مهمه زواج
يا ريم.... أنا كنت عايش و مزاجي حلو ولا كان في دماغي حب و لا شوق ...جيتي قلبتيلي كياني كله.... يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك.
و كانت تلك آخر فكرة واتته ثم بعدها غفى حتى أشرقت الشمس و تسلل نورها عبر ستائر غرفته لتداعب جفنيه اللذان استجابا سريعا لها و استيقظ و كأنه لم ينم قط.
بعد حوالي نصف ساعة كان معتصم يجلس بجوار أمه بأريكتها المفضلة يقص عليها ما حدث ليلا أثناء نومها و بالطبع أخبرها بوجود ريم و مارتينا بالمضيفة..
أباااه يا ولدي... كيف جلبهم طاوعهم يسرجوا ضيوف الكبير...كانهم مفكرين راح ينفدوا بعملتهم الواعرة..
ربت معتصم على فخذها و هو يقول
باينهم أغراب يامايا...ماهو محدش من البلد يتچرأ يعمل العملة دي...بس أني هعرف كيف أتوبهم.
قاطع مجلسهم الخفير سمعان مقبلا عليهما و هو يلهث و بيده حقيبة سوداء ثم قال بنبرة مفتخرة
ربطهم في مزرعة المواشي مع البهايم كيف ما أمرت يا كبير.
حانت من معتصم ابتسامة واثقة ثم هتف بقوة
و فين اللي سرجوه!
ركض سمعان اليه واضعا تلك الحقيبة على الطاولة الرخامية أمام كبيره
دياتي يا كبير... الدهبات و الفلوسات و حتى التلفونات... كله رچعته يا كبير.
أومأ معتصم بفخر
عفارم عليك يا سمعان... انت اكده صوح دراعي اليمين... عدي ع المزرعة انت و الرچالة اللي كانو امعاك و كل واحد فيكم يختارلو نعچة على كيفه.. و خود الفلوسات دي فرجوها علي بعضيكم..
قالها و هو يستخرج رزمة من المال من جيب جلبابه فأخذها سمعان و هو يقبل يد معتصم فسحبها سريعا و هو يقول
استغفر الله.. دي حجك انت و الرچالة اللي تعبت.. يلا روح و متنساش تسيب
حد عينه على الكلبين دول.. و فيشي أكل ولا شرب لحد ما افكر هعمل ايه وياهم.
أومأ سمعان و هو يكاد يطير من الفرح بتلك الغنيمة التي حصل عليها بينما السيدة ام معتصم أخذت تتطلع الى ولدها بفخر و اعجاب ثم ما لبثت أن قالت بتأثر
كاني شايفة الحاچ حمدان البدري الله يرحمه هو اللي جاعد جدامي دلوق... مخابش ظن ابوك يوم ما جالي انك خليفته من بعده في البلد دي.
ابتسم معتصم تأثرا بإطراء أمه ثم انحنى يقبل ظهر كفها و هو يقول
ربنا يخليكي ليا يامايا...أني دايما أجولك هذا الشبل من ذاك الأسد.. و بعدين أني من غير وچودك چاري مسواش حاچة..
مسدت على شعره بحنو ثم أخذت تدعو له بدعواتها التي تدمع العين من شدة اخلاصها و خشوعها و هو يؤمن خلفها.
عم عليهما صمتا وجيزا قطعه معتصم بقوله
بجولك يا امايا... يعني لما الضاكتورة ريم تصحى واچب تجعدي وياها و تعزميها هي و زميلتها على شبكة حمد و صافية الليلة طالما هيشرفونا في الدوار اليامين دول.
ابتسمت السيدة بمغذى فهي قد لمست اعجابه بها رغم عدم اظهاره لذلك ثم قالت بجدية
من غير ما تجول يا ولدي.. اني كنت ناوية على اكده.. زي ما جولت ده واچب.. و احنا الواچب ميفوتناش واصل.
تنهد بارتياح ثم استل هاتفه لكي يوقظ شقيقه... فاليوم حافل و لا بد من تجهيز الدوار استعدادا لتلك المناسبة الهامة.
بدأت ملامح والدته بالعبوس و كأنها تذكرت شيئا سيئا ليهتف بها معتصم بقلق بعدما استشعر حزنها المفاجئ
مالك يامايا!... انتي شربتي دوا الضغط النهاردة!
أومأت و هي تقول بملامح واجمة
مټخافيش يا ولدي... أني زينة.
لاه يامايا... شكلك ميطمنش واصل.
تطلعت إليه و قد غشت الدموع عينيها الأمر الذي جعل قلبه يكاد ينخلع من موضعه ثم قالت بصوت متحشرج
كان بدي الخطوبة دي تكون خطوبتك انت... انت ولدي البكري و أول فرحتي.. كيف يعني الصغير يتچوز جبل الكبير.. اني مخبراش راسك اللي كيف الحديد دي عتلين ميتى يا معتصم.
أغمض عينيه يهدئ من ضربات قلبه التي تسارعت من فرط القلق ثم أخذ نفسا عميقا بعدما رسم بسمة مصطنعة على شفاه ثم قال بمزاح
يا ولية وجعتي جلبي في رچليا.. بس اكده!... بجى هو ده اللي خلى الهم يغير ملامحك الزينة دي!
تطلعت إليه بحنق فهو دائما ما يقلل من أهمية ذلك الأمر فضحك اثر تلك النظرة المغتاظة ثم حاوط كتفيها بذراعه و هو يقول بنبرة مقنعة
ياما انتي خابرة إني مفاضيشي للچواز و مسؤلياته... أني ملاحجش على المزارع و الاراضي و مشاكلها اهنيه دا غير مشاكل أهل البلد و الجعدات العرفية اللي كل يوم و التاني بنعملوها في المضيفة.. غير بجى شركتي و مصنعي اللي ف بحري... مين اللي هتحمل دي كله يامايا...
همت لتقاطعه بينما هو سبقها ليقول
اني خابر ان دي مش حچة.. بس على الأجل استني هبابة يكون حمد اتچوز و اهو بدأ يشيل عني كتير في الشغل اهناك... يعني خلاص هانت يامايا.
جففت عينيها ثم تحدثت بنبرة جاهدت أن تبدو صارمة
هستنى هبابة يا معتصم... بس مش راح استنى كتير... نفسي أشيل ولدك جبل ما أجابل وچه كريم..
احتضنها بحب و هو يردد
بعيد الشړ عنيكي يامايا.. و الله جريبقريب... جريب جوي يا تاچ راسي.
بعد قليل ترك أمه و ذهب الى المزرعة حيث اللصان اللذان احتجزهما هناك...
معتصم بيه أنا متشكرة أوي على ضيافتك لينا و انك رجعتلنا الحاجات اللي اتسرقت مننا... بس بعد اذنك عايزة الموبايل بتاعي عشان أكلم أدهم عشان أعرفه اني راجعة القاهرة النهاردة.
قطب جبينه باستنكار ثم سألها بثبات
و مين جال انك هتعاودي القاهرة النهاردة!
بدأت أعصابها تثور فيبدو أنه سيعاندها أو سيجبرها على أمرا لا تريده ثم صاحت بحدة طفيفة
أنا اللي قولت..و افتكر قولتك امبارح اني مش هقعد في البلد دي تاني..
رد عليها بنفس نبرة صوتها
و انا مجولتش انك هترچعي القاهرة... أنا استجبلتك اهنيه في الدوار لحد ما أرچعلك حجك.. و شغلك في الوحدة هتكمليه.
مش من حقك تقرر اذا كنت أكمل شغلي ولا لأ.
لا من حجي... أني كبير البلد دي.. و مفيش حاچة بتتم من غير موافجتي..
أنا لا يمكن ادخل المكان دا تاني...بعد اللي حصل مستحيل.
معناته ايه الكلام ده!..مفيش مخلوج في البلد عرف باللي حوصل... و مش هسمحلك تشوهي شكلي وسط ناسي... انتي لو سيبتي الوحدة الكلام هيكتر في البلد.. عايزة تچرسيني وسطيهم!.. عايزاهم يجولو الكبير مجادرش يحمي ضيوفه!
ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بنبرة ذات مغذى
آاااه قول كدا بقى... انت كل اللي هامك شكلك و منظرك في البلد.. انما أنا عايزة ايه أو هكمل شغل ازاي في مكان مش حاسة فيه بالأمان دي مش مشكلتك... مش كدا!
سكت معتصم يريد أن ينفي ما تقوله.. يريد أن يقر لها بأنه يخشى فقدانها... أنه سيفتقدها بعدما امتلكت قلبه... أنه سيشتاق لها ان ابتعدت عنه.... و لكن نهوض أمه من مكانها أنقذه.. فقد قامت تربت على كتف ريم تهدئها و هي تقول
يا بتي احنا اتعودنا عليكي و فراجك يعز علينا.. و بعدين لو على الأمان معتصم هيأمن
الوحدة و هيدج حديد على الشبابيك و الابواب و هيسيبلك هناك غفر يحرسوها كمان بالليل و بالنهار.
همت لتعترض لكن مارتينا لم تعطيها الفرصة فقد
خلاص بقى يا ريم... أنا واثقة و متأكدة ان اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.. معتصم بيه قد الدنيا و استحالة يسمح بحاجة زي دي تتكرر... و بعدين انتي عايزة تمشي و تسيبي اختك الغلبانة لوحدها!
عبست ملامحها بضيق لتقول
مارتينا أدهم لو عرف اللي حصل استحالة يوافق اني أكمل هنا...هو أصلا من الأول مكانش راضي أستلم شغلي في الصعيد و كان بمعارفه قادر ينقلني في أي مكان أختاره بس أنا اللي أصريت أخوض التجربة...و يا ريتني كنت سمعت كلامه من الأول.
ضړبت ام معتصم على صدرها بخفة لتقول بعتاب
باه يا ضاكتورة...و هو احنا جصرنا وياكي يا بتي!..دا احنا الود ودنا نشولوكي فوج راسنا.
عادت لتقول باعتذار
لا طبعا يا حاجة انتو مقصرتوش أبدا..أنا بس خاېفة أخويا ياخد مني موقف لو عرف.
تدخل معتصم ليقول بنبرة قاطعة
مالكيشي صالح بخيك.. أني هكلمه اعتذرله عن اللي حوصل وياكي ليلة امبارح و متحمليشي هم حاچة واصل.
تنهدت ريم بقلة حيلة لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن استسلامها لكلامهم فاتسعت بسمة الحاجة ام معتصم و كاد معتصم أن يبتسم فرحا بذلك و لكنه جاهد نفسه لاخفائها و تنهد بارتياح كبير و كأنه أنجز أحد أصعب مهماته... تلك العنيدة المتمردة يبدو أنها ستذيقه الويلات حتى يخضعها له.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الخامسة عشر
رغم نومه عند شروق الشمس الا أنه استيقظ باكرا في موعده المعتاد للذهاب الى مقر عمله بالعمليات الخاصة فحتما آسر لن يستطيع الحضور بعد تلك الليلة العسيرة التي مرت عليه أمس و بذلك فهو لا يتثنى له التغيب عن العمل.
استطاع أن يعد ملابسه الميري بصعوبة ثم ارتداها و هو يتحرك في الغرفة بهدوء حتى لا تستيقظ ندى فهي ايضا قد قضت ليلتها مستيقظة في انتظاره.
لم يتحرك أدهم ايضا و ظل متسمرا هكذا يحاول السيطرة على ضربات قلبه المتسارعة اثر فعلتها المباغتة فاغمض عينيه يلملم شتات نفسه ثم تنهد بعمق و قام بابعاد ذراعها عن رقبته ليضعه بجوارها بهدوء ثم نهض و هو يخلل أصابعه بين خصلاته الطويلة كناية عن توتره... لم يرد بخياله أنه سيقع أسيرا لها بتلك السرعة.. لقد انقلب كيانه بالكامل منذ أعلنها لنفسه زوجة و كأن قلبه كان رهن اشارة منه ليقع بحبها... أحبها!... هل حقا هذا ما يسمونه الحب!
لا يدري ماهية هذه المشاعر و كيف يكون الحب... حقا لا يدري..
انتعل حذائه الميري ثم خرج من الغرفة و بداخله ثورة من المشاعر و هو لا يريد أن ينجرف نحوها..
داخل مبنى العمليات الخاصة...
دلف مكتبه لتقابله سحابة من الدخان ليتفاجأ بوجود آسر يجلس بالكرسي المقابل للمكتب بملامح بائسة و ېدخن السچائر بشراهة...
انت ايه اللي جابك يا آسر!..
وقف أمامه تماما ثم استرسل كلامه بحدة
انت رجعت تاني للهباب دا!
نظر له بخواء ثم عاد يستكمل تدخين السېجارة فسحبها منه أدهم بحدة ثم ألقاها على الأرض ليطفئها بحذائه بينما آسر كان يتابعه بلامبالاة و كأنه مغيب أو بعالم آخر...
جلس أدهم في الكرسي المقابل له ثم قال بعتاب
بقى هو دا الدعاء اللي بتدعيهولها...فاكر ان السجاير هي اللي هتهون عليك فراقها!.. مالك يا آسر فوق كدا و سيبك من شغل الصياعة دا..
صاح بعبارته الأخيرة بحدة بالغة أجفل منها آسر ثم نهض بعصبية و هو يصيح بانفعال
أصلك متحرقتش من الڼار اللي حرقتني.... أنا سايبهالك و ماشي يا عم الحكيم...
ثم غادر آسر تاركا صديقه ينظر في أثره بذهول... هل قسى عليه الى هذا الحد!.. هل حقا لا يشعر بالنيران المستعرة بصدره!..
تنهد أدهم بضيق ثم استغفر ربه و دعى لصديقه بالصبر فحتما مصابه جلل و يهذي بما لا يعي من فرط غرقه في دوامة الحزن.
بعدما قام بالإطلاع على بعض تقارير المأموريات الخاصة بعمله و بينما هو في خضم انشغاله أتاه اتصال هاتفي من شقيقته ريم و رغم كل ما به من زحام ابتسم بسعادة من مجرد رؤية اسمها يزين شاشة هاتفه..
ألو... حبيبي اللي واحشني و مش سائل فيا..
ضحكت ريم بملئ فمها و كانت آن ذاك تجلس الي جوار مارتينا بالمضيفة ثم قالت بدلال
و مين اللي يسأل على التاني يا سعادة الباشا.
الناس اللي رايقة زيك تسأل على الناس اللي محتاسة زيي.
ضحكت مرة أخرى ثم قالت بسخرية
اه رايقة اوي... ما انت لو تعرف اللي حصلي امبارح مكنتش قولت كدا.
سألها بقلق أثاره عبارتها
خير يا بنتي ايه اللي حصل..
ابتلعت ريقها بصعوبة لتسرد له بنبرة متوترة ما حدث لها من سړقة باختصار شديد حتى لا تثير قلقه ثم أشادت له بموقف معتصم و ما فعله باللصوص و اعادته لمتعلقاتهم المسروقة و في النهاية قالت بنبرة يشوبها الحماس
بس يا سيدي...بس بصراحة معتصم بيه راجل ذوق اوي و استضافنا في المضيفة بتاعته و محافظ علينا و مصمم أكمل شغل في الوحدة كأن مفيش حاجة حصلت.
سكت مليا يفكر بموقف ذلك الرجل ثم اردف بجدية
أنا من الأول قايلك بلاش تبعدي عننا انتي اللي صممتي على رأيك... وادي النتيجة.
ردت عليه باستعطاف
دي مجرد حاډثة كانت ممكن تحصل في اي مكان يا دومي.
طيب و ناوية على ايه!
هكمل بقى و خلاص... معتصم بيه عين حراسة ع الوحدة.. يعني الدنيا بقت أمان.. هو بس كان عايز يكلمك يطمنك يعني ان مفيش حاجه هتحصل تاني.
هز أدهم رأسه بملامح متجهمة ثم أضمر في نفسه أمرا ثم قال
ماشي ابقي اديله رقمي..
اجابته ببسمة واسعة
تمام يا حبيبي.. هسيبك بقى تكمل شغلك عشان معطلكش.
تمام مع السلامة..
أغلق الهاتف و هو يتأفف بضيق ثم جلس مستندا بظهره الى ظهر الكرسي ممسكا بأحد أقلامه يطرق بها على سطح مكتبه و هو يفكر بشرود فيما قالته ريم ليحدث نفسه بخفوت
معتصم بيه!... يا ترى حكايتك ايه و بتعمل كدا معاها ليه!.. مش مرتاحلك يا سي معتصم... بس هجيب قرارك.
أغلقت ريم المكالمة ثم خرجت تبحث عن معتصم لتطلب منه محادثة أخيها يستأذنه لبقائها بالبلدة فدلتها نعمة الخادمة على مكانه حيث استطبل الجياد في الجهة الخلفية للدوار..
في تلك الأثناء كان معتصم يقف بجوار مهرة صغيرة جذابة للغاية في مظهرها فقد فضل أن يختلي بنفسه بعيدا عن ضجيج الاحتفال بالدوار و عن أعين الناس بملابسه البيتية التي يفضلها دائما حيث كان يرتدي بنطال قطني أسود يأخذ شكل الساقين و يعلوه تيشيرت أسود أيضا و ينتعل حذاء رياضي من اللون الاسود فكان مظهره جذاب للغاية... من يراه لا يصدق أن هذا هو معتصم بيه كبير البلدة..
و كان يتمم على إجراءات خطبة أخيه عبر الهاتف أنهى لتوه مكالمة مع حمد يخبره فيها أنه قد اشترى الذهب و بصحبته شقيقته عائشة او عيشة كما يدعونها و زوجها هشام...
تنهد بتعب من كثرة المكالمات الهاتفية ثم أدار كامل انتباهه الي تلك المهرة الرقيقة التي تذكره في رقتها ب ريم..
أخذ يمسد على شعرها
الناعم و هو يحدثها و كأنها تفهمه
قوليلي أسميكي ايه!..بجد محتار...الود ودي أسميكي على اسمها..ما انتي اصلك جميلة زيها بالظبط...بس خاېف اتفضح...
قال تلك الكلمة ثم ضحك و كأن تلك المهرة تضحك معه.....
في تلك الأثناء وجدته ريم لتراه من بعيد يقف أمام تلك المهرة الجميلة و لكن استرعى انتباهها تلك
الملابس التي تراه بها لأول مرة لدرجة أنها قد ظنت أنه ليس هو.. لولا أنها انهت مكالمة لتوها مع شقيقها لظنته هو أدهم شقيقها..أخذت تخطو نحوه بهدوء و كأنها تريد أن تستكشفه حتى سمعته يتحدث بلكنتها مثلها تماما...بحق الله هل هذا معتصم!
أقولك أنا تسميها ايه!
الټفت على ذلك الصوت الذي يعرفه تمام المعرفة ليتطلع اليها بذهول...ترى منذ متى و هي واقفة هنا!
أومأ دون ان يتحدث فقد اصبح في حيرة من أمره... أيحدثها بلكنته الصعيدية أم أنها سمعت لكنته القاهروية و انكشف الأمر..
اقتربت لتقف قبالته ثم أخذت تمسد على شعر المهرة و هي تقول بابتسامة جميلة
سميها ريمان...انا بحب الاسم دا اوي..
رمقها بشبه ابتسامة و أيضا لم يتحدث فسألته بترقب
ايه رأيك في الاسم دا!
سكت مليا يفكر بأي طريقة سيتحدث معها و لكنه قال أخيرا
جميل...عشان مشتق من اسمك.
انفرج ثغرها بابتسامة واسعة لتقول بذهول
أنا كنت عارفة انك بتتكلم زيي بس مكنتش متأكدة..كنت مفكرة اني كان بيتهيألي من حالة الصدمة اللي كنت فيها ساعة حاډثة السړقة..بس دلوقتي اتأكدت و على فكرة بقى سمعتك و انت بتكلم المهرة من شوية.
هز رأسه بايجاب و هو يتأملها بوله...كل مرة يراها فيها يتأكد أنه قد وقع بحبها..أن حبه لها يتحول الى عشق أو ربما هيام لا يدري..و لكنه حقا لا يريدها أن تتوقف عن الحديث...يستمتع كثيرا بسماع صوتها..طريقتها في الكلام..نبرتها الحماسية و انفعالها احيانا..
حين اومأ لها مؤكدا ظنونها سألته بحماستها المعتادة
طاب قولي بقى...ازاي بتتكلم بطريقتين..و ليه مخبي عن الناس شكلك و كلامك دا..
رد و هو مازال يتأملها بابتسامة
دي حكاية طويلة أوي.
احكي..انت وراك حاجة!
لأ..
و أنا كمان موارييش حاجة..
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم بدأ الحديث عائدا بذاكرته للخلف
أبويا الله يرحمه كان عايز يعلمني أحسن تعليم...لأن ناس البلد و البلاد اللي حوالينا بيعملو الف حساب لأصحاب الشهادات و المناصب و النفوذ و هو كان عايزني أكون كبير البلد من بعده...عمتي كانت متجوزة راجل غني اوي في القاهرة بس مخلفتش منه...كانت عايشة معاه في فيلا طويلة عريضة لوحدهم...أبويا بعتني ليها لما تميت ٦ سنين عشان تقدملي عندهم في مدرسة خاصة و هي طبعا رحبت جدا و كانت طايرة بيا من الفرحة...المهم علمتني اللهجة بتاعت الناس اللي هناك عشان محدش يتنمر عليا من زمايلي...ماهي مدرسة انترناشونال بقى و كل اللي داخلينها ولاد ذوات و رجال اعمال و سياسيين و ناس تقيلة اوي..بصراحة تعبت معايا لحد ما نستني لهجة الصعيد.... و اللي ابويا عمله معايا عمله مع حمد...بس حمد بقى محاولش يغير كلامه..بس بيعاني طبعا و هو بيتكلم قدام امي عشان متزعلش...
ضحكت ريم و هي تقول
اه أخدت بالي...اممم كمل.
و كملت بقى مع عمتي لحد ما دخلت الجامعة و كنت بنزل البلد في اجازة الصيف بس...امي طبعا كانت بتزعل مني لما بتلاقيني بتكلم كدا بس لما كبرت بقيت احاول مزعلهاش و اتكلم زي ما هي حابة...مع اني كنت خلاص شربت اللهجة و الطبع و العادات بتاعت القاهرة و كان صعب عليا اوي أقلب من اللهجة دي للهجة دي لحد ما اتعودت بقى.
كانت ريم تستمع بتركيز شديد و حين انتهى سألته بفضول
و انت خريج ايه بقى!
اقتصاد و علوم سياسية.
رفعت حاجبيها بذهول متمتة
واو.. لا بجد شابوه لباباك.
و حمد خريج ادارة أعمال...و عيشة اختي بقى الحاج برضو مقصرش معاها بس محبش يغربها عند عمتي بحكم انها بنت و اخدت الثانوية العامة منازل و دخلت ألسن جامعة عين شمس..
دراستي في المدارس الانترناشيونال عرفتني على أصدقاء كتير من الوسط الهاي كلاس و استغليت الموضوع دا في تأسيس شركة في المجمع التاني و بدأت الشركة تكبر شوية و بدأت أشارك ناس تقيلة و رجال أعمال كبار.. و شوية شوية اسست مصنع في ٦ اكتوبر و اهو شوية قاعد هنا و شوية في شركتي و الدنيا ماشية الحمد لله.
هزت رأسها باعجاب واضح من مسيرته الناجحة ثم استرسلت أسئلتها الفضولية
بس انت بقيت كبير البلد ازاي و امتى..
اجابها و هو ينظر لتلك المهرة الجميلة يواري ناظريه عنها حتى لا ينكشف ولهه بها
ابويا كان دايما بيقعدني معاه في القعدات العرفية و المقابلات اللي كان بيعملها مع كبار البلد و المأمور و ظباط المركز و كان دايما يشركني في المشاكل اللي بيناقشوها و بياخد برأيي... لحد ما دخلت ثانوية بقى هو اللي يخليني أدير القعدات دي و أكون انا صاحب الكلمة و الرأي لحد ما دخلت الجامعة و اتخرجت بقيت انا أساس القعدات العرفية و الاجتماعات لدرجة ان ابويا كان اوقات بيبعتلي ارجع من القاهرة مخصوص لو في مشكلة كبيرة عشان انا اللي احلها...اهل البلد كلهم بقوا شايفيني انا الكبير و بقوا بيتعاملو معايا على هذا الاساس تمام زي ابويا ما كان بيخطط...و كان لازم عشان افضل محافظ على المكانة دي أحافظ على عادات البلد و تقاليدها و التزم بلبسي و لهجتي كصعيدي..عشان افضل كبير في نظرهم دايما.
هزت ريم رأسها بتفهم عدة مرات ثم قالت باعجاب
لا بجد أبهرتني يا معتصم بيه.
ضحك بملئ فمه ثم قال
بيه ايه بقى!... قولي معتصم بس.
حانت منها ابتسامة خجلى ثم قالت برقة
اول مرة اشوفك بتضحك كدا... كنت فاكرة انك ضد الضحك..
أجابها بضحكة بسيطة
ما خلاص بقى الوجه الآخر للكبير انكشف و بان..
ابتسمت ثم قالت بلا تفكير
بس أحلى بكتير من الوجه الاولاني.
دق قلبه پعنف اثر تلك الاطراءة و سكت يتأملها بحالمية حتى أخجلها من فرط تأمله لها فهربت من مرمى ناظريه و هي تتحسس شعر المهرة و تسأله مغيرة مجرى الحديث
بس مش غريبة انك تجوز اخوك الصغير قبل ما تتجوز انت!
اخذ نفسا عميقا و هو يفكر... ماذا لو علمت أنه متزوج بالفعل!.. و ماذا ايضا لو عرفت ملابسات تلك الزيجة و تفاصيلها!.. حتما ستشمئز منه و يسقط من نظرها ذلك الذي أبهرها منذ ثوان....ان كان قد ندم على زواجه بنرمين.. فلم يكن ندمه أشد من تلك اللحظة التي تقف فيها أمامه الآن.
أخيرا تحدث و هو يتحاشى النظر في عينيها كناية عن كذبه
مكنش عندي وقت للجواز... مشاكل و املاك هنا.. و شغل الشركة هناك.. غير اني مقابلتش اللي تخليني افكر حرفيا في الجواز.
رفعت حاجبيها باستنكار
انت عايز تفهمني انك متعرفتش على بنات في حياتك!
لا طبعا عرفت كتيير جدا بحكم دراستي في الجامعة و خروجاتي اللي كانت اغلبها في السخنة و الساحل و شرم.. دا غير مجال شغلي.. يا بنتي دي البنات كانت بتتمنى بس نظرة مني..
قال عبارته الأخيرة بغرور مع غمزة من عينه الأمر الذي اغاظها كثيرا فسألته بتهكم
اممم.... و مفيش بقى واحدة منهم لفتت نظرك!
ضيق عينيه بتفكير ثم قال بحالمية
و دقات قلبه تتسارع معلنة عن هيامه بها
في......بس مش منهم.
من نظرته الهائمة و نبرته الحنونة التي تحدث بها فهمت أنه ربما يقصدها... ذلك الشاب اللعوب يبدو من غروره
انفرج ثغرها بغتة لتصيح و كأنها تذكرت شيئا ما
شوفت الكلام اخدنا و نسيت أنا كنت جيالك ليه اصلا.
ابتسم بغموض فقد فهم ما يدور بخلدها و تهربها المقصود من ذلك الحوار الذي بدأته..... حسنا فالأيام بيننا
خير!
كنت جاية اديك رقم أدهم عشان تكلمه... انا كلمته و فهمته اللي حصل و قولتله انك عايز تكلمه.
أومأ ثم فتح هاتفه لتمليه الرقم و يقوم بحفظه على هاتفه ثم استأذنت منه و غادرت من أمامه ليعود الى مهرته الصغيرة بحالة جديدة غمرته بها تلك القطة المتمردة...ريم..
في أحد النوادي الراقية بالتجمع الخامس..
تجلس دارين مع صديقتها المقربة دنيا...
اتفضلي يا قلبي... العمل المرادي مضمون مية في المية..
التقطت دارين منها زجاحة بنية صغيرة تشبه زجاحة الدواء ثم دستها سريعا في حقيبة يدها ثم قالت بنزق
شرب تاني يا دنيا!.. هو مفيش حاجة تانية غير الحاجات اللي بتتشرب دي!
لوحت يدها لتقول
معرفش بقى يا داري.. هو انا هتشرط على الشيخ دا في دي كمان... انتي متعرفيش انا ببقى مړعوپة ازاي و انا بكلمه.
لوت شفتيها لجانب فمها لتقول بتافف
أوف.. انا مش عارفه ازاي متأثرش بالعمل الأولاني زي ما انا عايزة..يا خسارة مالحقتش أفرح بنجاح الخطة.
اقتربت منها برأسها لتقول بهمس
ماهو بيقول تأثير العمل كان ضعيف لأنه محافظ على صلاته و قريب من ربنا.. انما المرادي هو عمل حسابه و عمل سحر أقوى.. بس طبعا انتي عارفة انه كله بحسابه..
هزت رأسها و هي تقول بلامبالاة
ميهمنيش الفلوس.. المهم يحصل اللي أنا عايزاه بالظبط.
اومأت بتأكيد
هيحصل متقلقيش.. بس اهم حاجة يشرب منه معلقة على كوباية عصير.
اومات دارين بشرود ثم سألتها دنيا بترقب
بس قوليلي هتقابليه ازاي و تشربيه العمل بعد ما قطع علاقته بيكي!
اجابتها و هي تنظر في نقطة ما في الفراغ
هتصرف... في فكرة كدا في دماغي هحاول أنفذها.
رواية مهمة زواج.
بقلم دعاء فؤاد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السادسة عشر
مهمة زواج
حين انتصف النهار قامت دارين بالاتصال بأدهم لتستكمل بقية خطتها اللئيمة في بادئ الأمر استغرب من اتصالها بعدما قام بفسخ خطبته بها و لكنه لم ينكر على نفسه أنه مازال يحب رؤيتها و التحدث اليها..
ألو... الحمد لله يا دارين.. انتي اللي عامله ايه..
بخير يا أدهم.. بعد اذنك كنت عايزة خدمة صغيرة منك.
أنا تحت أمرك طبعا..
مرسي يا أدهم و دا عشمي فيك طبعا... بس ينفع لو مفيش عندك مانع نتقابل و احكيلك على اللي عايزاه!
سكت مليا يفكر... لم لا!.. فلا ضير من رؤيتها.
تمام يا داري مفيش مشكلة.
ابتسمت حين ناداها بتلك الكنية المحببة اليها ثم قالت بسعادة غامرة
بجد يا أدهم مش عارفه أشكرك ازاي..
على ايه يا بنتي.. عادي.. انتي بالنسبالي حد مهم و مقدرش ارفضلك طلب.
تنهدت بحالمية ثم سألته بهيام
بجد يا أدهم!
أومأ مؤكدا
أيوة طبعا بجد..
طاب حيث كدا بقى نتقابل في كافيه نايل و شوف الميعاد اللي يناسبك.
خلينا نتقابل ع الساعة ٨ بالليل كدا.
تمام في انتظارك.. باي
باي.
أغلقت الهاتف و هي تفكر بتركيز شديد في تلك الخطة المحكمة التي أعدتها لتعيدها على نفسها عشرات المرات قبل ساعات قليلة من تنفيذها.
في مدينة برلين....
خرج لتوه بعد عملية عسيرة دامت لأكثر من عشر ساعات يزيح حبات العرق عن جبينه ليبشر ذلك الذي كاد قلبه أن يتوقف من فرط الخۏف و القلق ليقول له بنبرة منهكة
محمد أنا مش عارف أعزيك ولا أهنيك.... الحمد لله مودة لحد اللحظة دي امورها ماشية تمام و هتخرج من العمليات بعد شوية على جهاز تنفس صناعي لحد ما نطمن ان جسمها اتوافق مع القلب الجديد و مش هيرفضه... انما ميريهان بقى..... البقاء لله.
تهدل كتفيه من الحزن و کسى الوجوم ملامحه المهمومة فتمتم بصبر و جلد
انا لله و انا اليه راجعون... الحمد لله على كل حال... ربنا يتمم عملية مودة على خير و يصبرني على فراق أختها...
قال عبارته الأخيرة ثم انخرط في بكاء مرير اهتز له جسده بالكامل فأخذ الدكتور رؤف يربت على كتفه بمواساة و هو يقول
خليك جامد للآخر يا محمد.... و شوف كدا هتدفن ميري فين!
أخذ يمسح عبراته بيده ثم قال بنبرة باكية
هاخد الچثة و ارجع اډفنها في مصر... عشان لما ارجع مع مودة بالسلامة نبقى نزورها في قپرها علطول..
تمام... احجز و شوف إجراءاتك... اكرام المېت دفنه..
هز رأسه بايجاب ثم أخذ يفكر في تلك الدوامة التي أخذته الى القاع حتى أنه لا يدري كيف أنه واقفا على قدميه الى الآن... و لكنها تلك القوة التي أمدها الله بها لكي ينقذ ما يمكن انقاذه.
لم يطيق آسر البقاء في عمله... فليس لديه من التركيز ما يعينه على ممارسة مسؤلياته المعتادة فاستأذن من مديره الذي التمس له العذر بعدما علم بما حدث مع خطيبته...
خرج من المبنى ليسير بسيارته في الشوارع بلا هدف... كل مكان يمر به يراها فيه...فقد مرت معه في كل الأماكن... تركت له ذكرى هنا و أخرى هناك.. يا الهي كيف سيعيش بدونها!.. لقد كان قاب قوسين أو ادنى من خطوة الزفاف.. ذلك العش الذي لطالما انتظره طويلا لكي يجمعهما... جائته تلك الريح العاصفة التي خسفت به الأرض و بقي هو يبكي على الأطلال...
بينما هو في خضم تيهه بين الشوارع و الطرقات أتاه اتصال من حماه يخبره أن ميريهان قد فارقت الحياة و أنه سيعود بها في الطائرة التي ستصل مطار القاهرة صباح الغد و اغلق الهاتف سريعا قبل أن يسمع من آسر ما لا يرضيه من لوم او عتاب... فهو يجهل الأمر برمته و لا يعلم شيئ عن ضرورة سفر ميريهان مع شقيقتها...
بمجرد ان انقطع الاتصال أصبح جسد آسر كالهلام... و كأنه جسدا خاويا بلا روح.. نعم يدرك النهاية جيدا و لكن دائما حدوث الحقيقة و تحولها الى امر واقع وقعها صعب على العقل تحمله او استيعابه..
ركن سيارته على جانب الطريق حتى يتمالك أعصابه التي انفلتت منه للغاية و أخذ يلتقط أنفاسه المتلاحقة.... ثم رغما عنه خرج صبره عن السيطرة و صاح بعلو صوته بآهة ألم مزقت كيانه ثم هدأ بعدها قليلا حتى ثقل رأسه و أسندها على تارة القيادة..
عاد من عمله في السابعة مساءا و كانت حينئذ ندى خارجة لتوها من المطبخ و حين سمعت صوت انغلاق الباب توقعت عودته فاستقبلته ببسمة واسعة و كانت مرتدية بيجامة بيتية بنصف كم راسمة تفاصيل جسدها فكانت مٹيرة حقا... اجفلت بخجل حين رمقها بنظرات الاعجاب فاخفضت جفنيها و هي تقول بحياء
حمد الله على السلامة..
الله يسلمك..
اقترب منها في حركة فاجئتها و قبل مقدمة رأسها بغرض تقريب المسافات بينهما فازداد خجلها أكثر و لكنها تغلبت على ذلك
ثم
على ما تغير هدومك هكون جهزت العشا.
رد عليها بتعب
لا أنا مش هتعشى دلوقتي... عندي مشوار كدا هخلصه و لما ارجع هبقى اتعشى... انا داخل اخد شاور..
هزت رأسها باحباط... فهي كانت تتطلع لتناول العشاء برفقته..
طاب هعملك ساندوتش تاكله