اشباح مخابرات حصري الفصل الاول والثاني والثالث
وما كادت بغلق البراد، حتى عادت تنحني وهي تحمل الاغراض عن الرفوف، فتفاجأت بوجود خزنة سرية مجوفة داخل باطن البراد، فتحتها باستخدام الشفرة المنتشرة بين الفريق، فوجدت عدة حقائب مُغلقة، ملف أسود وحاسوب صغير، وبعض المستلزمات السرية التي تؤهلها على تحقيق مهمتها بنجاح!
صف سيارته وخرج ينزع نظارته الشمسية، وعينيه تبرقان لوعةً وشوقًا لها، حينما رآها تقف مع أصدقائها، أغلق نوح سيارته وأسرع صوبها، فما أن رأته حتى استأذنت منهن وأسرعت بالفرار، فهرول خلفها يناديها
_تالا!
وقفت محلها وقالت مسرعة لتوقفه عن الاقتراب حتى لا تضعف قبالته
_نوح كمل طريقك وبلاش تعترض طريقي من فضلك.
وقف بمحاذاتها وبتعب ردد
_لحد إمته؟! بقالي 6 شهور دايخ وراكِ يا تالا، وانتِ حتى مش عايزة تديني فرصة، تعبتيني معاكِ.
وأضاف وهو يتعمق بعينيها بحزنٍ
_أنا مش عارف أنا بتعاقب على إيه بالظبط، قوليلي أنا عملت إيه أستحق بيه معاملتك دي!
رفعت عسليتها الدامعة له، وبرجفة فاهت
_غصب عني، مش هقدر أخالف قرار تيام.
منحها ابتسامة مطعمة بالألم وردد
_حتى لو كان ظالم ليا وليكِ يا تالا!
صمتت ولم تجد ما تقول،فأخفضت بصرها أرضًا ودموعها تتهاوى، فاستكمل نوح
_ إحنا ملناش ذنب في اللي عمله هارون مع تيام، ولا اللي مازال بيحصل وهيحصل بينهم، أنا بحبك يا تالا ومقدرش أعيش من غيرك.
وكشف عن أول أزرار قميصه ليريها أين وضع دبلتهما، كانت بخيط عريض أسود يحيط برقبته
_إرجعيلي يا تالا، أنا واثق إنك بتعاني زيي وأكتر، ولو تيام رفض رجوعنا نهرب مع بعض ونتجوز، أنا جاهز لأي حاجة تريحك بس المهم إن الراحة دي تكون في قربنا.
اعتصرت عينيها بعنفوان، ورددت باكية
_مش هقدر يا نوح، مش هقدر أوجع تيام بالشكل ده، وخصوصًا بعد اللي الخاينة دي عملته فيه، مش هقدر أكون سبب عذابه للمرة التانية.
وتطلعت له متوسلة بانهيار
_أرجوك بلاش تضغط عليا، حاول تساعدني أنفذ وعدي ليه بإنك متحاولش تكلمني ولا تقف معايا تاني، أرجوك يا نوح، لو بتحبني بجد اعمل كده!
قالتها وهرولت باكية من أمامه، بينما يتجمد هو محله، يواجه صعوبة كلماتها التي تهاوت من فوقه كالشظايا القاتلة!
ولجت للداخل باكية، تحاول الفرار من الجامعه بأكملها، فاذا بها ترسل رسالة لصديقتها المقربة، تسألها عن مكان وجودها، فأرسلت لها رسالة
ذهبت أنا والفتيات لمقهى جديد افتتح للتو قريبًا من الجامعة لتناول الغداء، اليوم افتتاح المقهى لذا الطعام والمشروبات جميعها بخصم خمسون بالمئة، ما رأيك ان تأتي إلينا لحين أن يقترب موعد المحاضرة؟
لم تجد سبيلًا آخرًا حتى تهرب من رؤيته، لربما تراه صدفة طالما موعد محاضراته في نفس موعدها، حملت حقيبة يدها وخرجت تتبع اللوكيشن الذي أرسلته صديقتها للتو.
وصولهم لايطاليا كان بشكلٍ سري للغاية، حتى تواجدهم بتلك المنطقة المنعزلة، والآن يمضي ثلاثتهم بحرص نحو النقطة الآمنة التي سيكون فيها محل اقامتهما المؤقت، والذي سيكون نقطة تلاقيهم.
مضت مرين خلفهما وهي تجاهد تعب قدميها، لقد طال بهم الطريق مشيًا دون أي وسيلة مواصلات، حتى لا يثيرون الشكوم لهم، ومع شدة ارهاقها مازالت ترسم قناع القوة
شعر بها ياسين من تباطؤ خطواتها، فاستدار إليها يسألها
_تحبي نقف نرتاح شوية؟
هزت رأسها وهي تخطو إليه، فقال وهو يمد ذراعه نحوها
_طيب هاتي شنطتك.
رفضت ذلك وهي تسبق خطاه نحو زين، الذي يراقب الموقع جيدًا لتمكنه الشديد من ذلك
_مش تقيلة.
اوقفها بنبرته الرقيقة
_مرين بلاش عناد شكلك مرهق!
وقفت محلها تتطلع له بتفكيرٍ جعله يكبت ضحكاته وهو يهتف بعدم تصديق
_هو أنا بقولك سلميلي سلاحك!
وتابع بنظرة خبيثة
_في إيه في الشنطة خايفة عليه أوي كده؟
زوت حاجبيها بدهشة من حديثه، وردت
_هيكون فيها إيه يعني! أنا مش عايزة أحس إنك بتجبر نفسك تكون جنتل مان معايا، وتقريبًا كده هتشمت فيا بعدها.
توالت ضحكاته بشدةٍ، وهو يحرك رأسه بعدم تصديق
_هو إنتِ ليه عندك حسابات لكل حاجه كده، على فكرة الطريق فعلاً مرهق، أنا شوية وهمدد هنا على الأرض بين الشجر والنجوم والسما، مش بذمتك المنظر جذاب؟
تعجبت من طريقة حديثه وابتسامته، فاذا بها تنزع الحقيبة وتقفزها تجاهه قائلة
_بما إنك مرهق فأنا نفس الشيء، وبما إنك محتاج تريح فأنا بأيدك وبشدة، ياريت تخلي زين يقف شوية!
على ذكرها لرفيقه، استدار حولهما وهو يتساءل باستغراب
_هو زين فين؟!!!
بحثت من حولهما بتعجب
_شكله كمل طريقه ومحسش بينا أصلًا، زين وقت الشغل بيكون نسخة من أنكل رحيم!
وأضافت بتعب
_هو اللي معاه طريق المكان، هنعمل إيه دلوقتي؟
ابتسم وهو يراقب إحدى الأشجار باهتمام، ثم قال بخبث وهو ينتزع خنجره
_هنستغل إننا توهنا منه ونرتاح شوية، مش اعترفتي من شوية إنك تعبانه؟
أغلقت نصف عين وهي تجابهه
_إنت تعبان؟
تحررت ضحكة صاخبة منه، وهو يهز رأسه، فارخت تعابيرها المشدودة وهي تعترف بعدما اعترف هو أولًا
_يبقى وأنا كمان.
هز رأسه باستسلامٍ منها، واتجه يفعل ما دار برأسه، كسر بعض الفروع والاوراق، مددهما ووضع الحقائب كأنه يصنع وسادة للفراش المؤقت، ومن ثم أشار لها
_السرير جاهز معاليكِ.
ضيقت زُرقتها من طريقته المختلفة كليًا، ومع ذلك اتجهت للجذوع تجلس بتعبٍ، وهي تهتف
_وإنت؟
جلس أرضًا وهو يسند ظهره للشجرة المقابلة لها
_مرتاح كده.
أغلق عينيه ومال برأسه للخلف، فقالت وهي تجاهد النوم
_ياسين، زين هيقلق لما مش هيلاقينا وراه!
قال وعينيه مغلقتان
_هيأمن المكان، وهيرجعلنا بسهولة.
وثقت بحديثه فهو أدرى الناس به، فاذا بها تميل بجسدها للاسفل حينما وجدته يغلق عينيه، وسرعان ما غفت ورأسها مسنود فوق حقيبته، ووجهها قبالته.
فتح عينيه حينما شعر بانتظام أنفاسها، فابتسم وهو يراقب ملامحها البريئة التي تفقدها كليًا ما أن تحل عليها شراسة وعناد الأنثى التي يعشقها داخلها.
حرك الهواء خصلاتها البنية القصيرة من حولها، فجعلت قلبه يخفق بين ضلوعه بجنونٍ، فاذا به يميل بجسده للجانب الآخر وعينيه تنقطع عنها بينما يردد بندم
_استغفر الله العظيم وأتوب إليه!!
_أنا بحبك ومش عايزة غيرك من الدنيا يا تيام!
قالتها وهي تجوب محل الأثاث رفقته، ومازال يصر عليها أن تنتقي كل ما تريد أن يكون بمنزلهما، فاعترضت على عطائه المبالغ به،
_عارف يا رحيق، بس أنا وعدتك إنك اللي هتعوزيه كله هيكون رهن إشارتك.
وأضاف وهو يميل تجاه خزانة الدولاب من جواره، ويمازحها
_الفرصة بتيجي مرة واحدة، استغليها واشتري كل العفش اللي بتتمني يكون في بيتنا.
ابتسمت ووجهها يتلونه الأحمر، بينما تعيد على مسمعه
_صدقني مش عايزة حاجة، اختار إنت، وتأكد إن ذوقك ببعجبني أوي.
ردد بعاطفة وعشق
_ذوقي عالي باختياري ليكِ يا رحيق، من أول ما شوفتك وأنا عارف إن قلبي هيهاجر أرضي وهيكون لاجئ على أرضك.
ازدادت حياءا وخجلًا، فتهربت منه سريعًا قبل أن تسقط قبالته، فتركها مثلما شاءت وعينيه أبت تركها.
أفاق من شروده على صوت الشيف الذي يخبره بهلع
_لا بأس سيدي بامكانك الخروج للاستراحة وأنا سأعد غيره.
لم يفهم حديثه الا حينما تطلع صوب ما كان يفعله، فوجد المقلاة مشتعلة واللحم احترق بالكامل بسبب شروده بمن لم تتركه كأنها تعد العدة للانتقام مما فعلته هي!
حمل تيام المقلاة وألقاها بحوض الأطباق، ثم انتزع المريول وخرج غاضبًا، لا يرى قبالته سوى رغبته بالعزلة الآن.
مضت أكثر من نصف ساعة تحاول الانغماس بين صديقاتها، ولكنها لم تستطع، مازال حديث نوح يحيط بها، فنهضت عن الطاولة التي تلتف من حولها زميلتها وإستأذنت بالرحيل لتعبها.
مضت تالا صوب طريق الخروج فاذا بها تصعق حينما ترى اللوجو الموضوع جانبًا، والذي يثبت انتماء المقهى لعائلة التميمي، وما بدد هلعها حينما رأت هارون يدخل رفقة رجاله، فاذا بها تتراجع للخلف وهي تكبت شهقاتها بصدمة ورعب!
بينما بالأعلى، وبالغرفة الخاصة بالمكتب الرئيسي.
نفث دخان سيجاره الرفيع، وهو يتابع شاشات المراقبة ببرودٍ، زم شفتيه ساخطًا مما يراه، فمال بظهره للمقعد ووضع ساقه من فوق المكتب الضخم، والسيجار يحمل على عتقه غضبه الذي يطغو عليه.
حاول أن يتجاهل ما يحدث، ولكنه لم يحتمل نفث دخان سيجاره بقوةٍ، وهو يضغط الزر الجانبي المتحكم بالاتصال برجاله، فولج كبيرهم والذي يعد ذراعه الأيمن يقف قبالته في طاعةٍ.
نفث كِنان دخان سيجارته وقال بجمود
_أحضر لي تلك الفتاة من الممر السري دون أن ينتبه لك أحدٌ.
هز رأسه وما كاد بالمغادرة حتى حصل على تشديد من سيده
_حيدر، احرص ألا يراكما هارون.
هز الرجل الضخم رأسه في طاعة وقال
_لا تقلق سيدي.
وغادر على الفور، بينما يعود كنان لمتابعة الشاشة وهو يهمس في سخط
_ضاقت في وشك جايله برجليكِ
لقد جنت على روحها بقدومها إلى هنا، من شدة رعبها من ذلك الشيطان كانت تهرول ركضًا لآخر المطعم، عسى أن تجد مخرجًا آخرًا، أنفاسها كانت تتعالى في رعبٍ حقيقي، وكأنها
كانت تركض لآلآف الأميال.
اختبأت تالا خلف إحدى الحوائط تلتقط أنفاسها التي تكاد أن تُسلب منها، ودموعها تنشق على وجهها الرقيق، فاذا بها تجذب هاتفها لتهاتف أخاها عسى أن يخلصها من هنا، ولكنها توقفت فجأة وهمست بانهيار
_كده هكون بقدمه لهارون على طبق من دهب، لا أنا لازم أخرج من هنا لوحدي ومن غير ما الكلب ده يشوفني.
أعادت الهاتف وهي ترتب تنورتها من بقايا العصير الذي انسكب عليها حينما اصطدمت
تراجعت تالا للخلف وهي تستحضر صوتها الشاحب
_ماذا تريد؟ ابتعد.
لم يجِبها بل جذبها من معصمها بقوة، وحينما كادت بالصراخ رفعها وكمم فمها باليد الأخرى، وصعد بها من الدرج الجانبي للاعلى، كأنه يحمل عصفورًا صغيرًا!
سقط قلب تالا وقد أيقنت أن أمرها سينتهي اليوم لا محالة، فإذا به يفتح بابا ضخما ويلقيها على أريكة سوداء اللون، ثم يغادر كأنما لم يفعل شيئا!
اعتدلت بجلستها والفزع يفقد النضارة عن وجهها الجذاب، حتى كادت أن تموت من فرط شحوبها، انتقل بصرها لاستكشاف الغرفة، حتى تفاجأت بكِنان يجلس على مكتبه، يتابع ارتشاف سيجاره ببرودٍ قاتل.
ابتلعت ريقها الجاف، وهمست بخفوت
_آآ... إنت عايز مني إيه؟
دعس سيجاره بالطبق الذهبي من أمامه، ورفع بصره ببطءٍ لها، ثم قال بسخرية مخيفة
_أخوكِ عارف إنتِ فين يا شاطرة، ولا خارجة من وراه؟
ارتعبت من أن يصل له الأمر، فأسرعت تهتف ببكاء
_لا ميعرفش، ولا أنا أعرف إن الكافيه تبعكم والله.
واستطردت برجاء لعلمها أنه أكثر رأفة ولينا عن ذلك الشيطان الملعون
_خليني أمشي من فضلك، مش عايزة أعمل مشاكل لتيام.
عاد بظهره للخلف مجددًا وقال باستهزاء
_لو نزلتي تحت دلوقتي هيحصله مشاكل فعلًا.
انزوت على ذاتها تبكي بصوت مسموع، كالطفلة التي أخبرها أبوها بأنه لن يسمح لها بالخروج من المنزل.
ضم كِنان مقدمة أنفه بانزعاجٍ اتبع صوته الحازم
_ماليش في شغل الاطفال ده، ولا دلع الحريم المايع.
خشيت من تعصبه، وكممت فمها قدر المستطاع، بينما يطالعها بضيق وانفعال أرعبها مما قد يفعله بها هو الآخر.
سحب كِنان هاتفه بعصبية، حرر زر الاتصال وألقى الهاتف على سطح المكتب بقوة أفزعتها، ثم سحب كأسه يرتشفه ببرود وقبل أن يجيب المتصل بمشاكسته المعتادة قال بنفس النبرة الباردة الحازمة
_زغلولة الكناريا بتاعتك مشرفانا الافتتاح، وهارون تحت وشوية وطالع، لو حابب تيجي تحتفل معانا!
أتاه صوته المنصدم
_مين! تالا؟!!!!
فور أن استمعت صوته أحاطتها دائرة من الاطمئنان، فأسرعت ركضًا صوب المكتب، تناديه بخوف
_نوح!
اندهش بشدة، وراح يردد
_تالا!! إنتِ بتعملي إيه عندك؟!! إيه اللي وداكِ هنااااك؟!
مسحت دموعها وأسرعت بالحديث متوسلة له
_والله مكنت أعرف، بالله عليك تعالى خرجني من هنا، أنا خايفة!
لبى دعوتها وقلبه يطير من السعادة
_حالًا هكون عندك متخافيش.
واستطرد بقلق
_خليكِ مكانك، كنان مش هيخليه يشوفك.
اقتبست نظرة إليه عسى أن يؤكد حديث أخيه فتطمئن، ولكنها وجدته يرتشف كأسه ببرود وكأنها غير مرئية أمامه.
عادت للاريكة وعينيها معلقتان على باب المكتب، تنتظر أن يأتي نوح فتسلك سفينة نجاته، لتنجو بروحها مما أقحمت ذاتها فيه!!!
العديد من الملفات الموضوعة قبالته لعدد من الاطباء ذوي الجنسيات العربية، بينما يمضي هو لاختيار المناسب له، وفجأة انجذبت رماديتاه لصورة احداهن، فتحركت يده إليها تلقائيًا، وعينيه لا تفارق صورتها، وكأنه أصاب بمس شيطاني،
_قدس!
............ يتبع......
الاقوى_قادم ..
آشباح_المخابرات..
آية_محمد_رفعت.