اشباح المخابرات الفصل 4و5و6حصري
المحتويات
يوليها ظهره، ولكنها في ذات الوقت كانت ترى كل جزء من الجناح بمهارة اكتسبتها من العمل داخل الجهاز، قد تبدو نظرتها نظرة
طبيعية صوبه، ولكنها لم تكن تراه بالفعل، تود استكشاف موضع تلك الألة المتحكمة بالجناح بالكامل.
حافظت على صمتها، ومازالت تقف بمنتصف الردهة الطويلة، بينما ينتظر هو أن تخطو تجاهه متلهفة لعلاج شخصٍ هامٍ مثله، ومثلما اعتاد من الاطباء.
ارتشف عثمان من كوب العصير، ومازال ينتظر أن يعكس زجاج الشرفة انعكاسها، وحينما لم يجد لها صوتًا أو رؤية حرك المقعد باشارة يده فلف صوبها مباشرة!
مجرد تحرك المقعد بتلك الطريقة سبب لها دهشة مريبة، لأول مرة ترى مقعدا متحركا بهذا الشكل وبطريقة العمل العجيبة تلك، حتى سرعته بالاستدارة جعلتها تهتز من فرط الغرابة.
اقتبست نظرة دقيقة إليه، بدا أنه بالخامسة والثلاثون من عمره، ملامح وجهه قاسية بشكل مرعب، رغم أنه جذاب بدرجة كبيرة، عينيه رمادية اللون وشعره الاسود القصير يمشطه للخلف بثبات يقتبس من قوة شخصيته.
راقب عثمان تلك الفتاة بامعانٍ، بدت من بذلتها النسائية السوداء أنها ذات جسدٍ هزيلٍ، عساه لا يعلم ما تستطع تلك الهزيلة فعله!
يطول الصمت والسكون بهما، كأن المشهد سقطت عنه الكاميرات، وبات كل شيءٍ ساكنًا، حتى مزق الجلباب الصامت بصوته القوي
_هتفضلي واقفة في مكانك كتير!
كادت أن تستعمل قوة شخصيتها، ولكنها ستزرع فيه جمام الشك منذ الوهلة الاولى، فاذا بها تطول كتفيها بينما تهتف بتوتر مصطنع
_بحاول أتأقلم على كل اللي بيحصل ده.
نجحت باستمالة فضوله حول مقولتها، فسألها
_وإيه اللي بيحصل!
رنت صوبه خطوتين قائلة
_دي حكاية لفة وغريبة أوي، بس تقدر تقول إن الحاجة الطبيعية اللي فيها إنت!
ضيق عينيه الرمادية بذهولٍ من حديثها الغير مفهوم، فرنت نحوه بقوة، ومن ثم وضعت الحقيبة التي تحملها على الاريكة المقابلة منه، وجلست تفتح سحابها، وهي تخبره بسلاسة ودون أن تتطلع إليه
_يعني لسه واصلة المستشفى من 48 ساعة، يدوب نازلة أول يوم قالولي المدير عايزك، طبعًا أنا خوفت جدًا بالرغم من اني واثقة إني ملحقتش أعمل أي مصيبة ولا حتى سنحت ليا الفرصة أقولهم سلام عليكم حتى.
وتابعت وهي تعقم يدها أمامه، وترتدي القفازات بتمهلٍ
_دخلت للمدير لاقيته شكله مريب فعرفت إن دعوة ماما اتحققت بس بالعكس، وخصوصًا لما قالي اني هعالج شخصية مهمة جدا في ايطاليا، أنا عارفة إني دكتورة شاطرة جدا بس مش لدرجة إني اتشقط من المستشفى في أول يوم!!
لم يرمش له جفنًا وهو يتابع تلك الفتاة العجيبة، بينما تتابع هي وهي تحضر أدواتها
_بس المريح في الأمر إنك عربي، مع إن ملامحك مدياني إحساس إنك مش عربي خالص.
ضيق رماديتاه بحدة، وأجزم أنها غير سهلة بالمرةٍ، تريد الايقاع به لمعرفة جنسيته من اللقاء الأول فماذا بعد؟
استقامت قدس من محلها، واتجهت صوبه، تنحني على ركبتها أمامه لتتفحص ساقه، فاذا به يرفع كفه باشارة جعلت المقعد يرده للخلف عن محلها، فتطلعت له باستغرابٍ بينما يردد بثبات
_أنا لسه مسمحتش بده.
تركت الجهاز الصغير الذي تحمله، وقالت بسخرية
_أمال أنا هنا ليه؟!
بقوة تليق بنظراته الصارمة قال
_طلوعك هنا الجناح عشان تعرفي تعليمات وقواعد القصر، لكن بدايتك لعلاجي بالتوقيت اللي أشوفه مناسب.
اصطكت أسنانها ببعضها البعض، وكل ما تستمع له صوتها الداخلي الذي يأمرها بأن تسحب المشرط الموضوع بحقيبتها الطبية وتنال من رقبة ذلك الوغد المتعجرف، ولكنها تُهدِّئُ ذاتها وتضع مهمتها الاساسية أمامها هدفًا تسعى له.
نزعت عنها القفازات، ونصبت عودها بشموخٍ، بينما تتساءل بصوتٍ هادئ، ونظرات غير مبالية به
_وإيه تعليمات معاليك؟
لمس بنبرتها السخرية، يعهد من نظرات عينيها أن تلك المرأة تملك قوة خفية، لا تبدو على ملامحها الهادئة وجسدها الهزيل، فقال بفظاظةٍ
_بقائك هنا هيطول، عشان كده محتاجة تعرفي تعليمات وقواعد القصر، وأولها إنك ممنوع تسيبي الملحق وتدخلي القصر بدون أذن رسمي مني أنا شخصيًا، ثانيًا مهما حصل جوه حدود القصر ده فأنتِ صماء مبتسمعيش وعامية كمان بتشوفيش.
ربعت يديها قبالته، وألحقت بنظرة ساخرة
_وإيه كمان؟
نظراته الحادة وقوله الصارم كان كالسيف الذي صدر أمره بقطع رقبة إحدهم
_كل خطوة ليكِ هتكون بحدود أنا رسمهالك، ومش مسموحلك تخرجي براها.
حلت عقدة ذراعيها وقالت باستهزاءٍ
_مش حابب تحددلي مواعيد أكلي وشربي كمان!
واستدارت تغلق حقيبتها، ثم استعدت للرحيل قائلة بمكر ودهاء
_خليهم يجيبولي شنطي، أنا مش موافقة على شروطك شوف دكتور تاني ترسم عليه حدود وقيود وتعليمات، أنا مش هكمل!
مضت قدس بطريقها للخروج، وما رسمته وحسبته أتاها حينما قال
_الخروج مش بسهولة الدخول لهنا.
توقفت ولفت بجسدها إليه تهتف باستنكارٍ
_ليه حبسني في معتقل!
حلت تكشيرة وجهه الغامض، وقال بثقةٍ
_لا، بس أعتقد انك مش بالغباء اللي يخليكِ ترفضي مليون يورو.
بالرغم من أن المال لا يعنيها، ولكنها برزت في مُقلتيها نظرة أوحت له بأن المال قد راق لها، ورددت باتقانٍ لدورها
_مليون يورو!
استند على ذراعيه التي تعانق بعضها، وبصرامة هتف
_ماتيو!
اتجه بصرها إلى باب الجناح ظنًا من أن الخادم سيدخل لها، وحينما وجدت الباب مازال مُغلقًا، استدارت إليه مجددًا، فصعقت وانتفضت للخلف بفزعٍ، حينما رأت أمامها إنسانا أليا ضخم الجسد، باللون الأسود، يرفع صوبها حقيبة بها مبلغا ضخما من المال، وهو يهتف بحروف سريعة محال أن يتمكن من النطق بها أي آلي
_تفضلي سيدتي.
تراجعت للخلف بخوفٍ، وهي تتفقد ذلك الذي يتابعها ببسمةٍ تشفي، بينما يردد ببرود
_إيه يا دكتورة، مش معقول شجاعتك اتبخرت لمجرد إنك قابلتي ماتيو!
ابتلعت ريقها بصعوبة، وبصعوبة سلخت نظراتها عنه وتطلعت إليه، فقال
_ده نص المبلغ، والنص التاني هتاخديه وبزيادة لو قدرتي فعلًا تعالجيني.
ورفع يده يقبضها، فاذا بالمقعد يستدير ويتحرك صوب الشرفة، بينما ينهي هو اللقاء بعنجهيةٍ
_لما هحتاجلك هبعتلك يا دكتورة!
تطلعت له بغضب واستدارت تحمل الحقيبة التي يحملها الريبوت، ثم اتجهت إلى باب الغرفة حيثما فُتح باشارة منه.
هبطت قدس وعلامات الصدمة تجتاز وجهها بأكمله، على ما يبدو بأن تلك المهمة شبه مستحيلة، مهمة تعجيزية، خرجت للملحق وكل ما تفكر فيه كيف ستخبر الفريق بما رأته داخل الجناح، من تطور خطير ومرعب لا ينذر بخيرٍ قادم بالمرة!
تابع العمل لساعة كاملة، يحاول بها
_زين!
أغلق عينيه بقوةٍ، ومال لمقدمة السرير من خلفه، يهتف بحبٍ
_الرأفة بقلب زين اللي عشق رقة صوتك وغرقان في حبك.
علم بأنها ستبوخه مثل كل مرةٍ، ولكنه تفاجأ بها تقول
_إنت مش هتيجي القصر؟ طولت في غيابك المرادي عن كل مرة.
ابتسم بعشقٍ قاتل، وقال
_ده يا بختي لو كنت وحشتك وعايزة تشوفيني.
عادت لطباعها الحازمة
_وبعدين معاك يا زين!
استمعت لضحكة صادرة منه، بينما يقول
_كوكيز قلبي الدايبة في الشوكولا دوب، هتبدأها بالزعل وأنا مصدقت عرفت أكلمك!
حذرته بصرامة جعلته يبتسم بحب
_هضطر أقفل المكالمة وأنا عايزاك في حاجة مهمة ومصدقت بردو إنك كلمتني!
تنهد وهو يهتف بجدية
_طيب أعمل إيه؟ لا إنتِ قابلة نكتب كتابنا ولا حتى عمي! وكمان حطالي قيود بكلامي معاكي أصعب من قيود إبليس توابيت!.
ردت ببسمة رقيقة
_كده أفضل يا سيادة الرائد، المهم مش هشوفك قريب، عايزة آخد رأيك في حاجة تخص شغلي.
رد بخبث
_إنتِ عارفة إني زي الشبح بظهر وبختفي بسرعة البرق، فخليكي منتظرة ظهوري بأي وقت.
زفرت بضيق وقالت
_مهو الموضوع اللي عايزاك فيه مش هيستنى ظهورك فجأة.
خلاص قوليلي دلوقتي وأنا معاكِ وسامعك.
تنهدت بقلقٍ، وفاهت
_خايفة ترفض وتزعلني.
اتسعت بسمته الجذابة، ورد عليها
_ميجيش من قلبي أزعلك يا روحي، أي حاجة هتبسطك هوافق عليها بدون تفكير.
تحمست لجملته، وأسرعت تخبره بحماس
_في بعثة طالعه من المستشفى بتاعتنا وكذه مركز مهمين، نقوا عدد من الدكاترة وأنا من ضمنهم، استأذنت بابي ووافق، ومش فاضل غيرك، أنا حابة أطلع مع زميلاتي يا زين، ممكن توافق بليز!
كبت ضحكة حينما استمع لرجائها الاخير، قُذف إليه عدد من الذكريات التي تخص طفولتهما، تذكر كيف كان يحمل طلبها بنهايته نفس الرجاء وبنفس الصوت الطفولي، تنهد وعشقها يصل به حد النخاع، ثم سألها
_والبعثة دي لفين؟
ردت بلهفة
_إيطاليا.
اعتدل بجلسته وتركيزه يزداد لما تقول
_فين في ايطاليا، واسم المستشفى إيه؟
اجابته باستغراب من طريقته
_معرفش التفاصيل، ومهتمتش اسأل الا لما أخد أذنك الأول.
هدأ قليلًا، ثم قال بامعان
_عمي عرف أنها بايطاليا؟
أكدت له
_آيوه يا زين، ما أنا قايلالك إنه وافق وفاضل إنت، بليز وافق، عشان خاطري.
ارتخت تعابيره المرتبكة، وقال بحب
_خاطرك غالي عليا ومقدرش أكسره، سافري يا مارال بس خدي بالك من نفسك، ولما تعرفي اسم المستشفى والعنوان ابعتيلي على نفس الرقم ده.
ضحكت بسعادة أطربته
_حاضر، ميرسي يا زين، إنت أسعدتني بجد، أنا متحمسة جدًا عشان عدد كبير من المركز التابع لأنكل عمر الجارحي طالع معانا، منهم رحمة، دي بقت صديقتي جدا جداا.
زوى حاجبيه بدهشة
_رحمة مين؟
أجابته باستغراب من عدم علمه
_بنت أنكل عدي!
تذكر أن لرفيقه شقيقة تؤاما له، فقال
_آه فاكرها، المهم تاخدي بالك من نفسك، وخليكِ واثقة إني حواليكِ وجانبك في كل مكان!
حمل الشطيرة التي صنعها والنسكافيه خاصته ثم استدار ليتجه إلى مقاعد الرخامة، فوجد زوجا من العيون الفاتنة ترمقانه بغضبٍ قاتل، كبت ياسين ضحكاته بصعوبة وهو يعلم كل العلم ما يصيبها، ومع ذلك تصنع الهدوء القاتل، وبثبات قال
_صباح الخير عنيدة هانم، تحبي أعملك فطار معايا؟
تجاهلت ما يقول، واقتربت تقف قبالته وجهًا لوجه، لا يفصلهما سوى لوح الرخام الفاصل بينهما، تنحنح مبتسمًا وهو يخطف نظرة للسكاكين الموضوعة بالحامل جوارهما
_أوعي عقلك يتهور وتسحبي سكينه منهم، بالله عيونك قاتلة أكتر منهم!
تخلفت عما قال، وحررت قباع غضبها بقولٍ لفته بمكر
_سيادتك إيه الخطوة الجاية اللي المفروض نعملها بعد ما اتاكدنا إن العاملات مش متورطين بالشغل الشمال إياه، وبعد ما استغلتني عشان تبلغ القادة بالنقطة دي امبارح.
سحب رشفة طويلة من المج الذي يحمله، ومن ثم تطلع لها وهو يجيد صنع الدهشة فجأة
_أنا استغليتك يا ميري!! إيه الكلام العجيب المريب ده!
أدمت شفتيها السفلية بغضب قاتل، وأخفضت بصرها لساعة يده ساخرة منه
_بقولك إيه يا قائد بلاش تتصرف وكأن مفيش حد ذكي في الفريق غيرك، إنت تعمدت تروح الكافيه امبارح وإنت عارف انه بيقفل بالمعاد ده، وقفت ترغي على البار وتعمدت تخليني أعمل مشكلة مع الشخص الوحيد اللي كان موجود هناك في نفس فترة تواجدنا، عشان تقدر تسلم الساعة اللي عليها شفرة المعلومات اللي جمعتها.
أبصرها ببراءة لا تمس له بصلة
_ازاي وساعتي لابسها أهي!
ضيق زُرقتها الفاتنة بسخرية، فضحك وهو يستكمل تناول كوبه، مرددًا
_حاولي تثبتي إننا بدلنا الساعات، مش هتعرفي، أنا ظاهر بالكاميرات وأنا داخل وخارج بيها، شغل مخابرات بقى!
تغاضت عن تلك المشاجرة الخاسرة أمامه، وتساءلت وهي تكبت غضبها بتحكمٍ
_إيه الخطوة اللي المفروض أخدها دلوقتي يا سيادة القائد.
راق له ما تحاول فعله لتتفاداه، فسحب الكوب، يرتشف منه وهو يتطلع لها بثبات ورثه بجدارة عن الدنجوان، ثم نطق بحروف ثقيلة عليه
_هتنزلي تقدمي في الوظيفة.
ورفع الساعة يتفحص الوقت بضيق ملحوظ
_هتكوني هناك بعد ساعة تقريبًا، يدوب تستعدي.
احتلتها ابتسامة حماس لما هو قادم، فتركته وصعدت للاعلى بصمت، جعله يتابعها والقلق عليها يساوره رغمًا عن أنفه، فاذا به ينتبه ل زين الذي يرنو إليه وهو يضع الحاسوب على الرخام ويهتف بارهاقٍ
_عايز قهوة يا جارحي.
سدد له نظرة حارقة، وصاح
_خدامك سعاتك أنا!
أجابه وهو يعيد فتح حاسوبه
_ما أنت عارف أمور المطبخ دي ماليش فيها، ومكنش عندي فرصة أتعلم حاجة أصلًا، زائد رحيم زيدان مكنش سايبلي فرصة اعمل حاجة في حياتي غير التدريبات والاسلحة، والله أعلم لو كان قفشني في المطبخ بعد كل التمارين دي كان هيعمل معايا إيه!
نهض يتحرك صوب النيران، يعد له ما طلب، فاذا به يقول بحماس
_يبقى كرم منك لو عملتي مع القهوة بيض بالبسطرمة وياريت تكترلي الشطة.
استدار يرمقه بغضب، فتابع زين وهو يدعي الحزن
_أعملك إيه نفسك في الأكل بيفكرني بأمي، وهي وحشتني فوق ما تتخيل بحاول أعوض فقداني ليها ولأكلها بيك!
وأضاف بحنق مضحك
_مشوفتش أمي بقالي سنة ونص إيه برودة المشاعر اللي بقت عندك دي يا جارحي!
وتابع وهو يشير على الثلاجة الضخمة المجاورة له
_خدلك لفة كده يمكن تلاقي جلاش أو رقاق تعملهولي باللحمة تبقى
اقترب منه ياسين بغضب، وطرق الرخام بقوة أفزعت زين حتى كاد بالسقوط عن المقعد
_هسيب المهمة باللي فيها وهبقى طباخ جنابك أنا، إنت صاحي تهرج على الصبح ولا إيه!!
سحب الحاسوب إليه بعدما شمله بنفور
_خلاص مش عايز حاجة، نفسي اتسدت!
ضم ياسين شفتيه بضيق، فعاد يستكمل صنع كوب القهوة، وفجأة سحب المقلاة وشرع بصنع البيض مثلما طلب والآخر يراقبه بطرف عينيه بابتسامة ماكرة، وكأنه يعلم بأنه لن يهون على رفيقه.
عاد ياسين يضع من أمامه فنجان القهوة، والمقلاة ومد له طبق الخبز، طرق زين بيديه وشرع بتناول طعامه وهو يهتف بسعادة
_هو ده الكلام، كده نشتغل بضمير.
أغلق عينيه بتلذذ مع أول لقمة تناولها وهو يغني باشادة
_الله عليك يا حبيب والديك.
تبسم رغما عنه، وعاد إلى مقعده يرتشف الكوب بينما تحوم عينيه إلى باب غرفتها العلوي، متسائلًا
_وصلت لحاجة من مراقبتك ليه؟
أجابه زين وهو يتناول طعامه
_لا، بس حاسس إن الشخص ده وراه كوارث، وزي ما أنت عارف أنا مستني أي مدخل ليه.
هز ياسين رأسه بتفهمٍ، فتساءل زين هو الآخر
_وإنت وصلت لحاجة؟
أجابه ومازال بصره يراقب الطابق العلوي
_اتاكدنا إن العاملات مالهمش علاقة بأعمالهم المشبوهة دي، لذا مرين هتتحرك على طول.
توقف عن مضغ الطعام، وقال بجدية تامة
_بالسرعة دي؟
تطلع له ياسين، وقال
_مفيش وقت يا زين، كل ما اتحركنا بسرعة يكون أفضل لينا.
وأضاف وهو يسحب شيئًا من جيب سترة الترينج الرياضي الذي يرتديه
_إنت عارف إنك لازم تعمل ده قبل ما هي تطلع من هنا.
راقب ما يقربه منه، وعاد يستكمل طعامه قائلًا
_إنسى يا حبيبي، أنا مزاجي رايق النهاردة ومش هعكره مع مروان اشطا، أنا بتنازلك عن المهمة دي بصدر رحب.
تابعه بدهشة لسرعة انسحابه، وقال مستنكرًا فعلته
_بس إنت ايدك أخف مني بكتير.
نصب كتفيه بغرورٍ وهو يقول
_طبعًا مش أستاذ الحركة دي يبقى أبويا، لازم ايدي تبقى أخف وأسرع.
سدد له نظرة قاتلة، فتنهد زين وقال وهو يبعد المقلاة عنه
_عشان أعمل كده لازم أقف أرغي معاها، وهي مش بتديني فرصة لده أصلًا، إنت الوحيد اللي بتنجح تستفزها بكلامك فبتقف تحاربك وتجاريك بالردود المستفزة بتاعتك وبتاعتها، إنت اللي هتقدر تعمل كده.
وسحب فنجان قهوته يرتشفه بتلذذٍ وهو يشير للدرج
_استعن بالله وتوكل عليه.
زم ياسين شفتيه وهو يعود ليرفع بصره نحو الاعلى، فاذا به يسحب ما تبقى بالكوب رشفة واحدة، ثم تركه على الرخامة بقوة، ونهض يتجه للاعلى، وزين يتابعه بضحكة ساخرة، وتمتم
_عندك حق، دي عايزة قوة خارقة عشان تقنعها باللي هتعمله، ربنا معاك!!
صعد ياسين الدرج للاعلى، وقبل أن يطرق بابها، وجدها تفتح الباب وتندفع للخارج، تفاجأت مرين به، زوت حاجبيها باستغراب، بينما هو يتطلع لها مشدوهًا.
كانت ترتدي فستانا من اللون الاسود، يصل لبعد ركبتها، وترتدي حذاءا من البوت النسائي أخفى المتبقي من ساقيها تمامًا، ما لها تزداد فتنة كل يومٍ عما يسبقه!
تنحنح بخشونة، وقال مستحضرًا ثباته الهادر
_هتتحركي دلوقتي؟
هزت رأسها وهي ترتدي الحقيبة، فابتسم وسألها وهو يشير على ما ترتديه
_الفستان ده مُلَغَّم ولا نضيف؟
اتسعت ابتسامة لها رغمًا عنها، وقالت بخبث
_يعني كنت معاك وكان مُلَغَّم بكمية الاسلحة اللي خدتها مني، تفتكر وأنا رايحة أقابل هارون التميمي هيكون نضيف مثلًا؟
هز رأسه ضاحكًا، وحك منخاره
_كده اتطمنت عليكي!
عدلت الحقيبة، وما كادت بالتحرك للاسفل، حتى سحب السجادة من أسفل قداميها بمهارة وسرعة دون أن تنتبه لها، فكادت بالسقوط على الدرج، فاذا به يقبض على ذراعها وبالآخر دس بها القلم الذي يشبه الإبرة الطبية بها، ثم جذبها عن الدرج بسرعةٍ فائقة، جعلتها تطالعه بصدمة وعدم استيعاب لما فعله.
رفعت معصمها تتفحص موضع الألم الغامض الذي احتلها، وعينيها تتوزع بين يدها وإليه، مرددة بدهشةٍ
_إنت عملت إيه؟
رفع كفيه الفارغ مما كان يمسك به منذ قليلٍ، وببراءة قال
_ولا حاجة، كنتِ هتقعي فمسكتك!
دققت النظر بيدها مجددًا، وصاحت بغضبٍ بما شكت به
_عملت إيه يا ياسين؟!
ارتسمت بسمة خبيثة على وجهه، وعاد يكرر ما قاله بالاسفل لها
_التهمة الخطيرة اللي في عيونك دي مينفعش تتأخد ضدي بدون دليل، هل معاكِ اثبات إني زرعتلك جهاز تعقب؟ طول مفيش دليل يبقى مفيش تهمة.
كزت أسنانها بغضب ساحق، فتحررت ابتسامته الماكرة، بينما يهبط للاسفل، لحقت به وانتزعت الحقيبة تقذفها إليه، فاستدار يتلقفها دون أن يرى ما كانت تنتوي فعله!!!
زفر زين بارهاق مما يحدث بينهما، وعاد يتمعن بحاسوبه وهو يرتشف القهوة غير عابئٍ بهما، بينما تصرخ الاخيرة بجنون
_إنت مالكش الحق إنك تعمل معايا كده بدون إذني! وبعدين بأي حق تحطلي جهاز تعقب!
جلس على مقعده وهو يقول ببرود
_بحق إن والدك سلمك عهدة في رقبتي، فيأكون أد المسؤولية دي من أولها يا اعتذر ليه وأقوله آسف أنا مش قدها.
وأضاف بصرامة قاطعه
_عمومًا احنا فيها، لو عايزاني أوقفه هعملها حالًا بس وقتها هيكون معاكِ أمر مباشر مني بالانسحاب الفوري، ليكِ حرية الاختيار.
اشتعلت عاصفتها القاتلة وهي تتطلع له، بينما يتجاهلها قدر المُستطاع، فرمقت ابن عمها بنظرة غاضبة وقالت
_زين إنت ساكت ليه؟
تنهد زين بضيق من غضبها الغير مُبرر، وقال
_ساكت عشان اللي هقوله هيزعلك، أنا عايز أفهم إنتِ كل حاجة دايمًا معترضة عليها كده!!
وأضاف وهو يستدير بجسده إليها
_ما أنا عملت نفس الشيء مع قدس، وزرعت نفس الجهاز ليها، معترضتش ليه؟! سيادتك إنتِ خارجه من هنا وداخله وكر الشياطين برجليكِ وهتفضلي فيه لفترة طويلة، فلو لقدر الله حصلك حاجة المفروض نعمل إيه؟؟
صرخت أمامه بغضب يفوق غضبه
_على الأقل يقولي وآ..
قاطعها زين بانفعال
_وكنتِ هتوافقي يعني، إنت اتخلقتي عشان تعاندي وترفضي كل شيء في الدنيا، يا ريت تسيبك من لعب العيال ده وتقدري حجم الخطر اللي احنا داخلين عليه.
وقبل أن تجادله، صاح بنفاذ صبر
_ أنا معدنيش خلق لمشاكلك وجنانك ده سامعة!!
أمسك ياسين يده يدفعه بخفة، وهو يهتف بضيق من صياحه المفاجئ
_مالك في إيه؟ أعصابك فلتت منك على الصبح، هدي شوية الحوار مش مستاهل!
استدار يتطلع له باسترابة وفاه
_دي حد يشوفها وأعصابه متفلتش!
واستكمل وهو يسحب حاسوبه
_أنا داخل أكمل شغلي جوه أفضل ليا وليها.
وتركهما وأنسحب، بينما تراقبه مرين وهو يتخفى من أمامها
_ها اختارتي إيه؟
استدارت إليه بغيظٍ وهمست بحقد
_على الاساس إنك مديني حرية الاختيار!
وتركته واتجهت تستعد للرحيل، فرنا خلفها يناديها
_مرين.
وقفت محلها ومازالت بشرتها تلتهب من شعلة غضبها، لحق بها حتى وقف قبالتها، وقال بقلق شعرت به
_خدي بالك من نفسك، الكلب ده مش سهل.
لانت تعابيرها رغمًا عنها، يكفيها أنه منع عنها غضب زين ولم يقبل بأن يزعجها أكثر من ذلك، فاذا بها تقول في رقةٍ
_متقلقش أنا عارفه هتعامل إزاي.
هز رأسه ودعمها بقوله
_واثق فيكِ وعارف إنك قدها.
اندهشت من جملته، فسحبت ارتباكها وتوترها وغادرت من أمامه، بينما ظل هو محله يراقبها وهو يعلم بأن القلق والخوف سيكونان مصيره حتى ينتهون من تلك المهمة.
كادت أن تسقط أرضًا من هول ما رأت، تحمل بين يديها هلاكها، لا تصدق أن و بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذتها منذ زواجها منه إلا إنها وبالنهاية حملت منه!
تحركت بصعوبة إلى الخارج، وعينيها مُسلطة على اختبار الحمل المنزلي الذي تحمله بين يديها، حتى وصلت لحافة فراشها، فألقت بثقل جسدها من فوقه، لدرجة رُج جسدها من شدة سقوطها.
دموعها تتهاوى دون توقف، بينما تكبت بيدها صرخات تنازع أن تتحرر من داخلها، ورأسها يهتز بعنف رافضة هذا المصير المأساوي، حدوث ذلك رغم اتخاذ كل الاحترازات جعل عقلها لا يستوعب ذلك، وإن كان زوجها بمثل هذا الجنون الشيطاني كيف سيكون جنينها!
حررت رحيق كفها بضعف، ومعه تتحرر صرخة تحررت بانكسارٍ، حتى ودت لو أنها تُلقي بذاتها من الشرفة لتتخلص مما تحمله ومن حياتها برمتها.
رفعت ساقيها عن أرضية الغرفة الباردة، وزحفت للخلف تضم ركبتيها، بينما تتساقط دموعها دون توقف، وإذ فجأة يُرسم من أمامها ذكرى أشد ألمًا مما هي به!
وصلت السيارة أمام محيط القصر في تمام السادسة مساءًا، هبطت منها رحيق تمنح السائق المال، وتتجه للداخل بخطواتٍ مرتبكة، ولكنها مُرغمة على ذلك، فلقد فاض الكيل بها وهي تحاول أن تعلم ما أصاب تيام فجأة، أصبح يهمل مكالماتها، وآخر مرة تحدث معها كان يبدو أن هناك أمرا ما يزعجه، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان يتحجج ويغلق الهاتف، ويمتنع عن لقائها.
وصلت للقصر الداخلي تقدم ساقًا وتؤخر الآخرى، حتى قابلتها الخادمة. فقالت ببسمة مرتبكة
_أتيت لرؤية تيام أين هو؟
تعجبت الخادمة من سؤالها، ولكنها أجابت
_لا أعلم سيدتي ولكني رأيته يحمل حقيبة سفر، يغادر بها مع السيدة تالا.
زوت حاجبيها بدهشةٍ
_إلى أين؟
كادت الخادمة أن تخبرها بعدم علمها بذلك، ولكن إشارةهارون جعلتها تنسحب دون أن تستكمل حديثها.
التفتت رحيق للخلف، لتبصر ما جعلها تصمت فجأة، فاذا بها ترى هارون أمامها، وهو يدعي استعداده للخروج، وقف يرحب بها ترحابا كان مصطنعًا بشكلٍ تفاجأت به
_إيه النور ده كله، رحيق هانم هنا بنفسها.
لطالما كانت ترتاب منه، تخشاه، نظراته المرعبة، وطريقته معها، ابتلعت رحيق ريقها بتوتر وقالت
_أنا كنت جاية أشوف تيام، وعرفت إنه لسه نازل من شوية، همشي وهبقى أكلمه.
واستدارت على الفور تتهيأ للرحيل، فأوقفها قائلًا
_أنا لسه مكلمه وقالي إنه على الطريق، ارتاحي خمس دقايق وهيكون وصل.
تطلعت صوبه وهي تتمسك بحقيبتها بارتباكٍ، لحق نبرتها المرتبكة
_عشان بس متأخرش، هبقى أكلمه أفضل.
أشار باصرارٍ ونظراته يخفيها وابل شيطاني
_مش هتتأخري ولا حاجة، وهو أكيد يعني هيوصلك بعربيته.
اضطرت أن ترضخ له، فاتجهت للاريكة الذهبية الفخمة، جلست عليها بتوتر، بينما يتجه هو للمقعد المقابل لها، يضع ساقًا فوق الأخرى، ونظراته لا تنحاز عنها.
كانت بأبهى جمالها، ترتدي تنورة سوداء واسعة، ومن فوقها كنزة من الصوف الأبيض، خصلاتها تنحدر من فوقها كالشلال، وعينيها الخضراء وُضع فيها جمال الطبيعة.
فركت أصابعها بارتباكٍ، ومُقلتيها لا تفارقان باب القصر المفتوح على مصرعيه، وكلما رأته يتطلع لها بصمت مطول ازدادت خفقات قلبها قلقًا، شيءٌ ما بداخلها يطالبها بالفرار من هنا.
نصبت قامتها المتوازنة، وقالت بتلعثم
_أنا همشي أحسن، واحدة من العاملات قالتلي إنها شافته نازل بشنطة سفر مع تالا، يمكن نقل في الشقة اللي أخدها جنب المطعم.
وقف قبالتها وقال ينفي
_لا طبعًا تيام عمره ما يسيب القصر، هو نزل يوصل تالا المطار وراجع.
زوت حاجبيها باستغراب
_المطار!!
توسعت عينيه بشكل تعمد به أن يثير فضولها
_إي ده هو إنتِ متعرفيش ولا إيه؟
نجح أن يجعلها تُلقي خوفها، قلقها، ارتباكها منه، لشيءٍ أبعد من ذلك، فاقتربت منه بخطوة مترددة
_أعرف إيه؟!!
ضم شفتيه بخبثٍ
_الظاهر إن تيام كان مخبي عليكِ.
مس وترا حساسا بينهما، بالفعل كانت تشك أنه يُخفي أمرًا ما، وكلما حاولت أن تعلم ما به كان ينسحب، رنت إليه تسأله بلهفة
_مخبي عليا إيه؟ من فضلك إتكلم!
عاد يحتل مقعده بجلسته العنجهية، وهو يضع ساقه فوق الأخرى
_آسف مش هقدر، طالما تيام أخفى عليكِ الأمر مقدرش أصرحلك أنا بيه، بس اللي أقدر أقولهولك إنه بيمر بظرف صعب ومحتاجلك جنبه.
كاد عقلها أن ينسلخ من رأسها، فترجته بتوسل
_أنا مش فاهمه حاجة، بس حاسة فعلًا إنه مش بخير، من فضلك يا هارون صارحني وأنا أوعدك إني هتفهم اللي هتقوله مهما كان.
رفع سوداوية عينيه لها وهو يدعي براءته، وأشار للخادمة التي تقترب منهما
_طيب اهدي اهدي، هحكيلك، بس الاول اشربي العصير ده عشان تقدري تسمعيني وإنتي هادية.
تغاضت عما تقدمه لها الخادمة، وفاهت
_مش عايزة، أنا هادية صدقني، قولي بس!
أصر بإشارته للكوب
_مش هتكلم إلا لما تشربي وتهدي.
اضطرت على مضضٍ أن ترتشف بضعة قطرات من الكوب، ثم أعادته على الصينية التي حملتها الخادمة وتطلعت صوب هارون بخوفٍ من أن تكون الكمية التي تناولتها قليلة، فمنحها ابتسامة نبعت بنجاح ما أراد، وما أراد سوى الشر!
ثقل رأسها بشدة، وفجأة مالت على الأريكة، وأغلقت عينيها مستسلمة لدوار حاد أطاح بها في لحظةٍ.
ظهر الوجه الحقيقي للشيطان الذي يتنكر في شكل إنسان، مال يحملها ويصعد بها للأعلى، تاركًا حقيبتها على الأريكة، يعلو بداخلها رنين هاتفها برقم تيام، يحاول الوصول لها بعد أن رأى عدد المكالمات الصادرة منها إليه، ليته عاد عساه أن يتمكن من انقاذ حبٍ كاد أن يفديه بروحه مرارًا.
وضعها هارون على الفراش، ومن ثم إتجه للثلاجة الصغيرة الخاصة بجناحه، جذب منها إبرة رغم أنها باهظة الثمن إلا أنها رخيصة لتضيع شرف نساء عِشن يحافظن على أنفسهن، ومصيرهن أسوء من
رنا إليها بنظراته الحقيرة، يبعد خصلاتها عن وجهها وهو يهتف ببسمة قذرة
_جيتيلي برجليكِ، أنا لسه محذره من شوية قبل ما يسيب القصر، والظاهر إتهاون
متابعة القراءة