت مكسور
فاتورة العشا وفاتورة البقالة ولا حاجة اتدفعت لي.
وفهمت ده اللي كانوا بيعملوه معاكي طول عمرك.
قلت
أنا آسفة كان لازم أحذرك.
قالت
ماكانش شغلك. إنتي كنتي طفلة وقتها وكانوا بيدربوا علينا.
ثم رفعت رأسها
أنا نقلت. روحت كولومبوس. عايشة مع اتنين زمايل. الشقة صغيرة بس بتاعتنا.
قلت
ده إنجاز كبير وأنا فخورة بيكي.
ابتسمت ودمعة تهرب منها.
قالت
بابا وماما بيقولولي إني بخسر الميراث.
قلت وأنا أضحك
ميراث إيه الديون ولا الحسرة
ضحكت لأول مرة من قلبها.
وقالت
أنا مش جاهزة أقطع علاقتي بيهم بس بقيت مستقلة. وفكرت فيك. إنتي عملتي خطة هروب وأنا بمشي عليها.
قلت
إحنا مش لازم نفضل ضحايا.
قالت
عايزة أعرفك كأخت مش كظل لمعاييرهم.
وأخذت تمشي تحت المطر.
وأنا شعرت بأن الطاولة التي كانوا يحرسونها بدأت كراسيها تتفكك.
الآن
طاولتي صغيرة.
من إيكيا.
الصحون مكسرة من الأطراف.
والنبتة في النص مش عايزة تموت ولا تعيش.
مايا قبالتي بتراجع CVs بالقلم الأحمر.
وإيلا قاعدة على الرخام بتحكي موقف سخيف في الشغل.
على البوت حلة مكرونة.
الأغاني شغالة.
وريحة المطر داخلة من الشباك.
هاتفي يهتز أكيد قريب مجهول جاي يقلب رواية ماما على الفيسبوك.
لا ألمسه.
ألف المكرونة على الشوكة وأسمع ضحكة أختي.
ضحكة حقيقية مش اللي كانوا يطلبوها منها.
سنين طويلة افتكرت إن أشرس حاجة عملوهامتوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات إنهم ما سابوش لي كرسي على ترابيزة العيلة.
دلوقتي عارفة الحقيقة
أسوأ حاجة عملوها إنهم أقنعوني إن ترابيزتهم هي الوحيدة اللي تستاهل أقعد عليها.
وهي
لم تكن كذلك.
النهاية