ضحكه خلف الابواب
من يوم ما مراتي ماتت بنتي ما نطقتش ولا كلمة.
ولا في الجنازة، والناس حواليها بتعزي وهي ولا كأنها سامعة. ولا مع الدكاترة اللي كانوا بينزلوا لمستواها ويحاولوا يكلموها بصوت هادي مكسور. ولا حتى بالليل، لما كنت بقعد جنب سريرها وأترجاها تتكلم وأوعدها بوعود أنا نفسي مش متأكد أقدر أنفذها.
أنا اسمي أحمد منصور صاحب شركة كبيرة في مجال العقارات في القاهرة.
ببيع وأشتري عمارات بملايين. بقرر مصير صفقات ضخمة. بكلم ناس تقيلة في السوق والكل بيسمعلي.
بس قدام سكوت بنتي الصغيرة كنت ولا حاجة.
سلمى بطلِت تتكلم بعد الحادثة اللي خدت أمها.
الدكاترة قالوا دي صدمة نفسية. وقالوا عقلها بيحميها. وقالوا مع الوقت هتخف.
دايمًا يقولوا مع الوقت.
لحد ما في يوم كل حاجة اتقلبت.
خرجت بدري من الشغل من غير سبب واضح بس كان في إحساس خانق جوا صدري.
دخلت البيت وقبل ما حتى أقفل الباب كويس سمعت صوت.
ضحك.
اتجمدت مكاني.
سلمى كانت بتضحك.
مش ابتسامة خفيفة ضحك بجد.
كانت راكبة على كتف الشغالة الجديدة، بنت اسمها هبة. وكانوا بيغسلوا المواعين سوا، وفقاقيع الصابون
هبة ضحكت وقالت خلي بالك يا كابتن الفقاقيع هتهرب!
سلمى ردت وهي بتضحك همسكهم! ماما قالت إني سريعة!
رجلي ما شالتنيش.
هبة بصت وراها لما حسّت بوجودي وسلمى كمان. وفي لحظة الضحك اختفى.
جسمها شدّ. وشفايفها اتقفلت كأن حد قفل باب.
قالت بهمس بابا
مرة واحدة بس.
وبعدها سكون تاني.
ما اتكلمتش. دخلت أوضتي وقفلت على نفسي وقعدت في الضلمة وأنا بترعش.
بالليل فاطمة، مدبرة البيت اللي بقالها معانا 12 سنة، خبطت على الباب.
قالتلي بصوت واثق البنت دي كدابة.
اتنفضت. كدابة في إيه؟
قالت عنوانها مش حقيقي. حاولت أبعتلها ورق المكان مش موجود. اتأكدت مرتين.
حسيت ببرودة غريبة جوا صدري.
تاني يوم هبة مشيت قبل المغرب.
قررت أراقبها.
ركبت ميكروباص وراحت ناحية مناطق عمري ما روحتها. نزلت جنب مصنع مهجور ودخلت عمارة قديمة متهالكة.
عشوائيات.
الغضب ولّع جوايا.
إزاي تكذب؟ وإزاي تقرب من بنتي؟
طلعت جري على السلم وخبطت الباب برجلي وفتحته بعنف.
هبة! إنتِ مطرودة
الكلام وقف في بقي.
اللي شُفته جوه ما كانش ينفع يكون كدب.
وفي اللحظة دي
اتكسر.
وقعت على ركبتي.
حكايات شروق خالد
جوه الأوضة ما كانش في فوضى زي ما توقعت.
كان في أطفال.
كتير.
مش أقل من ستة أو سبعة قاعدين على الأرض، بعضهم لابس هدوم مقطعة، وبعضهم باصصلي بخوف، وبعضهم حتى ما رفعش عينه.
وفي النص كانت هبة.
بس مش هبة اللي في بيتي.
كانت لابسة هدوم بسيطة جدًا وشها من غير مكياج وشعرها مربوط بعشوائية بس عينيها؟
كانت مليانة حنية غريبة.
أول ما شافتني قامت بسرعة.
أستاذ أحمد؟
صوتها كان هادي مفيهوش خوف.
أنا كنت مولع.
إيه ده؟! إيه المكان ده؟! وإنتي مخبية إيه؟! وإزاي تدخلي بيتي وتكذبي؟!
الأطفال اتلمّوا وراها بخوف.
واحد صغير مسك في هدومها وقال هتمشي يا هبة؟
هنا صوتي علي أكتر طبعًا هتمشي! إنتي مطرودة حالًا!
لكنها ما ردتش بعصبية.
بالعكس نزلت لمستوى الطفل، مسحت على شعره، وقالتله بهدوء ادخل جوه يا حبيبي مفيش حاجة.
وبعدين بصتلي.
تعالى وأنا هشرحلك كل حاجة.
كنت ناوي أرفض بس في حاجة جوايا خلتني أسكت.
دخلت.
الأوضة اللي ورا كانت أصغر بس أنضف.
فيها مراتب
بصيت حواليّ وأنا مش فاهم.
إيه ده؟ دار أيتام؟ ولا إيه؟
قالت بهدوء ولا دار ولا حاجة رسمية.
سكتت لحظة وكأنها بتجمع شجاعتها.
أنا اتربيت هنا.
بصتلها بصدمة.
كنت واحدة من الأطفال دول من غير أهل من غير حد.
صوتها بدأ يهتز بس كملت
الست اللي كانت بتربينا ماتت من سنتين ومن يومها وأنا بحاول أمشي المكان لوحدي.
أنا كنت ساكت بس الغضب بدأ يتحول لحاجة تانية.
حيرة.
قالت أنا ما كذبتش عشان أضحك عليك أنا كذبت عشان لو قولت الحقيقة عمري ما كنت هتقبلني تشتغل عندك.
سكتت.
والفلوس اللي باخدها منك كلها بتتصرف عليهم.
في اللحظة دي سمعت صوت صغير من ورايا
بابا
لفيت بسرعة.
سلمى.
واقفة عند باب الأوضة.
مش عارف إزاي لحقتني ولا إزاي خرجت من البيت أصلاً.
جريت عليها إنتي جيتي هنا إزاي؟!
لكنها ما ردتش عليّ.
كانت باصة لهبة.
ومسكت إيدي وبعدين شدّتني ناحيتها.
وقالت بصوت أوضح من أي مرة فاتت
بابا هبة بتضحكنا زي ماما.
الدنيا وقفت.
قلبي اتقبض.
هبة نزلت لمستواها وقالت بابتسامة دافية وحشتك الضحكة يا سلمى؟
سلمى
وبصتلي وقالت أنا كنت ساكتة عشان لو اتكلمت هفتكر ماما وهزعل.
دموعي