قصه قصيره

لمحة نيوز

كنت أتعافى في المستشفى بعد حادث سيارة عندما جاءت حماتي لتزورني ومعها ابن زوجي الصغير. سلمني عصير برتقال وهمس لي
ست جدتك قالت إنك لو شربتي ده هتنامي للأبد وبعد كده بابا هيجيب ماما البيت.
أما حماتي فتصرفت وكأنها مش شايفة حاجة وده كان أكتر حاجة خافتني.
الألم ليس مجرد إحساس بل هو جغرافيا. خلال الأيام الثلاثة الماضية كنت أعيش في بلد يدعى العذاب منظر طبيعي تحدده ساقي اليسرى المكسورة وثلاثة أضلاع متكسرة تجعل كل نفس أخذه مفاوضة حادة وهشة مع جسدي. غرفة المستشفى كانت عالمي كلهصندوق أبيض معقم تفوح منه رائحة المطهر والكلور وعطر زهور النجمة المتسلقة القوي والمزعج. كانت الرائحة كثيفة لدرجة شعرت فيها وكأنني أتنفس المخمل.
كانت مارثا حماتي هي التي أحضرتهم. طبعا هي اللي عملت كده. زهور الزنبق كانت زهور الجنازات بشرى جميلة وعطرة للموت.
كنت مستندة على كومة من الوسائد الصارمة أشعر بالثقل الخانق لحركتي المحدودة. حادث السيارة على الطريق السريع I95 تم تصنيفه رسميا في تقرير الشرطة كمأساة. فقدان مفاجئ وكارثي للفرامل على منحنى غادر. تذكرت دواسة الفرامل وهي تضرب الأرض بصوت مريع عديم الفائدة وانعدام الاحتكاك المرعب ثم العالم يدور أمامي إلى فسيفساء من الزجاج المتحطم والمعدن الملتوي والصارخ.
ارتاحي يا عزيزتي. لازم ترتاحي فعلا همست مارثا الآن بصوت مملوء بحلاوة مزيفة تجعل أسناني تتألم. كانت ترفرف فوق سريري ويديها المثالية المصففة تهتم بالبطانية ترفعها أعلى صدري. لم تكن تحاول راحتي بل كانت تثبتني في مكاني كفراشة على لوح.
فين ديفيد همست حنجرتي جافة ومتعبة من عدم الاستخدام.
هو بس بيركن العربية يا إيلينا. انت عارفة قد إيه هو قلقان عليكي. مارثا لم تنظر إلي وهي تتكلم. كانت عيناها تتنقلان في الممر تفحصان مكتب

الممرضات بتركيز غريب ومتوتر. بدت كأنها امرأة تنتظر وصول شيء أو ربما تنفيذ حكم. بس شوفي مين جبتلك يفرحك. ليو الصغير اشتاق لمامي بدوته جدا.
ابتعدت جانبا كاشفة عن الصبي ذو الخمس سنوات واقفا بتردد عند الباب. ليو ابن ديفيد من زواجه الأول المضطرب بدا أصغر وأكثر هشاشة من المعتاد. كان يرتدي أجمل ملابسهقميص منسدل ومكوي يبدو غير مريح للغايةوكان ممسكا بكوب بلاستيكي أزرق بإحكام أبيض.
هاي يا إيلينا همس ليو وعيناه الكبيرتان المظلمتان مملوءتان برعب يبدو عميقا جدا بالنسبة لطفل. نظر إلى مارثا وجسده الصغير متوتر يبحث عن إذن ليتواجد في نفس المكان معها.
يلا يا ليو حثته مارثا صوتها هبط بدرجة وفقد حلاوته المبتذلة. كان أمرا صارما وجافا كالحجر. اديها الكوب ليها. زي ما اتدربنا.
اقترب ليو من السرير خطواته صغيرة ومترددة. الكوب كان مليئا بسائل برتقالي صارخ. عصير. سال لعابي تلقائيا كانت الحقن الوريدية في المستشفى تحافظ على رطوبتي لكنني كنت أتوق لشيء حقيقي شيء حلو شيء يذكرني بعالم خارج هذا الصندوق المعقم.
عملتهولك أنا قال ليو صوته يرتعش تقريبا بلا سيطرة. أمسك الكوب بكلتا يديه كخادم صغير يقدم قربانا على مذبح غريب ومرعب.
ثم ظهر ديفيد عند الباب. لم يدخل. وقف مستندا على الإطار وجهه شاحب وشمعي وعرق يتلألأ على شفته العليا رغم برودة الغرفة. نظر إلي لحظة قصيرة ثم أزاح عينيه بسرعة وركز بنظرة مصطنعة على البلاط. كان يهتز بطاقة عصبية ينظر لساعته ثم لهاتفه ثم لساعته مرة أخرى.
ديفيد سألت بصوت يكاد يكون مجرد خربشة.
ارتجف كأنني صرخت. خدي العصير بس يا إيلينا. هتحسي أحسن. الفيتامينات صوته تلاشى في تمتمة بائسة.
شعرت فجأة أن الغرفة ضاقت والجدران تقترب مني. المكيف يهمهم بصوت منخفض وموحد لكن الجو خانق ثقيل بتوتر لا أستطيع
تسميته لكن أشعر به على بشرتي. مدت يدي غير المصابة ولمست يد ليو الصغيرة الباردة كالثلج.
شكرا يا ليو قلت بصوت كان أرق مما قصدت وأنا آخذ الكوب منه.
أطلقت مارثا نفسا طويلا وبطيئا كأنها كانت تحبسه منذ زمن. ابتسمت ابتسامة مشدودة مشوهة محاكاة بائسة لابتسامة حقيقية لم تلامس عينيها الباردتين الحاسبتين. كانت يداها ترتجفان بارتجاف الشيخوخة الهادئ بل بنبض واضح خشن يشبه دقات الأدرينالين.
رفعت الكوب.
لامست حافة البلاستيك شفتي الجافتين المتشققتين. ضربتني الرائحة أولالم تكن رائحة البرتقال الطازج الحامض المألوف بل شيء آخر. شيء تحت الحمضيات تيار خفي غامق. مرارة كيميائية خفيفة تشبه الأسبرين المطحون أو رائحة اللوز الحادة اللاذعة.
ترددت.
جرس إنذار بدائي عميق بدأ يصرخ في أعماق عقلي.
رأى ليو ترددي فاقترب أكثر ويداه الصغيرتان تمسكان بحاجز السرير المعدني وهو يتسلق عليه. نظر إلى الكوب ثم إلي مزيج غريب من الخوف والحماس الطفولي على وجهه. ثم انفرجت شفاهه عن ضحكة صغيرة سريةضحكة الأطفال حين يحملون سرا كبيرا جدا عليهم.
اقترب حتى صارت شفاهه على بعد سنتيمترات من أذني ورائحة أنفاسه خليط من اللبن الدافئ وبراءة الطفولة الصافية.
تيتا قالت لازم تشربي كله همس بالكاد يسمع وسط طنين الأجهزة.
قالت لو شربتي ده هتنامي على طول. وساعتها بابا هيجيب مامي الحقيقة.
لم يتوقف الزمن بل تحطم إلى شظايا حادة.
الكلمات ظلت معلقة في الهواء ثقيلة مطلقة وبشعة.
هتنامي على طول.
بابا هيجيب مامي.
دق قلبي بعنف على أضلاعي المكسورة كطائر محبوس ونسيت ألم إصابتي لأنني واجهت ألما أبرد أعمق أشد رعبا. عقلي المثقل بالمسكنات اشتعل فجأة بوضوح مرعب يربط نقاطا لم أكن أعلم بوجودها.
فشل الفرامل الغامض.
برود ديفيد المفاجئ.
إصرار مارثا الملح على إدارة
شؤوننا المالية وأنا طريحة الفراش.
الحادث لم يكن حادثا.
وغرفة المستشفى لم تكن ملاذا بل غرفة قتل.
ومنفذو الإعدام عائلتي.
تجمدت. الكوب يرتعش في يدي.
غرائزي تصرخ أن أرميه أن أصرخ أن أستدعي الممرضة.
لكن عقلي الأبردذلك المدرب لسنوات كمحاميةهو الذي سيطر.
لو صرخت سيقولون إنني أهذي بسبب الأدوية.
لو رميت العصير سيزول الدليل مع أول ممسحة.
كان يجب أن أكون أذكى.
أهدأ.
أخطر.
رفعت عيني مظهرة سذاجة مصطنعة بعناية.
كانت مارثا عند النافذة الآن ظهرها نحوي تصدر ضوضاء مبالغا فيها وهي تعبث بالستائر شفراتها البلاستيكية تحدث طقطقة عاليةصوتا مفتعلا لتغطية صمتي المحتمل لحظة موتي.
لم تكن تنظر.
لم تستطع.
هي تريد النتيجة لا الفعل.
أما ديفيد فكان لا يزال عند الباب لكنه استدار تماما يتظاهر بالانشغال بخريطة مخرج الحريق.
جبان حتى نخاع العظم.
هما يمنحاني الخصوصية لأموت.
انحنيت قليلا نحو ليو وابتسمت ابتسامة شعرت بها كقناع يتشقق
آه هي قالت كده همست له بنبرة ثابتة رغم الرعب الذي يخنقني.
خفضت الكوب ببطء متعمدة.
ليو نظر إلي باستغراب حاجباه الصغيران منقبضان.
لم يكن يفهم لم يكن إلا أداة. طفل مستغل يحمل سلاحا دون أن يعرف.
من عند النافذة نادت مارثا بصوت متوتر
طعمها كويس يا حبيبتي فيتامين سي مهم جدا للشفا انتي عارفة.
لذيذة يا مارثا كذبت وأنا لا أتعرف على صوتي. حامضة قوي.
جالت عيناي في الغرفة بجنون. كانت الطاولة المجاورة للسرير تعج ببطاقات مع السلامة وتلك المزهرية البشعة المليئة بالزنابق. كانت المزهرية معتمة خزفية زرقاء كالكوبالت ومملوءة بماء راكد وعكر. خطرت لي فكرة يائسة وخطرة.
تحركت بسرعة أطلقت شرارة من البرق الأبيض الساخن عبر ساقي المكسورة. وفي حركة واحدة مؤلمة لكن حاسمة قلبت كوب العصير فوق فوهة المزهرية. اختفى
السائل البرتقالي الصارخ بصمت وبسرعة داخل الماء الداكنسر يبتلع
 

تم نسخ الرابط