الستر صنعه
المكنة دي كان فيها سر مستني ٤٠ سنة عشان ينقذ ست بتشبه الست اللي خبت السر ده زمان.. ست كانت بتمتلك نفس الصبر ونفس الوجع.
إلهام قعدت ساعة تجر المكنة لغاية آخر الشارع. مكنة "سنجر" سودة بكنار دهبي باهت تحت التراب. تقيلة كأنها شايلة هموم الدنيا. "نسمة" كانت بتساعد بجر الشنطة وهي خايفة على أمها.
وصلوا لجامع صغير في آخر البلد، مئذنته قصيرة وشكله بسيط. خبطت إلهام على باب السكن، طلع لها "عم الشيخ حسن"، راجل كبير شعره أبيض وعينه فيها حنية تريح.
— "يا حاج.. مالناش حتة نبيت فيها الليلة".
الراجل بص لهم بصه أب، وقال:
— "ادخلي يا بنتي، البيت بيت ربنا".
لما حكت له، اتنهد بوجع: "المكان اللي بننيم فيه الغربا مليان، بس فيه عشة ورا الجامع فيها مرتبة وغطا.. استري نفسك فيها الليلة، وبكرة يحلها الحلال".
العشة كانت ريحتها تراب وخشب، فيها شباك مكسور ومرتبة رقيقة.. بس بالنسبة لإلهام كانت قصر.
— "بكرة أفطركم بإذن الله.. ناموا دلوقتي"، قالها الشيخ حسن وسابهم.
لما بقوا لوحدهم، نسمة نامت من التعب وهي حاضنة عروستها. لكن إلهام مكنش جاي لها نوم. قعدت تبص للمكنة في ضلمة الليل. افتكرت جدتها "ستيتة" وهي قاعدة قدام المكنة دي زمان، ضهرها مفرود، ورجلها بتدوس بانتظام، كأنها بتخيط جروح مش بس قماش.
"الست اللي معاها صنعة مابتجوعش يا إلهام"، دي كانت كلمة الجدة.
لمست إلهام الحديد الساقع، وحست بحاجة غريبة. قاعدة المكنة مكنتش بتطبل (مش فاضية). لما هزتها، سمعت صوت حاجة بتتحرك جوه.. صوت مكتوم. متوفرة على روايات و اقتباسات
قلبها دق…جابت مفك قديم كان مرمي في العشة، ونزلت على الأرض وبدأت تفك المسامير
وبعد نص ساعة، وتحت ضوء شمعة صغيرة، قدرت تفتح الغطا اللي تحت..
ولقت لفة قماش مشمع، مربوطة بدوبارة ناشفة.
سحبت اللفة بإيدين بترتعش، وفتحتها..
في الأول، ظهرت عملات فضة وذهب قديمة، "برايز" و"شلن" و"جنيهات" ورق من بتاعة زمان، مرصوصة بدقة ومحافظ عليها. وتحت الفلوس، لقت ظرف أصفر، مقفول بالشمع الأحمر.. ظرف كان شايل ورقة بتمثل "عقد ملكية" وأمانة، هتغير موازين اللعبة كلها، وترجع الحق لأصحابه.
الظرف الأصفر اللي كان مقفول بالشمع، كان مكتوب عليه بخط الست "ستيتة" اللي ميتوهش عنه عين، خط مليان هيبة وعز:
**"للي يفتح الظرف ده.. بـحب، من ستيتة."**
الدنيا لفت بإلهام، مكنش فيه في العشة غير نور الشمعة ورعشة إيدها وهي بتفتح الورق اللي بقاله سنين مستني صاحبه. الست ستيتة كانت كاتبة حكايتها بوضوح:
*"لو بتقرأي الكلام ده، يبقى الدنيا رمت المكنة دي في إيدك وانتي في عز عوزتك.. ولو ده حصل، يبقى ربنا أراد إن حكايتي توصل لك في وقتها الصح."*
إلهام جسمها قشعر وكملت قراية:
*"أنا مكنتش طول عمري ستيتة المنشاوي.. أنا هربت من بلدنا وأنا عندي 19 سنة من جوز كان هيموتني من الضرب. مشيت الفجر ومعايا هدومي اللي عليا، وكستبان في جيبي، وصنعة الخياطة اللي ورثتها من أمي. وصلت هنا لا أهل ولا سند، وخفت يوصلي، فغيرت اسمي لما قابلت الراجل الطيب "الحاج محمود" اللي اداني قيمتي قبل ما يسألني عن أصلي."*
*"حوشت القرش فوق القرش، من تعب شقايا في الخياطة، فستان ورا فستان، عشان عمري ما أحتاج لمخلوق تاني.. خبيت الفلوس دي لأن الست اللي اتكسرت مرة،
*"لو أنتي ست وبتعاني، اسمعيني كويس: الوجع مش هو النهاية.. والذل مش اسمك.. والوحدة مش قدورك. إيديكي هي اللي هتقومك، وشقاكي هو اللي هيحرسك، وكرامتك هي اللي هتبنيكي من جديد."*
دموع إلهام نزلت غسلت الورق.. الست ستيتة كانت بتحكي عن خوفها، وعن الليالي اللي خيطت فيها وهي محمومة، وعن الناس اللي استقلوا بيها عشان "ست وحيدة". وفجأة لقت الجملة اللي رنت في ودنها:
*"الفلوس دي مش ثروة، دي (بذرة).. ازرعيها بصح، وما تضيعيهاش عشان تبهرِي حد.. دي عشان تقومي على رجلك."*
لما خلصت، إلهام حضنت الجواب في حضنها وفضلت تعيط، بس مش عياط قهرة.. ده كان عياط حد لقى اللي بيفهمه. الفلوس مكنتش "كنز مغارة علي بابا"، بس كانت مبلغ يسند: عملات قديمة وشوية دولارات وبرايز ذهب، مبلغ يكفي تأجير أوضة، وأكل لبنتها، وتصليح المكنة، وشوية قماش تبدأ بيهم.
**بكرة يوم جديد..**
إلهام قامت الصبح وهي واحدة تانية خالص. الشيخ حسن لما شافها قال لها: "النهاردة في عينيكي نور يا بنتي".
راحت لورشة خياطة صغيرة بتاعة ست اسمها "الست زكية"، ست ناشفة بس قلبها أبيض. إلهام عرضت عليها المكنة، زكية بصت للمكنة وقالت: "دي مكنة أصيلة.. زي الستات الجدعة، تترمي في البدروم وتصدي، بس لسه فيها عزم يطلع بيت كامل لبر الأمان."
اتفقوا إن إلهام تشتغل عندها ٣ أيام ببلاش مقابل إنها تعلمها تصليح المكنة وتديلها قطع الغيار. إلهام اشتغلت بقلب ميت، صنفرت الصدأ، وزيتت التروس، لغاية ما المكنة "نطقت" ورجعت تشتغل بصوت زي المزيكا.
وبدأت الحكاية.. "نسمة" بدأت تروح المدرسة، وإلهام بدأت تخيط للناس في أوضتها اللي فوق
**المواجهة الصعبة:**
وفي يوم، "مدحت" ابن عمها عرف إن حالها اتعدل، فجالها لغاية عندها. دخل عليها بوشه اللي يقطع الخميرة:
— "بيقولوا بقيتي صاحبة شغل.. المكنة دي بتاعة جدي، وأنا اللي مديهالك (أمانة).. هاتيها يا إما تدفعي ثمنها بالشيء الفلاني".
إلهام بصت له بكل ثبات، مكنتش هي الست المرعوشة بتاعة ليلة الطرْد:
— "المكنة دي كنت راميها تصدي في البدروم يا مدحت.. دلوقت لما بقت بتجيب قرش افتكرت إنها أمانة؟ اخرج بره، ولو فكرت تقرب من هنا، هلم عليك الحارة كلها وأحكي لهم إزاي رميت بنت عمك وابنتها في الشارع."
مدحت مشي وهو بيبرطم من الخوف، لأن إلهام مابقاش عندها حاجة تخسرها.
**النهاية اللي تبرد القلب:**
السنين دارت، وإلهام فتحت "أتيليه" كبير وسمته **(أتيليه ستيتة)**. مكنتش بتشغل عندها غير الستات اللي زيها، اللي الدنيا قست عليهم، عشان تعلمهم إن "الصنعة ستر".
وفي ليلة، "خالد" جوزها اللي هرب، ظهر تاني.. كان حاله يصعب على الكافر، مديون ومطرود من مراته التانية. وقف قدام الأتيليه يطلب منها السماح.
إلهام بصت له ببرود، ونادت على "نسمة" اللي بقت شابة زي القمر:
— "يا نسمة.. شوفي الأستاذ ده عايز إيه واديه حسنة يروح بيها."
متوفرة على روايات و اقتباسات
خالد وشه بقى ألوان ومشى مكسور.. الرد مكنش محتاج كلام كتير.
إلهام قعدت قدام المكنة السنجر القديمة اللي لسه محتفظة بيها في نص الأتيليه، ولمست الحديد بتاعها وقالت: "شكراً يا ستيتة.. مكنتش فلوس اللي في المكنة، كانت (روح)
**تمت.**
بقلم منــي الـسـيد