اشباح المخابرات الفصل 11
شوبيك لوبيك.
هتفت وهي تتفحص المكونات الذي أحضرها
_تمام بس فين البوتجاز أو النار اللي هنسوي عليها.
أجابها وهو ينزع جاكيته الاسود
_دقايق وهيبقى قدامك أحلى نار للتسوية، قولتلك أنا مفيش حاجة بتقف قدامي!
راقبته وهو يتجه للفأس ويشرع بتقطيع الفروع لصنع الشعلة لها، فبدأت بتحضير المكونات بكل حب، هي تعلم بأنه يحب ما تصنعه بيدها، وهي تعشق صنع ما يتناوله هو بذاتها، كل ما يخصه كانت ترغب هي في صنعه، ومع ذلك مازالت تحتفظ بالحدود والضوابط بينهما، مثلما تربت ومثلما أصبحت!
صُدم حينما رآه يتمدد على الفراش كالجثة الهامدة، ساقه المكسورة ملفوفة ووجهه ممتلئ باللاصقات الطبية، ومازال لا يصدق ما يتفوه به، دار بالغرفة بصمتٍ بينما يقص عليه صفوت ما فعلته مرين المُلقبة بغزل مثلما أخبرته.
انتهى صفوت بما حكى عنه، خاتمًا
_باشا البت دي مش طبيعية، صدقني دي ولا كأنها عشر رجالة في بعض.
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتي هارون، واذ به يتوقف أمام الشرفة وهو يردد بصوتٍ شيطاني
_فعلًا؟
واستدار يحرر طلقة من سلاحه، استهدفت رأسه في نفس لحظة نطقه
_اللي تغلبه واحدة ست ميلزمنيش.
وعاد يتطلع أمامه وهو يهمس بهيامٍ ورغبة مجنونة
_إنتِ شقلبتي كل الموازين، حاسس إني هقع في الحب اللي عمري ما جربته، لا مع قريب ولا غريب!!
ولج من الخارج أحد حراسه، يقترب منه وهو يقول
_جمعنا كل حاجة عنها يا باشا.
منحه الاشارة للحديث، فقال
_البنت دي اتربت في دار للايتام، وبعد كده هربت منها، عاشت فترة مع عيلة صغيرة شغلهم كله شمال، وبعدها انعزلت عنهم تمامًا وبقت بتشتغل وبتعتمد على نفسها، وليها كذة قضية ضدها، أغلبهم بسبب ضربها لشباب!!
بدت السعادة تحاوط هارون، وهو يتأكد كل مرةٍ بأن اختياره صائب، لا يعلم بأنه ابتلع الطعم الذي دبر له باتقانٍ ومهارة لا تليق الا لقادة الفريق.
خرجت تبحث عنه، فولجت إلى جناحه، وجدته يرتدي بذلته ويستعد للخروج، نادته بصوتها الشاحب، وحركة جسدها الهزيل
_كِنان!
انتبه لتعبها الشديد فما كادت أن تسقط من شدة ارهاقها، حتى تفاجئت به يقف جوارها، ارتعش جسدها رعبًا وهي تعود ببصرها نحو محل وقوفه البعيد عن مكانها، كيف انتقل من المرآة إليها بتلك السرعة!!
سحبت كفها من بين يديه، ودفعته عنها ثم رددت بصوتها المبحوح
_أنا غصب عني بخاف منك، كِنان إنت مش طبيعي!!
عاد يحاوطها رغمًا عنها، حتى وضعها بفراشه، جلس قبالتها يتأملها بحيرةٍ، وكأنه لا يعلم ماذا عليه فعله معها؟ يقربها منه أم يبعدها، يبقيها أم يطردها من عالمه.
غلبه قلبه الذي يحمل حبًا عظيمًا لها، فحاوط وجنتيها بيديه، فاذا بها تطالعه بارتباكٍ، وتسأله بصوتها المبحوح
_إنت مين؟
ابتسم باستهزاء على سؤالها الذي سبق لها وسألته، مال يستند برأسه على رأسها وهاتفها بحبٍ
_أنا نفسه الانسان اللي حبيتيه يا روز، أنا هو متغيرتش في حاجة، كل اللي كنت بعمله وبقوله كان بره عني، كنت بحاول أبعدك عني بأي شكل من الاشكال.
وأضاف وهو يبتسم بمشاكسة
_بس انتِ كنتِ صامدة وبتحاربيني بحبك الكبير ليا، كان عندك ثقة إنك جوه قلبي حتى لو أنا بينت عكس ده.
تهاوت دموعها على وجهها، فأغلقت عينيها بتعبٍ، وهمست له
_أنا مبقتش فاهمه ولا عارفة حاجة.
وعادت تتطلع له برجاءٍ
_أنا بقيت حاسة بحاجات كتيرة كلها بتناقض بعض، بقيت بشك إن هارون أخويا، وإنك انت الانسان اللي حبيته، أنا بقيت حتى بشك في نفسي يا كِنان!
انهارت باكية فجذبها إليه يضمها بقوة، وصوتها الباكي يمزقه بوجعٍ طمسه بضعفٍ، فردد بثقة
_مفيش حاجة اتغيرت فيا، أنا هو نفس الشخص اللي حبيتيه يا روز، أما هارون فهو بردو نفسه متغيريش، نفس الحقارة و الوساخة اللي جواه.
وأبعدها وهو يرفع رأسها إليه
_إنسى كل اللي فات، متفكريش غير في انتصارك عليا، استسلامي قدامك، وفوزك بقلبي وباعترافي اللي قولته من شوية، فكري في جوازنا اللي بقى حقيقة.
تاهت بين نظراته وكلماته العاشقة، ومع ذلك قالت بجمود
_لو صارحتني باللي حصل معاك يمكن أفكر بالطريقة دي.
تلاشى الهيام والعاطفة من عينيه، وأفاق بفضل كلماتها، نهض يعود للمرآة يعدل من كرفاته، وهو يهدر
_سبق وقولتلك في كلام مينفعش نتكلم فيه ولا نفتحه أصلًا، انتِ بتلفي وبتدوري في نفس الدايرة يا روز.
واستطرد وهو ينتعي حذائه
_خليكِ هنا، هارون ميجرأش يدخل جناحي أبدًا، أنا عندي مشوار مهم لازم أعمله، وبعدين نكمل كلامنا.
أرادت أن تمنعه من الرحيل، أن تخبره بأنها تخشى البقاء دونه، تخاف أن يعود هارون لفعل ما فعله، ولكنها لزمت الصمت وجلست محلها تستكين بضعف، عقلها أرهقه التفكير حول أمره!
مضت صوب مطبخ الملحق وهي تفكر بطريقة توصل بها المعلومات الخطيرة للفريق، التي ستعيد حساباتهم من جديد.
انتهت من صنع القهوة، وما كادت بالتوجه للخارج حتى تفاجأت بيدٍ تكمم فمها، وجسدًا قويًا يقيدها، وبالرغم من قوتها فشلت بتحرير ذاتها، ولم تهدأ الا حينما تسلل لها صوتًا مألوفًا
_اهدي يا قدس، ده أنا!
حررها كليًا فابتعدت تطالعه، وزادت صدمتها صدمة، حتى كادت أن تخرج عينيها من محجرهما، وجُل ما يتردد على
_ازاي!!!!!!!
نزع لثامه وهو يبتسم بثبات
_زي الناس!
عادت تحرك رأسها بجنون وتهتف
_دخلت هنا ازاي! عديت البوابات والحرس ازاي!!! والكاميرات وماتيو نفسه!!! إنت بجد هنا أصلًا!!
ابتسم الجنرال وقال بثقة
_مهما كانت قوتهم وذكائهم فاحنا بردو مش أي فريق ولا أيه؟
منحته نظرة ساخطة، ثم اتجهت للطاولة تسحب رشفة طويلة من القهوة، وعادت تتمعن فيه وتردد بذهول
_عديت ازاااااي!!!!!!!!!!!
تنهد ياسين بضجرٍ وقال بنزق
_هنقضيها كل ثانيتين ازاي؟؟؟؟ مفيش معايا وقت كتير يا قدس، بلغيني بأي شيء مهم حاباني أعرفه.
منحته نظرة مستنكرة، وعادت ترتشف باقي كوب القهوة
_طيب هتخرج ازاي؟؟ النظام هنا معقد وآلي!! انت دخلت ازاي أصلًا؛!!!!!!!
طالعه بارهاقٍ، فعادت تهتف بحماسٍ
_لو عرفوا في الجهاز انك قدرت تقتحم قصر التميمي هتدخل موسوعة غينيس!
طرق على الطاولة وهو يعيدها لارض الواقع
_خمسة وعشرين دقيقة، وقتنا بينفذ، لخصي يا قدس ولما أمشي ابقي استغربي براحتك!
عاد عملها للعمل، فاندفعت تخبره
_عثمان مظلوم مش هو اللي بيحركهم هنا، هارون هو الكل في الكل، ومن بعده كِنان، أنا كمان عرفت كام حاجه تخص تيام، وحصل امبارح حوار كبير، بص آ...
قصت له قدس عن كل شيء جمعته خلال بقائها الفترة القصيرة هنا، وأولهم الصورة التي نجح عثمان بزرعها لها.
انقضى الوقت سريعًا وقد حصل فيه ياسين على ما أراد، وسرعان ما غادر تاركًا قدس في حالة من الصدمة ومازالت تتساءل
_دخل وخرج ازاي!!!!!
يتمدد على الأريكة بردهة منزله لا حول له ولا قوة، دموعه تتهاوى بصمتٍ وسكون يجعله على وشك أن يقتل ذاته بأي لحظة، زهد الحياة بما فيها، فقد كل شيء ولم يعد يمتلك سوى أنفاسًا بخسة لا يملك سواها.
أغلق تيام عينيه بتعب، وهو يتجاهل صوت جرس الباب ودقاته الصاخبة، مرة، اثنان، ثلاثة، عشرة مرات إلى أن مل الطارق من أن يفتح بابه له فغادر وتركه.
فتح تيام عينيه يتأمل سقف الغرفة بتعبٍ، ولجواره الزجاجة الصغيرة التي تحتوي على خلاصه من هذا العالم المقبض، ولجوارها هاتفه، اقتحم رأسه فكرة أن يتصل بصديقه عمر الذي امتلكه فجأة، وبات شخصًا هامًا له، صحيح أنه لم يتمكن من اخباره من حقيقته القذرة، ولكنه بات يعني له كثيرًا.
اعتدل في منامته يوزع نظراته بين الهاتف وبين زجاجة السم الموضوعة أمامه، يتطلع لكلاهما في حيرة، حتى استقر الامر على الزجاجة.
فتحها وأخذ يتأملها بدموعٍ شقت طريقها على وجهه، وقبل أن يقربها إليه، أتاه صوتًا قادمًا من شرفة الردهة
_مكنتش
مال صوب القادم بنظرة غاضبة، فاذا بكِنان يترك قميصه وجاكيته على المقعد ويتحول من محله إلى يد تيام بسرعه مريبة، يقبض على الزجاجة ويفرغ محتوياتها أسفل مياه الصنبور الجارية.
نهض تيام من محله يصرخ بانفعال خطير
_إنت أيه اللي جابك هنا! امشي حالًا ومالكش دعوة باللي بعمله وهعمله.
رنا إليه ببطءٍ وقال
_للدرجادي يا تيام!! للدرجادي انت ضعيف وقليل الحيلة!
أدمعت عينيه بانكسارٍ ورد عليه
_وأيه
اللي أنا أملكه، خسرت كل حاجه بسببكم، أمي، أبويا، حبيبتي، ودلوقتي الحاجة الوحيدة اللي بمتلكها، أختي وبنتي وحياتي كلها، فاضل أيه تاني عشان أكسره، وفاضل أيه تاني عشان أعيش!!
اقتحم الحزن عيني كِنان، فاقترب منه يقول بهدوء حذر
_أبسطه إنك تنتقم من هارون ومن اللي عمله فيك، سبت كل حاجة وعايز تنسحب بهدوء، حتى أختك اتخليت عنها!
اخشوشنت نبرته وهو يستدير عنه
_هي اللي اتخلت عني واختارت طريقها مع أخوك.
وأضاف ساخرًا
_والمفروض يكون ده مفرحك، ما أنت حققت اللي إنت وهو كنتوا عايزينه.
جذبه بقوةٍ إليه، وقال بعصبية
_ولا يفرقلي جوازهم في شيء أكتر من سعادة نوح، نوح مظلوم يا تيام، وأختك كمان اتظلمت.
ضيق عينيه بعدم فهم، فاستكمل كِنان
_هارون هو اللي ورا اللي حصل، كان ناوي يعمل أبشع من كده لولا اني اتدخلت وقلبت الحوار جواز كان زمان أختك بتدفع تمن أبشع من اللي عقلك ممكن يصوره.
اهتز جسده من شدة الغضب، وهو يحاول مواجهة ما يقوله كِنان، بينما يتابع
_هارون عمل كده عشان يرجعك القصر، وبالفعل باعتني عشان أهددك بأختك وأنا فعلًا عايزك ترجع لشغلك وللقصر، بس الاهم من دول هو انك تحط ايدك في ايدي ونتنقم من الكلب اللي معدلوش كاسر ده!
وبقوةٍ قال
_ها معايا؟!
طرق على باب غرفتها أكثر من مرةٍ، وحينما لم يجد أي رد منها اتجه لغرفة التدريبات، ولج للداخل يبحث عنها ولكنه لم يجدها.
صعد ياسين لسطح المبنى السري، والذي كانت تحاوطه الاشجار من كافة الاتجاهات، تعجب حينما وجدها تجلس أرضًا، وهي تدير عنه وجهها تتطلع للقمر بهيئة بدت غريبة له.
اقترب منها يناديها بدهشةٍ
_مرين!
سحبت بصرها عن القمر، ولفت بوجهها له، رفعته تجاهه فاندهش ووخز بقوةٍ حينما رأى الدموع تنهمر من عينيها، يراها تبكي لأول مرة، الفتاة القوية التي تواجهه بكل كبرياء وشموخ يحتلها ضعفًا مُفاجئ، دموع أججت النيران بعروقه، جعلته قادر على حرق العالم بأكمله لمعرفة من تسبب لها بالبكاء، ومن بين تلك الدموع، تدفع الحاسوب الخاص بها تجاهه، وتعود
...... يتبع.......
الاقوى_قادم..
آية_محمد_رفعت..