الستر صنعه

لمحة نيوز

ليلة ما ابن عمها قفل الباب في وشها وسابها في الشارع هي وبنتها الجعانة، "إلهام" افتكرت إنها خلاص وصلت لآخر درجة من الذل.. لكن لما جرجرت مكنة الخياطة القديمة المصدية لحد عشة ورا الجامع، واكتشفت إن جواها سر

بقلم منــي الـسـيد 

مستخبي من أكتر من أربعين سنة، اللي كان باين إنه "تريقة" واستهزاء من أهلها، اتحول لأقوى ورث في حياتها.. ورث مكنش بس فلوس، ده كان كفيل يغير قدرها، ويكشف وشوش اللي استقلوا بيها، وينقذ بنتها "نسمة" للأبد.
تراب الطريق كان بيعفر في وشها زي لعنة قديمة كل ما تشد شنطتها المقطوعة على الأرض الناشفة. شمس الصعيد كانت نازلة فوق نفوخهم مابترحمش، شمس حامية وواقفة مكانها كأن السما بتتفرج عليهم وهما بيتعذبوا ومن غير ما تتهز لها شعرة. جنبها كانت "نسمة"، متوفرة على روايات و اقتباسات بنتها اللي عندها سبع سنين، ماشية وماسكة في حضنها عروسة قماش مقطوعة وعينها مخلوعة. البنت لا كانت بتعيط، ولا بتشتكي، ولا حتى طلبت تشرب أو تاكل.. والسكوت ده كان بيقطع في قلب "إلهام" أكتر من أي إهانة؛ لأن عيلة صغيرة زي دي مكنش ينفع تتعلم بالسرعة دي إزاي تبلع جوعها وتداري خوفها. بقلم منــي الـسـيد 
بقيتهم تلات أيام ماشيين من بلد لبلد، يركبوا مواصلات على الماشي، وينزلوا لما السواق يزهق منهم، يناموا مطرح ما الليل يليل عليهم، وياكلوا لقمة ناشفة لو لقوا، ولو ملقوش يناموا خفيف. كل ده عشان صاحب البيت في الفيوم طردهم بقلب حجر لسه وجعه مسمع

في روحها.
— "شهرين مأخرة الإيجار يا ست إلهام.. أنا مش فاتحها ملجأ"، ده اللي قاله وهو بيرمي هدومها القليلة على الرصيف كأنها زبالة..متوفرة على روايات و اقتباسات
وهناك، انتهت الحياة اللي كانت فاكرة إنها أمان.
من تلات سنين، إلهام كان عندها شقة مستورة، وروتين، وشغلانة سكرتارية، وجوز بيحلف لها بالحب كل أذان مغرب. وبعدين "خالد" اختفى في ليلة، من غير لا سلام ولا كلام، ولا حتى بص بصلة أخيرة على بنته وهي نايمة. وبعدها عرفت الحقيقة المرة: ست تانية، وبيت تاني، وعيال تانية.. ساب لها هي الديون، والأسئلة، وفضيحة لازقة في جلدها مابتطلعش.
دلوقتي، وفي وسط الطريق الناشف ده، مكنش مسندها غير إيد "نسمة" الدافية، وريحة أمل أخيرة.
— "يا ماما.. هو لسه فاضل كتير؟"، البنت سألت بصوت واطي بيحاول يستقوى.متوفرة على روايات و اقتباسات
إلهام بلعت ريقها المر، كانت زوارها ناشفة، وقلبها مطحون، وكرامتها مهدورة.. بس أجبرت نفسها تبتسم.
— "أيوه يا روحي، خلاص قربنا نوصل لبيت أستاذ مدحت ابن عمي.. هو اللي هيقف جنبنا".
وده كان نص كذبة.. مكنتش عارفة مدحت لسه عايش هناك ولا لأ، ولا هيفتح الباب ولا هيطردها، ولا حتى لسه فاكرها بالخير ولا نسيها. كل اللي كانت عارفاه إن اسمه هو المفتاح الأخير اللي شايلة ريحته في ذاكرتها.
لما وصلوا للبيت، "نسمة" خافت وقفشت في هدوم أمها. البيت كان باين عليه العز: جنينة واسعة، عربية مركونة بتلمع، وسور عالي. كل اللي ناقصهم كان موجود هناك.. سقف
وأمان. إلهام حاولت تلم شعرها بإيدين مرعوشة، ونفضت التراب عن جيبتها، ومسحت لـ "نسمة" هبابة تراب كانت على خدها.
— "افتكر يا حبيبتي، سلمي بأدب، وما تطلبيش حاجة، وخليكي ساكتة جنبي".
خبطت إلهام على الباب تلات خبطات.. كل خبطة كانت بترن في صدرها كأنها بتخبط على باب القبر.
الباب اتفتح.. وطلع "مدحت": بقى أتخن، وأقسى، وأبعد ما يكون عن قريبي اللي أعرفه. بص لها من فوق لتحت.. في الأول اتفاجئ، وبعدين اتضايق، وبعدين بان في عينه استحقار خلى الدم يتجمد في عروقها.متوفرة على روايات و اقتباسات..— "إلهام؟ أنتي إيه اللي جابك هنا؟"
وطلعت من وراه مراته، ست وشها شارد وماسكة في إيدها طرحة حرير، بصت لـ "نسمة" وللشنطة المقطوعة ولجزمهم اللي غرقانة تراب، ولويت بوزها بقرف.
إلهام استجمعت كرامتها المتبقية وقالت:
— "سامحني يا مدحت إني جيت من غير ميعاد.. أنا محتاجة بس لقمة ومكان ننام فيه كام يوم لغاية ما أشوف شغل. أنا أغسل، أطبخ، أخيط.. أي حاجة".
مكملتش كلمتها، وهو ضحك ضحكة صفرا:
— "بقالنا سنين مانعرفش عنك حاجة.. حتى جنازة أبويا ماجيتيش فيها".
التهمة نزلت عليها زي الكرباج. ما راحتش لأن "نسمة" كانت بين الحياة والموت في المستشفى وقتها.. بس هتشرح لمين؟ لوشوش مابتفهمش غير لغة الفلوس؟
— "أرجوك يا مدحت.. أسبوع واحد بس"، صوتها طلع مكسور، صغير، ومذلول.. وكرهت نفسها في اللحظة دي.
مراته نفخت وقالت بقلة ذوق:
— "إحنا اللي فينا مكفينا، مش ناقصين شحاتين في البيت".
"نسمة"
استخبت ورا رجل أمها، وإلهام حست إن فيه حاجة جواها ماتت.. مش بس بسبب الإهانة، لكن عشان الكلمة اتقالت قدام بنتها. شافت في عيون البنت سؤال واجع: "هو إحنا وحشين يا ماما؟".
مدحت فضل باصص لها لحظة، وفجأة ابتسم.. بس مكنتش ابتسمة رحمة، كانت ابتسامة شماتة.
— "بتقولي بتعرفي تخيطي، مش كده؟"
— "أيوه".
— "طيب استني".
دخل البيت ورجع وهو بيجر حاجة متغطية بخرقة قديمة، ورماها على الأرض عملت صوت رزع وطلعت عفرة تراب.
— "خدي.. دي مكنة خياطة الست "ستيتة" جدتك. بقالها سنين مركونة في البدروم ومضيقة علينا المكان. لو بتعرفي تخيطي بجد، اديكي لقيتي شغلانة تآكلك عيش". متوفرة على روايات و اقتباسات
إلهام بصت للمكنة ومش فاهمة.. مكنة قديمة، مصدية، دي صدقة ولا تريقة؟
— "يا مدحت.. أنا محتاجة سقف يلمني أنا وبنتي".
هز كتافه ببرود:
— "بيعيها، استعمليها، ارميها في البحر.. أنا عملت اللي عليا".
— "اللي عليك؟" إلهام قالتها والدموع بتغلي في عينها، "هي دي مروءتك؟"
— "ده اللي عندي، والباب يفوت جمل".
وقفل الباب في وشها.
رزعة الباب رنت في الشارع الفاضي، وفي قلب إلهام، وفي معدة بنتها الفاضية.
"نسمة" بصت لأمها وعينها مليانة دموع:
— "يا ماما.. هنعمل إيه دلوقتي؟"
إلهام نزلت على ركبها، مسحت دموع بنتها وقالت بصوت قوي وهي بتترعش من جوه:
— "هنعديها يا قلب أمك.. والله لنعديها. أمك دايماً بتلاقي حل".
وهي  قدام الباب المقفول والمكنة المصدية، مكنتش تعرف إنها بتقول الحقيقة.
. مكنتش تعرف إن المكنة دي مش بس حديد قديم.

 

تم نسخ الرابط