كانها لي الحياه

لمحة نيوز

 


زمانه على وصول هو راح خطوبة واحد زميله. 
طيب اجهزي قبل ماماما ترجع ياله هروح أجهز أنا كمان. 
تمام..قالتها ملك وتراجعت إلى الفراش وأمسكت هاتفها تهاتفه للمرة التي لا تعلم عددها ولكن دون رد.
دخلت ميرال الغرفة بهدوء التقطت أذنها صوت المياه يتساقط بالحمام.. نزعت جلبابها بخفة ثم اتجهت إلى غرفة الملابس تبحث عما ترتديه توقفت فجأة وارتسمت على ثغرها ابتسامة خفيفة لتغير وجهتها 
فتحت الباب بتمهل دلفت إلى الداخل فوقع بصرها عليه واقفا 
يعني إنت غيران فعلا
أجابها بثبات وعيناه تتوهجان بالحب 
بعد فترة عادت فريدة بصحبة مصطفى تتأمل الفيلا بارتباك وهي تهمس
هي الفيلا ضلمة كدا ليه يامصطفى
ابتسم مردفا
يمكن يكون فيه عطل في الإضاءة أو حاجة بسيطة.
لم تكد تخطو خطوتين حتى فجأة تلألأت السماء بألوان الألعاب النارية تزامنا مع انبثاق الأضواء من كل ركن بالفيلا..تجمدت في مكانها تتابع المشهد بذهول مع أصوات الجميع يرتفع صياحهم
Happy Birthday to Farida!
اتسعت عيناها في صدمة تتأمل جمال اللقاء لم تصدق للحظة أن كل هذا من أجلها..هرعت ميرال 
أحسن أم في الدنياكل سنة وأنا بس بنتك وحبيبتك.
اهتز قلب فريدة بعاطفة جارفة ولم تستطع السيطرة على دموعها..فمنذ سنوات اختفاء ميرال لم يعد عيد ميلادها يوما للاحتفال..حتى نسيت تاريخه مع غياب ميرال عنها.
كل سنة كنت بحتفل بيه لوحدي..وكل مرة بدعي بدعوة واحدة 
روح وقلب ماما إنتي..أنا من يوم غيابك ماعرفتش للسعادة باب يانور عيني.
ربنا يباركلي فيكي ويسعدك ياحبيبة ماما.
ردت ميرال وسط انهمار الدموع
ربنا يخليكي لينا ياست الكل.
وقف أرسلان على مقربة يحاول أن يخفي ارتعاشة صوته وغمامة الدموع التي تجمعت بعينيه فاقترب خطوة يحاول تخفيف الجو قائلا
خلاص بقى إنتي وهي ماعرفش الستات ليه دايما نكديين..ماقولنا هابي بيرث داي يامدام فريدة على رأي ابنك.
ابتعدت ميرال قليلا لتفسح المجال أمام أرسلان..توقف في مواجهتها يتأملها بصمت كأن العمر كله اختصر في تلك اللحظة..عيناه تلمعان بالدموع كطفل فقد أمه نعم فلقد فقد لأعوام.
ابتلع غصته المتورمة وهمس بنبرة متقطعة
مش لاقي كلام يوفيكي بس اللي جوايا إني بحبك أوي آسف..آسف من قلبي سامحي ابنك الغبي..الدنيا أخدتني لحد مانستني أهم يوم في حياتك.
ارتعشت أجفانها وأغمضت عينيها لتمنع سيل الدموعلكن الدموع خانتها وانهمرت بلا توقف..اقترب منها وانحنى بكل ألم يخترق روحه.. وقال بصوت مختنق
كل سنة وإنتي منورة حياتناوربنا مايحرمناش منك ياست الكل.
هنا انبثقت دمعة غائرة من عينيه سالت بحرارة على وجنته فمدت يديها المرتعشتيين تمسح دموعه كأنها تمسح سنوات غيابه هامسة من بين شهقاتها
كل سنة وإنت منور حياتي إنت وإخواتكمش عايزة من الدنيا غير كدا.
لم يحتمل..وهمهم يهدر ب آه حارقة تختلط فيها حسرة سنين ضاعت وندم ابن أدرك أنه مهما طال العمرسيبقى قلبه محتاجا لدفء أمه
.رفعت ميرال عينيها إلى إلياس وجدته جالسا يتفحص هاتفه كعادته هربا من الأجواء لكزته بخفة وهمست
مش هتقول لمامتك كل سنة وإنتي طيبة
رفع رأسه ببطء تطلع إليها ببرود يخفي خلفه رجفة خفية ثم قال بصوت هادئ
كل سنة وإنتي طيبة يامدام فريدة.
أفلتت ضحكة رغما عنها واقتربت لتجلس جواره عيناها تمسحان ملامحه كأم تقرأ ابنها بلا حواجز
لو عملت غير كده يبقى فيك حاجة غلط يابن مصطفى.
رفع يده نحو ميرال بحركة مزاحية بمرح مفتعل
شوفتي الناس اللي بتفهم خايفة عليا أعمل الغلط.
ضحك الجميع من رده بينما مدت فريدة وابتسمت قائلة
كل سنة وإنت كبير إخواتك ياحبيبي.
تصلب جسده للحظة ورغم أن قلبه نبض بعاصفة لم يرد لها الانفلات أجاب بخفة مصطنعة
لا حضرتك شكلك اتلخبطتي الحفلة دي عيد ميلادك إنتي مش أنا.
والله إنت بارد ورذل.
تمتمت ميرال وهي تدفع ظهره بخفة ثم اتجهت إلى فريدة
تعالي ياماما هو فيه حد يروح لإلياس علشان يعايده هو الكون هينقلب ولا إيه
هنا توقفت غادة عيناها تلمعان بالدموع فتقدمت نحو أمها بصوت مبحوح 
أنا مش هقولك كل سنة وإنتي طيبة الكلمات قليلة قدامك ياماما..اللي هقوله إن ربنا بيحبني قويبيحبني أنا وبابا وإسلام علشان اختار لنا

________________________________________
أم عظيمة زيك..أنا بحبك أكتر حاجة في الدنيا كلها..حتى أكتر من البت ميرال.
ضحك البعض بخفة لكن فريدة لم تتمالك نفسها فمدت ذراعيها تجذب غادة 
إنتي طفلة قلبي ياغادة ومهما كبرتي هتفضلي طفلتي الجميلة.
احم احميعني أنا مش موجود في العيلة دي ولا إيه! 
قالها إسلام وهو يقترب بمزاح خفيف فتدافعت ملك وغرام بدلالهما يعايدان فريدة ليلتف الجميع حولها بدفء عائلي نادر.
بينما إلياس مازال جالسا مكانه يبتسم ببرود يتستر به على تلك الغصة التي خنقته متسائلا في داخله
لماذا كل كلمة من أمي تدخل قلبي كطعنة رغم أنها مغموسة بالحب!
التف الجميع حول فريدة ينهالون عليها بالتهاني وإلياس جالسا مكانه يكتفي بابتسامة باهتة وصوت لم يخرج..
عيناه تتنقلان بين وجوههم بين ضحكة غادة ومرح إسلام ولمسة ميرال ودموع أمه لكنه ظل محاصرا بجدار داخلي لا ينهار.
أرخى رأسه للخلف متظاهرا باللامبالاة بينما داخله يريد أن يغفو فوق ساقيها مثل الطفل الذي يحتاج الرعاية والحنان.
تسللت أنفاسه ثقيلة وكأن صدره يضيق ثم أطرق رأسه يخفي عينيه التي لمعت بدمعة يلوم نفسه
إزاي بعد السنين دي كلها لسه مش قادر أقولك كلمة واحدة من قلبي! كلمة يمكن تطيب جرحك اللي أنا جزء منه!..
اقتربت منه ميرال في خفة لتقطع شروده وهي تبتسم
هي كمان محتاج اللي بتفكر فيه.
رمقها سريعا كأنه كشف أمامها فجأة ثم انحرف بوجهه ناحية الطاولة يلتقط كأس الماء يبتسم ببرود زائف
ادي الهدية ليوسف يقدمها لماما ياميرال.
سحبت المقعد وجلست بجواره
يوسف هيقدم هديته بلاش تحرم فرحة ماما بكدا ياالياس علشان خاطري شوف أرسلان وإسلام عاملين إزاي حواليها مش كفاية حتى ماوقفتش وقولتلها كل سنة وإنتي طيبة. 
نهض من مكانه وسحب هاتفه 
انا هعمل مكالمة دقايق وراجع.
بعد عدة ساعات جلس أمام المسبح يتناول قهوته يتأمل انعكاس الأضواء على سطح الماء حتى اخترقت سكونه خطوات بطيئة مترددة..التفت يظنها ميرال لكنه وجدها غادة فالتفت مرة أخرى..
اقتربت وجلست بجواره متعمدة أن تختار مقعدا 
ممكن أتكلم معاك شوية
اكتفى بإيماءة صامتة وبقي على وضعه فبدأت كلامها وبصوت يرتجف
عارفة مهما اعتذرت يمكن ماتقبلش اعتذاري بس أنا زي أي بنت حبيت وكان نفسي أتجوز اللي قلبي اختاره..من أيام المعيد في الجامعة وأنا حاسة إنك بتخنق علاقاتي.
التفت إليها بذهول نظراته تشتعل غضبا
أخنق علاقاتك لما أخاف عليكي وأحاول أحميكي أبقى بخنقك أنا كنت بتعامل كأخوكي الكبير خايف على مصلحتك..دلوقتي بقت خنقة!
ارتجفت شفتيها وهي تهز رأسها باكية
ماهو كان بيحبني ياإلياس وإنت رفضته من غير سبب..بص عليا دلوقتي داخلة على التلاتين ومابقاش عندي نفس للحياة كل مرة أحب واحد تضيعه مني.
ضاقت عيناه بعصبية وارتفع صوته حد الصاعقة
اخرسي ياغادة بدل ماأقوم أخنقك بإيدي وأرتاح الحيوان اللي كنتي مفكرة إنه بيحبك كان طمعان فيكي واخدك سلم..كان على علاقة ببنت خالته وأنا سكت وقتها علشان ما أكسرش قلبك..وأهو بعد شهر من رفضي له اتجوزها.
شهقت ببكاء مع ارتجاف بجسدها وأردفت من بين بكائها
طيب ليه ياإلياس هو أنا وحشة قوي كدا
استدار إليها بكامل جسده عيونه تتأملها بحرقة وشعر بانقباض صدره وكأن الوجع يخنقه
مين يقدر يقول عنك كدا! إنتي أحسن بنت في الدنيا كلها..ربنا يمكن شايل لك حاجة أحسن من اللي ضاع.
أطرقت برأسها ودموعها تتساقط بحرارة ثم همست بمرارة كسكين غاص في قلبه
بس ياإلياس..أنا لقيت الأحسن وبرضو كالعادة..أنتوا ماسيبتونيش أعيش حقي البسيط.
هنا تجمد وجهه وشعر أن الكلمات غرزت في صدره أعمق من أي طعنة.
سحب إلياس كما من الهواء بعدما شعر باختناقه وحاول أن يسيطر على انفعالاته
غادة اسمعيني كويس..في الأول لازم تقتنعي بالكلمتين اللي هقولهم أكتر حد هيخاف عليكي إحنا أنا وإسلام وبابا..يعني مستحيل نكون شايفين سعادتك ونرفض.
رمقته بعين دامعة وقالت بعناد
ماله طارق بس ياإلياس! قولي عيب واحد فيه..لو كان ابن راجح..طيب 
ماهي ميرال بنت راجح.
انتفض بعصبية وصوته علا كالسوط
اخرسي يابت وفوقي لنفسك إنتي مش صغيرة علشان أقولك ألف أرنب.. إيه دليلك إن ميرال بنت راجح علشان شهادة الميلاد وريني إثبات..طيب ماأنا نفسي ابن جمال وشوفي أنا فين ومين قاعد معايا هتعقلي ولا أفتحلك سواد
تحدته

بنبرة متقطعة
طيب فهمني ياعاقل ياكبير..اعتبرني غبية وعايزة أفهم الأرانب اللي بتسخر مني بيها.
زفر بقوة حتى شعر أنه يريد أن يلطمها فمسح على وجهه بغضب يحاول كبح انفلات أعصابه..ثم قال بنبرة حاسمة
الأول أنا مش بعيب في طارق علشان ماأظلموش..هو من حقه يعيش حياة سوية ومن حقه يلاقي بنت الحلال.. بس مش بنت مصطفى السيوفي.
فتحت فمها لتعترض فأشار إليها بالتوقف
ماتقطعينيش..طارق كان سوابق بالبلدي كدا..له ملف عند الحكومة ومش أي ملف.. حاجات زفت على دماغه ودماغ راجح ورانيا ربنا يجحمهم يارب أنا مش بقول إنه وحش بالعكس..نضف وتاب وربنا بيقبل التوبة بس مش مع بنت مصطفى السيوفي..حياتك بعد كدا هتتدمر.
تجمدت في مكانها وهو يكمل بعينين متقدتين بصلابته المعهودة
أنا مش بقولك عيب في طارق كإنسان.. أنا بتكلم عن مستقبلك عن ولادك.. عارفه يعني إيه مش هيلاقوا أي فرصة في شغل محترم بالدولة..أقرب مثال..أنا وأرسلان شفتي كنا فين وبقينا فين..مع إننا مالناش ذنب..بس لأن راجح عمنا ورانيا بنت عم ماما فريدة..
توقفت دموعه في مقلتيه وهو يهمس بحرقة
أنا من جوايا موجوع..كان نفسي ابني يدخل نيابة أنا
شغلي كان حياتي كلها وإنتي مكنتيش بعيدة وشايفة حصل إيه حتى أقرب حقوقي إن أخلي ابني يكمل مسيرتي بس خلاص..حتى دا ما بقاش ينفع آخره طب أو كلية عادية.. وياريت الموضوع يبقى تعليم ووظيفة وبس دا نظرات الناس ياغادة.. مجتمعنا مابيقولش إنت عايش لنفسك. وشفتي ميرال..إيه حصلها من فكرة الناس هيعايروا ابنها بجده ماتبقيش غبية طيب هي انجبرت على الحياة دي..
حنى رأسه قليلا وتابع بصوت انكسر داخله
علشان خاطري..فكري كويس اعرفي إنك مش في سفينة لوحدك..أنا كدا كدا مش هستفيد حاجة خلاص ضعنا ومبقاش قدامنا غير شغلنا الخاص مايغركيش ضحك أرسلان وهزاره دا بيهرب من مرار وبيحاول يتعايش إحنا انجبرنا كلنا ومش هقدر أقول بسبب حد معين بس دي أقدارنا ولازم نقبلها بكل رضا وبرجع وبرضه أقولك بحق إني أخوكي الكبير وإنك بنت الراجل اللي مهما أشكر ربنا عليه مش هوفيه حقه كفاية إنه عمل مني إلياس بغض النظر بقى عن إنه سيوفي أو شافعي المهم خلاني راجل محترم..وأنا رفضي مش عيب في طارق..لكن دا قانون وإنتي أكيد عارفة لو أي قضية سياسية اتفتحت... هيسحبوه من بكرة.
سحب أنفاسه محاولا أن يخفف من اختناقه ثم قال بصوت حاد لكنه مبحوح
وبعد دا كله مينفعش نتغاضى عن كدا ذنب باباكي إيه تكسري فرحته بيكي أنا لحد دلوقتي مااتكلمتش قدامه ولا يعرف حاجة..بس صدقيني..وقتها هتشوفي مصطفى السيوفي واحد تاني خالص..وممكن يتخلى عني أنا شخصيا.
هزت رأسها بانفعال ونطقت بصوت متهدج بالبكاء
يعني علشان غلط زمان..يفضل طول عمره شايل أغلاطه
نصيبه يابنت مصطفى..زي مانصيبنا كلنا اتحرمنا من حياتنا..وفرضنا على نفسنا شخصيات تانية بنتأقلم معاها.
نهضت من مكانها تتلفت حولها بتيه وضياع ثم همست وكأنها تحدث نفسها
معقول فيه حياة تبقى كدا معقول الشخص يفضل شايل ذنوب غصب عنه طول حياته
اقترب منها
لو ماكنتيش بتحبيه..ماكنتيش قولتي كدا..بس للأسف طارق مش مجرد ابن راجح الشافعي..دا كان دراعه اليمين.. ولولا تدخلي كان لسه في السجن لحد دلوقتي..وعلشان ماتبصليش بالشكل دا..يزن برضه ابن راجح بس فيه فرق كبير فرق زي المشرق والمغرب..ما تخليش قلبك يغمي عيونك عن الحقيقة..إحنا في مجتمع مابيرحمش زي ماسمعتي من ميرال الواحد يموت ولا يكون ابن لشخص زي دا.
صرخت بخفوت يائس
بس أنا بحبه أوي ياإلياس..وهو بيحبني..وإنت شوفت ماقدرتش أكمل مع أي حد تاني وهو جوايا
وأنا قلبي وجعني عليكوا أنتوا الاتنين.. بس إيدي قصيرة مش قادر أعمل حاجة..أبوكي ممكن يموت فيها.. ساعات..لازم نتنازل علشان غيرنا..هتتوجعي دلوقتي شوية أهون من وجع العمر كله أنا خايف عليكي..والله خايف عليكي.
غادة مش ضعيفة...أنا متأكد إنك قوية وهتعرفي تعدي المحنة دي.
أبعدها قليلا ثم قال محاولا التخفيف
ابتسمت من بين دموعها وهمست
يابختها بيك.
نقي بقى لحد مانطلق..
أفلتت ضحكة مشوبة بالدموع قطع حديثهما دخول إسلام
إلياس شوفت أرسلان
أشار برأسه نفيا ورد ببرود متعمد
يمكن في الحديقة..شوفه ورا.
رمق غادة بنظرة عابرة قبل أن يتحرك.. اقتربت منه بخطوات مترددة همست
زعلان مني..ومش عايز يكلمني.
حقه وحقه كمان يكسر رقبتك يلا روحي شوفي ميرال فين وابعتها لي.
أطرقت رأسها وقالت بخفوت
حاضر.
خطت خطوتين فتوقفت بعدما قال خلفها بنبرة حاسمة
غادة..بكرة تروحي تتكلمي مع طارق لآخر مرة..وبعد كدا مش عايز أسمع اسمه تاني ومش معنى إني كلمتك دلوقتي إني سامحتك. لأ..أنا بس وريتك غلطتك.
أومأت بصمت ومضت وهي تهمس لنفسها
عارفة ياإلياس.
بجانب آخر من الحديقة جلست ملك أمامه كالمذنبة تستمع إلى كلماته التي كانت كالسوط يجلدها..رفعت عينيها المبللتين بالدموع همست برجاء
اعتذرت له..بس هو لسه زعلان مني أوي.
أجاب ببرود وصوته يقطر قسوة
حقه وقلتلك قبل كدا..حقه يطلقك من غير تفكير يمكن إنتي شايفة الموضوع بسيط بس صدقيني..مؤذي أوي لأي راجل.
تعلقت بعينيه برجاء آخر
طيب..ممكن تكلمه
نفث دخان سيجارته عيناه تتابعان غرام وهي تقترب تحمل له فنجان القهوة وقال بفتور
هكلمه ياملك..مش علشان طلبتي.. علشان ماما صفية الله يرحمها كانت دايما توصيني عليكي.
انزلقت دموعها أكثر هزت رأسها بمرارة
أنا ليه ماعدتش حاسة إنك أخويا ليه بقيت حاسة إنك بتعاملني كعدوة
تدخلت غرام سريعا تضع الفنجان أمامه
إيه الكلام دا ياحبيبتي أبدا..مين قال كدا
أشار لها بحدة
غرام..شوفي الولاد فين.
فهمت قصده فنهضت دون نقاش.. عاد ينظر إلى ملك صوته يزداد حدة
أنا لو بعاملك كعدوة..كنت صقفتلك على غلطك لكن أنا مش كدا..الغلط عندي غلط كان عندك فرص أحسن من كدا أولها..إنك كنتي تجيلي قبل ما تعملي مصيبتك.
ارتجفت شفتاها بينما هو يتابع بلا رحمة
لما إنتي عارفة إني موجود ليه ما كلمتنيش مش هقول أنا..ماما كانت موجودة غرام كانت موجودة..لكن لا..اخترتي تستخدمي عقلك الخبيث علشان تسكتي ضميرك ورحتي للشخص الغلط.
مال للأمام اتكأ على المنضدة عيناه تغوصان في عينيها حتى ارتبكت
وجاية دلوقتي تبرري جرمك عايزة مني أساعدك علشان لو ساعدتك تقتنعي إنك مش غلطانة علشان عارفة أرسلان مابيسكتش عن الغلط.
تسمرت مكانها بذهول..كيف عرف مافي أعماقها كيف التقط مالم تعترف به حتى لنفسها.
ارتسمت بسمة مرة على شفتيه ثم غرز عينيه بأعينها وهو يقول ببطء
ملك..ماتحاوليش تستغبيني زي زمان لما شاركتي بنت عمتك وسقطوا غرام وأنا أخدتها يومها بدافع الغيرة.. غيرتك على أخوكي من مراته.
ارتعشت أنفاسها وكاد قلبها يقفز من صدرها وهو يواصل
وسكت..ودا كان أول غلط ليا لو كنت عاقبتك وقتها ماكنتيش اتماديتي لحد ما تعملي جريمة زي دي.
شهقت ملك بفزع ابتعدت بظهرها للخلف وهي تهمس مرتجفة
جريمة!
صاح أرسلان بغضب كالرعد
أيوة.. تبقى إيه يامدام! وبلاش بقى حجة إنك صغيرة..الصغيرة ماتفكرش في شغل الشيطان دا.
انفجرت دموعها لتسيل على وجنتيها بلا توقف وفي تلك اللحظة كان إسلام قد وصل استمع لجزء من الحوار فاتسعت عيناه ألما..انحنى إليها برفق وهمس بصوت متحشرج
خلاص ياأرسلان..ملناش نصيب فيه.
قفز أرسلان واقفا وقال بوجع
عارف..عارف إنه مالكوش نصيب فيه بس أنا بحاول أعلم أختي إزاي تحافظ على النعم..مش تضيعها.. بحاول أنقذها من نفسها قبل أي حد.
رمقه إسلام بعينين دامعتين لكن أرسلان تابع بصوت متصدع
وكفاية قسوة ياابن الناس..أدوا نفسكم فرصة تانية..وربنا يعوضكم بدل البيبي..اتنين وتلاتة.
لم تجب ملك كانت كالعصفور المكسور الذي حاوط كتفيها بحماية حانية ثم تحرك بها مغادرا المكان.
أما أرسلان فتراجع إلى المقعد دفن رأسه بين كفيه يئن داخله نادما على قساوة كلماته..لكنه أيقن أن صراحته كانت السوط الأخير الذي لا مفر منه.
بعد فترة دلف إلياس إلى داخل الفيلا ساد المكان هدوء غريب عقد حاجبيه تمتم متسائلا وهو يضيق عينيه
معقول يكونوا ناموا
صعد درجات السلم بخطوات ثابتة لكن توقف فجأة عند سماع ضحكات عالية تأتي من الأعلى. شد أنفاسه وتابع الصعود حتى دلف إلى الصالة ليجد الجميع يلهون مع بعضهم البعض
كان أرسلان يجلس متكئا والضحكة تعلو وجهه بينما يوسف وبلال يتنازعان بمرح وضحكات بريئة تملأ الأجواء.
تجمد الجميع لحظة دخوله كأنهم ارتكبوا جرما. توقفت ميرال عن الحديث وحدقت به بقلق
اتأخرت ليه.. دا كله تحت!
رمق أرسلان باستخفاف متعمد وقال ساخرا
أجبلك الببرونة عدل قعدتك يا بغل.
قهقه قائلا
لتكون غيران..!!
استدار إلياس يستغفر ربه يخفي غضبه بكلماته الثقيلة
الساعة اتنين.
.. مش ناويين تناموا إيه يا مدام فريدة! أومال لو مش بيقعدوا هنا أكتر من بيوتهم!
رمقته ارسلان بحدة
دمك بارد... إيه اللي جابه دا دلوقتي
رفع يوسف حاجبيه بدهشة يحاول أن يتدخل
مش حضرتك يا عمو لسه بتقول لبلال لازم يسمع كلام الكبار ويحترمهم
اعتدل أرسلان يرمقه بنظرة متحدية وغمغم بحدة
عايز إيه يا ابن إلياس أنا أخلص من أبوك تطلعلي انت
اقترب يوسف بخطوات صغيرة وانحنى أمامه بخجل طفولي صوته يحمل رجاء صافيا
يا عمو... عيب بابا اكبر من حضرتك
هب من مكانه ..ولكن ركض يوسف يضحك ..إلى أن اصطدم بضي صرخت ..ليهب الجميع من جلوسه مهرولا للخارج 
اعتدل يوسف سريعا بخروج إلياس من غرفته على صوت بكاء ضي 
ضي انا اسف مشفتكيش
هرول ارسلان على بكاء ابنته 
حبيبتي فيه ايه..!!
كانت تضم ساقيها تتألم..رفعت عيناها إلى يوسف الذي يطالعها بأسف واردفت 
وقعت يابابا ..مااخدتش بالي وانا ماشية 
استدار يوسف واتجه لغرفته دون حديث واليأس يراقب المشهد من بعيد إلى أن صاح 
ميرال شوفي يوسف شمس ياله يابابا الوقت اتأخر
مضت ساعتان حتى أقيمت صلاة الفجر. عاد إلياس من المسجد وصعد الدرج بخطوات مرهقة لكن عينيه التقطت ضوءا خافتا يتسرب من الغرفة الصغيرة التي اعتادت فريدة أن تتعبد فيها.
غير اتجاهه مترددا ثم دفع الباب بهدوء.
كانت قد انتهت من الصلاة وجلست تقرأ وردها المعتاد. التفتت مبتسمة تظن أنه مصطفى لكن ابتسامتها انطفأت فجأة وجسدها تجمد وهي تراه واقفا عند الباب... عيناه تقولان كل ما عجز لسانه عن البوح به نظرات حنين واحتياج لم يقدر أن يخفيها عنها.
وضعت المصحف على الطاولة وجلست صامتة تنتظره.
اقترب منها ببطء جلس بجوارها وصوته خرج مترددا
زعلانة
همست وهي مازالت مثبتة نظرها على الأرض
يمكن.
كل سنة وانتي طيبة.
وانت طيب.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
مالك يا مدام فريدة... من شوية كان صوت ضحكك مالي الفيلا كلها.
التفتت إليه بعين دامعة
يعني مش عايزني أكون سعيدة معاهم دي مجرد دقايق استكترتهم علي بدل ما تقولي هرجع أعيش معاكي!
سكت طويلا حتى همس بنبرة ثقيلة متكسرة
شايفة إن دا ينفع
أنا شايفة إني أمك... ومن حقي عليك. ولا أنا مش أمك يا ابن جمال
رفع عينيه إليها فالتقت عيناهما في صمت موجع وارتجفت نظراته وهو يبوح لأول مرة
طيب لو قلتلك... أنا تعبت من كل حاجة. بقالي فترة بضغط على نفسي علشان كل اللي حوالي بس طاقتي خلصت. تعبان يا ماما... تعبت أوي ومش قادر أتنفس. بحاول أبان قوي... بس مش قادر.
شهقت بحرقة. انسحب كما كان يفعل طفلا وهمس كالموجوع
مخنوق... وبحاول أقاوم... بس تعبت.
ودموعها انسابت بصمت
تعرف من إمتى
ما نمتش كدا على حجري
أغمض عينيه ودمعة ثقيلة تسللت رغما عنه. تمتم مكسورا
سامحيني.
وهمست وهي تختنق بالبكاء
أنا عمري ما زعلت منك... يا حبيبي
قاطعهم حوار عال بين مصطفى وأرسلان في الخارج فاعتدل سريعا مسح على وجهه وفتح الباب وغادر في صمت تاركا قلبها يصرخ من ضعفه بتلك الطريقة همست لنفسها
كنت عارفة موت رانيا مش اخر الوجع يابن جمال
بعد اسبوع
جلس الجميع بقاعة الحفل المقررة لاختيار المواهب كانت القاعة قد بدأت تمتلئ بالحضور..
دقائق معدودة.. 
ارتفعت الستارة ببطء لتخرج ضي بخطوات خفيفة كأن الأرض لا تكاد تشعر بوطئها.
تناثرت خصلاتها حول وجهها المستدير وابتسامتها البريئة تلمع كضوء القمر.
مدت ذراعيها الرقيقتين في الهواء ارتفعت على أطراف أصابعها بخفة كفراشة تحاول التحليق بعيدا عن قيد الأرض.
كانت تدور برشاقة تنحني بجسدها الصغير في انسياب تام تارة تفتح ذراعيها كطائر يرفرف بجناحيه
قفزاتها الصغيرة لم تكن مجرد حركات مدروسة بل كانت نغما صامتا ينساب مع موسيقى خيالية لا يسمعها سوى قلبها.
تقدمت بخطوات قصيرة سريعة ثم استدارت بحركة لولبية ثوبها الأبيض الخفيف يتطاير حولها كغمامة هاربة..
وعندما توقفت فجأة مدت ذراعها اليمنى إلى الأعلى ورأسها مائل بخجل وكأنها أميرة صغيرة تحيي جمهورها بابتسامة نقية.
تصفيق الحاضرين دوى لكنها ظلت في عالمها الصغير لا ترى سوى فرحة والدتها ولا تسمع إلا خفقة قلبها.
بعد دقائق خرجت ومازالت أصوات التصفيق تتردد في أذهان الجميع.
وصلت ضي بزي الباليه تجمع خصلاتها بخجل وابتسامتها مازالت مرتسمة على وجهها.
نطق بصوت دافئ كالنسيم
حبيبة بابي..إيه الجمال دا! فراشتي الصغيرة.
بينما بلال يصفق لها ويبتسما
برافو حبيبة عمو.
هنا اعتدل يوسف بخطوات سريعة واقترب بملامح مشدودة وقال بصوت يقطر اعتراضا
هو حضرتك إزاي توافق على حاجة زي دي!
التفت إلياس لصوت ابنه الحاد ووقف بجمود
في إيه يايوسف
ارتفع صوت يوسف كأنه ينفجر من الداخل
هو عادي إن البنت تتحرك كدا قدام الكل!..أومال ليه بتعلمونا القيم والأخلاق!
تدخلت ميرال بسرعة تحاول تهدئة عاصفة طفلها قبل أن تشتعل
يوسف دي ضي صغيرة..
لكن انتفض ورمقها قائلا
صغيرة إزاي ياماما! عندها خمس سنين مثلا دي مش تلاتشر سنة حتى لو صغيرة أنا لو شمس عملت كدا قدام الناس مش هرضى.
تحاول سحبه
حبيبي..دي لسة طفلة والباليه لعبة بتحبها وبعدين باباها موافق
قهقه الياس بسخرية خفيفة يحاول كسر حدة ابنه المتطفل
مالك يابن إلياس اللي يشوفك يقول راجل ودمك حامي..دي لعبة يايوسف!
ارتجف يوسف من الغضب وقال بصوت أثقل من عمره
لأ دا مش لعب يابابا إنتوا بتحرفوا الكلام أنا مش عيل ولا طفل..أنا راجل ومش من حق حد يقلل مني.
قاطعه صوت إلياس كالصفعة
يوسف على العربية حالا زي ماعمك قال..إنت لسة صغير وملكش كلام على حد.
نظر يوسف إلى ضي وجدها ميرال بخجل وارتباك..
ابتسم بمرارة وكأن جمرة تغلي في صدره
خلاص..إنتوا موافقين بس أنا لسة مصر إنه اسمه رقص..باليه ولا غيره في الآخر
هنا انفجر إلياس صارخا عيناه تتقدان غضبا
يوسف أشار إلى السيارة بحزم
اركبوكفاية تتكلم في اللي ما يخصكش.
استدار يوسف بصمت عيناه تغلي خطاه عنيفة وصوت باب العربية وهو يغلق خلفه كان أشبه بصرخة مدفونة.
بعد فترة.. 
ترجل من سيارة والده بعنف ثم هرول إلى الداخل بخطوات سريعة يهرب من مواجهة والده توقفت ميرال عند الباب تنظر إليه برجاء وعيناها تتوسلان إليه
علشان خاطري ياإلياس بلاش تنكد عليهم.
قالتها بصوت خافت.
استدار إليها بعينين تشتعلان غضبا وهتف بصوت حاد كالسياط
متعرفيش تسكتي لما أطلب منك تتكلمي يبقى تتكلمي.
تحرك إلى الداخل وجسده كله ينتفض كأنه يسير فوق بركان مشتعل..
في أعلى الدرج كان يتحرك متجها إلى غرفته صاح إلياس بصوت جهوري أوقفه كأنما صدم بحائط
اوقف عندك!
تجمد في مكانه ويده تضغط بقوة على سياج الدرج كأنه يحاول ألا يواجه والده..أخذ إلياس نفسا عميقا ثم ألقى كلماته بحدة وكأنها طلقات رصاص
تعال اوقف قدامي بص في عيوني وقولي إنك مغلطتش.
تردد لوهلة ثم عض شفتيه بقوة مجبرا نفسه على السير حتى وقف أمام والده مباشرة نظر إليه بعينين تضجان بالتحدي رغم رعشة خفية في أطرافه ثم قال بصوت ثابت لكنه يحمل ارتجافا طفيفا
أنا مغلطتش يادادي.
وكأن نطقه لتلك الكلمة كانت القشة التي قصمت ظهره جز إلياس على أسنانه واشتدت قبضته حول ذراعه أردف بزئير غاضب
من إمتى وإنت بتقول دادي دي
أخفض عينيه للحظة قبل أن يهمس سريعا كأنه يصلح خطأه دون اقتناع
سوري..بابي.
هنا انفجر إلياس غضبا ثم التفت إلى ميرال بغضب يشير إلى ابنه باشمئزاز
إنتي بتربي ولد ولا بنت مين دا إنتي بوظتي الولد 
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة كأنها تعودت فلم تحرك شفتيها بحرف.. لكنه لم يكن ليقبل صمتها استدار إليها بجسده بالكامل عيناه تضيقان في شك
مابترديش ليه
بهدوء تقدمت حتى باتت قريبة منه ثم التفتت إلى يوسف تحدثه بنبرة هادئة لكنها تحمل في طياتها أمرا خفيا
يوسف اعتذر من بابا وقوله ليه عملت كده.
ضيق عينيه بحدة مرددا بسخرية 
لا والله
رفعت حاجبها
آه والله ممكن نتكلم بعدين مش قدام الولد.
تقدم يوسف خطوة نظر مباشرة إلى والده ثم قال بصوت ثابت رغم دقات قلبه المتسارعة
لو حضرتك قابل إن بنت عمي تلبس بالطريقة دي أنا مش موافق..وقلت كده لعمو أنا مش موافق إنها تتدرب باليه.
اتسعت عينا والده وكأن الكلمات صفعة غير متوقعة..رمقه بنظرة باردة قبل أن يقول بسخرية لاذعة
نعم ياأخويا! وإنت مين عشان تتدخل في حياة بنت عمك
ثبتت قدماه على الأرض عيناه تشتعلان بإصرار ونطق 
حضرتك جاوبت على نفسك يابابا..أنا ابن عمها وحضرتك علمتني إن الراجل الصح بيغير على أهل بيته.. وأنا طول ماهي كده مش هحترمها وهعمل فيها أكتر من اللي عملته النهاردة.
التفت إلياس إلى ميرال يشير إلى ابنه خرج صوته مشدودا كوتر على
وشك الانقطاع
الواد ده بيقول إيه
تنهدت ميرال بصمت لكنها لم تقل شيئا وكأنها تعرف أن النقاش الآن لن يؤدي إلى نتيجة.
أما يوسف فقد انحنى لوالده بحركة أشعلت نيران غضب إلياس ليردف بنبرة هادئة رغم عينيه المتحدية
على السمع والطاعة إلياس باشا..قالها واستدار قائلا
bonne nuit père
ليلة سعيدة بابا..قالها وتحرك للأعلى وكأنه لم يقل شيئا ليلتفت الآخر إلى ميرال 
دا شهر اللي بعدته أومال لو بعدت أكتر..ألقت حقيبتها على المقعد واقتربت منه 
مستغرب ليه..ابنك وشبهك ياحبيبي وأنا متأكدة لو إنت شايف كلامه غلط مكنتش سبته يطلع عادي كدا هو أنا كنت متحملة واحد لما يبقوا اتنين..والله العظيم المفروض يبقالي تمثال في ميادين القاهرة يالهوي الواد وأبوه. 
خطا متحركا بخطا سلحفية وعيناه ترسمها يشير إلى نفسه
مش عارف ليه شامم ريحة تريقة في كلامك أبوه مش عاجبك أفلتت ضحكة رغما عنها تهز رأسها وأردفت
شامم لا والله كدا كتير لا أنا كدا اطمنت على مستقبلي
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
الوداع لا يكتب إلا على من أسرته العيون
أما من أحب بروحه وقلبه فلا انفصال بينه وبين محبوبه.
فالعاشق لا يسكن قلبه إلا إذا انعكس عليه وله الآخر
والحب حين يشع نوره في قلب ما
فذاك صدى من قلب آخر يبادله العاطفة في الخفاء.
جلال الدين 
بغرفة يوسف.. 
ظل يدور حول نفسه يمسح على رأسه بغضب يريد أن يقتلع شعره استمع إلى طرق على باب غرفته ثم دخول شمس..توقفت تراقب حالته بصمت موجع للحظات ثم أردفت
_ يوسف أنا زعلانة منك..حدجها بنظرة ثابتة تحدثت
ليه زعلت ضي إنت وحش عيطت كتير.
_ شمس روحي على أوضتك أنا مصدع.. 
طالعته بنظرة حزينة ثم قالت
_ هتزعقلي أنا كمان أنا زعلانة منك.. قالتها وتحركت مغادرة..
تأفف بضجر أنفاسه تسارعت بقوة حتى شعر بوقوف نبضه مما جعله يفتح باب الغرفة ويتحرك للخارج.
بمنزل أرسلان.. 
دثرتها غرام جيدا وتحركت مغادرة وجدت أرسلان يقف بالشرفة ينظر بشرود.. ربتت على كتفه ثم توقفت بجواره
_ متزعلش من يوسف هو عنده حق ودا اللي حاولت أفهمه لك البنت كبرت وإنت شوفت دا بعيونك. 
استدار إليها 
_ إنتي عارفة أنا كنت رافض بس هي صعبت عليا محبتش أكسر فرحتها غير إنها وعدتني هتكون آخر مرة هي كانت عايزة تثبت لنفسها إنها تقدر تعمل حاجة بتحبها وتنجح مشفتيش فرحتها كانت إزاي..
_فاهمة قصدك ياأرسلان بس البنت مبقتش صغيرة وهي مش فاهمة حاجة. 
_ حبيبتي فيه حاجات لازم تخلي الولاد هم بنفسهم يكتشفوا إنهم غلط أما لو عاندتي عقلها مش هيفهم غير إنك بتحجري عليها وبتخنقيها علشان كدا أنا سبتها براحتها وماردتش أمنعها ممكن أكون غلط بس النتيجة اللي كنت منتظرها حصلت وأنا متاكد بعد النهاردة هتنسى موضوع البالية دا خالص.
ضيقت عيناها بتساؤل
_ إنت قصدك إيه مش فاهمة.
نظر أمامه وأردف
_بكرة تفهمي أقصد إيه. 
_أوعى يكون فهمت صح.
تنهد ولم يرد توقفت تنظر إليه بذهول
_ معقول إنت اتفقت مع يوسف!.. قاطعهم صوت يوسف وبلال بالخارج..
نهض واتجه اليهما..دلف يوسف للداخل وجد أرسلان واقفا متخصرا..
اقترب منه بخجل
_ أنا آسف مكنش قصدي أزعق وألغي وجود حضرتك أنا مكنتش فاهم كلام حضرتك لما قولتلي لو شوفت بنت عمك بتعمل غلط هيكون ردك إيه متوقعتش الغلط يكون في كدا.
هز أرسلان رأسه وأردف 
_أنا زعلان وزعلان أوي طريقتك غير لائقة بتربيتك طيب مابلال كان معترض هل عمل اللي إنت عملته..ولا قبل مانغضب ونسمع الناس صوتنا نفكر بعقلنا إزاي نتعامل مع الموقف.
تحرك بلال الى جانب والده
_ ضي كانت مصممة على الباليه ماما حاولت تقنعها تغير رأيها وأنا كمان بس هي افتكرت إننا بنمنعها علشان ماتبقاش زي صاحبتها..
بابا ساعتها طلب مني أسكت وما أجادلش لأنها ماكانتش مقتنعة بكلامنا..نظر الى والده وتابع حديثه
علشان كده..أنا ماقلتلكش الحقيقة عن موضوع الحفلة وقلتلك إنها حفلة لتقديم الشعر..ماكنتش متأكد من رد فعلك وخفت تزيد في عنادها خصوصا إنها رافضة تسمع مني أصلا..
كنا عايزنها هي اللي تبعد بنفسها.
توقف لحظة وأردف بنبرة مهتزة وهو ينظر في الأرض
_ آسف ياعمو..عارف إني غلطت بس بالله ماتزعلش مني.
باليوم التالي
خرجت غادة من عملها واتجهت مباشرة إلى شقة طارق بعدما علمت بعودته من الخارج..توقفت سيارتها أسفل المنزل القديم الذي كان يقطن فيه قبل انتقاله إلى كمبوند آل الشافعي..ترجلت بخطوات مترددة التفتت نحو مالك الذي كان يجلس خلف المقود
عشر دقايق ومش هتأخر..متبعدش.
لم يرفع عينيه
 

 


إليها اكتفى بفتح هاتفه يتصفحه ببرود..صعدت درجات المنزل وضغطت على الجرس عدة مرات حتى فتح الباب.
_ عامل إيه ياطارق بتصل بيك وتليفونك مقفول عايزة أتكلم معاك.. هستناك في العربية لازم نتكلم.
لم تكمل جملتها ليقاطعهما صوت أنثوي من الداخل
_البيتزا وصلت ياطاروقة.
_ حبيبي مش قولت دا بتاع الدليفري
شعرت غادة أن الأرض تميد تحت قدميها وأن روحها تنفصل عن جسدها..لحظة مميتة كأن صدرها ينشق بشهقات لم تخرج..تجمعت الدموع في عينيها ثم رفعت بصرها إليه بصوت مختنق
_ ليه بالسرعة دي هو أنا كنت غلط يعني كلامهم طلع صح!.
حاوطها بنظرات اشتياق تنبثق من عينيه 
انتي عايزة ايه ياغادة احنا مش هننفع لبعض ودي حياتي من قبل مااعرفك حاولت اغير من نفسي بس معرفتش
هنا انهارت دموعها انسابت بغزارة حتى حجبت الرؤية عنها استدارت سريعا تخطو بخطوات واسعة متعثرة كأنها تهرب من خنجر انغرس في صدرها..وجهها غمرته الدموع ولم تعد ترى الطريق أمامها سوى بعينين غارقتين .. استقلت السيارة بجسد يرتجف بشهقاته
_ امشي يامالك بسرعة.
رفع عيناه في المرآة ينظر إليها بتفحص بعدما استمع إلى صوتها الباكي التفت إليها سريعا 
فيه إيه إيه اللي حصل. 
صاحت فيه بغضب بعدما رأت قدوم طارق 
_ بقولك امشي مابتفهمش.
قاد السيارة بصمت..دون أن ينطق بحرف واحد.
بعد فترة توقف أمام النيل استدار برأسه نحوها بصوت منخفض
_ لو حابة تقعدي شوية هنا.
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع تحدق فيه بصمت مثقل قبل أن تلتفت لتفتح باب السيارة بيد مرتعشة وترجلت منها..بدأت تخطو خطوات متعثرة كالتائهة وسط دوامة من الألم ثم توقفت فجأة تسمح لقلبها أن ينفجر..انفجرت بنشيج مرتفع يهز سكونها المميت حتى فقدت توازنها وسقطت على ركبتيها تبكي بلا توقف.
أغلق هاتفه سريعا بعدما أنهى حديثه مع إلياس ثم ترجل من السيارة بخطوات مسرعة بعدما وجد حالتها مشيرا لسيارة الأمن الأخرى بالابتعاد عن المكان كأنه أراد أن يترك لها مساحة للانهيار بعيدا عن العيون.. اقترب منها يساعدها على الجلوس عيناه تلتقطان كل دمعة تهوي من مقلتيها وقلبه ينفطر رغم صمته.
لم يقاطع بكاءها..ابتعد عنها بضع خطوات يتظاهر بأنه يمنحها حريتها لكن عينيه المرهقتين تتجولان بين الأفق وبين ملامحها ينظر بالأجواء بحذر رجل أمني ونظرات عاشق تتكسر روحه لرؤيتها في هذا الحال.
ظلت لفترة ليست بالقليلة تبكي حتى ضاع صوتها هنا انتصر القلب ليقترب منها جلس على الأرض قبالتها غير آبه بملابسه الرسمية .
همس بصوت مبحوح مرتجف رغم محاولته الثبات
_ لازم نرجع على البيت الوقت اتأخر..
قالها وتحرك الى السيارة ..ساعدها بالصعود ثم استدار إلى القيادة..
بعد دقائق رفع هاتفه وهاتف إلياس 
_هنروح عند إلياس باشا ودا الأفضل. 
لم ترد عليه ظلت تنظر للخارج بصمت موجع بعد قليل وصلت إلى منزل إلياس الذي كان بانتظارها اقترب من السيارة وساعدها بالنزول 
_ مالك شوف أرسلان محتاج إيه وإن شاءلله من بكرة سلم محمود فريق الأمن وإنت ارجع الشركة وشوف المطلوب.
تحت أمرك ياباشا. واستدار مغادرا..
بمنزل يزن.. 
جلس بجوار نجله ينهي معه واجباته استمع الى رنين هاتفه فتح الهاتف 
زيزو حبيبي. 
رد على الجانب الآخر 
عامل إيه ياأبيه وحشتني.
_أنا كويس حبيبي أخبارك إيه وإيمان وكريم عاملين إيه.
كلنا كويسين الحمدلله أبيه كريم اتعين بالجامعة أستاذ مساعد. 
أوووه مبروك..وإيمان عاملة إيه ويزن الصغير.
حلوين كلنا الحمدلله إن شاءلله هننزل إجازة آخر العام.
ترجعوا بالسلامة سلملي على إيمان وكريم.
قالها بدخول رحيل
_ العشا جاهز..التفت إلى آسر
خلصت حبيبي. 
أومأ وهو يمد يده إلى والده بدفتره
_ شوف كدا حضرتك أنا حليت زي ماحضرتك شرحت ودا تعبير عن الظلم شوفه كدا.
رفع دفتره للحظات ثم رفع عيناه إلى زوجته
_ دي ماما تشوفها بقى.
أمسكت الدفتر وبدأت تقرأ مادونه نجلها..لاحت ابتسامة على وجهها قائلة بفخر
_ ابنك

مستقبله وكيل نيابة إن شاء الله..لا دا تعبيره مرافعة بامتياز لتقرأ بصوت مرتفع
قالوا قديما العدل أساس الملك فحين يغيب العدل ينهار كل شيء ولو بدا شامخا للحظة..والظلم وإن طال لا يملك الخلود..لأنه يزرع شوكا في الطريق يعود ليمزق من غرسه..
الظلم ياصديقتي هو سواد يتسرب إلى الأرواح قبل العيون يسرق منها طمأنينتها ويتركها هائمة بين أوجاع لا ترى وجراح لا تضمد..هو أن يسلب منك الحق وأنت تعلم أنك على بينة 
فاعلم ياقارئي
دعوة

 

تم نسخ الرابط