كانها لي الحياه

لمحة نيوز

 

قائلا
_ضي قومي روحي ومتزعليش من يوسف حبيبتي هو شاب والشباب دايما بيكونوا منفعلين. 
_معملتش حاجة.
قالتها بنحيب باك تتقطع أنفاسها كأنها تخرج الألم مع كل كلمة..
انحنى أرسلان بجانبها كأن العالم انهار فوق كتفيه حاوط مقعدها بذراعيه وصوته يرتجف وهو يهمس
ليه ياضي ليه يوسف قال كده! أنا متأكد إنه مش بيكذب..احكيلي إيه اللي حصل ومين الشباب اللي يقصدهم
رفعت وجهها نحوه عيناها متورمتان دموعها تتساقط بلا توقف وقالت بصوت مبحوحا من البكاء
_بابا
قالتها كطفلة تستنجد من غرقها ثم تابعت وسط شهقات متلاحقة
كنت واقفة مع صحابي..بنتكلم عن عيد ميلادي..والله العظيم يابابا كنت بس يوسفيوسف
توقفت وانهارت شهقاتها حتى تعالت أنفاسها لدرجة الألم..
شعر أرسلان وكأن الأرض انسحبت من تحته جسده كله ارتعش وعروقه انتفخت بعنف مكبوت.. تراجع 
يتمتم بصوت متقطع بالكاد خرج من صدر يحترق
منين جاتله الجرأة يعمل كده!!
مد يده فجأة ورفع كفيها المرتجفتين وأردف بصوت غليظ كالرعد الذي يسبق العاصفة
_امشي من قدامي ياضي..امشي قبل ماأعمل اللي يوسف عمله
تجمدت عيناها تلمعان بالدموع وقلبها ينزف من الخوف من وجع والدها
نظرت إليه نظرة طويلة مرتجفة كأنها تقول سامحني دون أن تنطق
ثم التفتت نحو إلياس الذي كان يراقب المشهد بصمت ثقيل..
أشار إليها برفق ظاهري وبنبرة خافتة تحمل تحتها ألما خفيا
_ روحي دلوقتي ياحبيبتي..وأنا بتأسف لك نيابة عن يوسفمتزعليش منه خايف عليكي..وأنا بوعدك مش هخليه يقرب منك تاني وبالنسبة للي قاله متأكد دي نيته إنتي زي شمس يعني لو شمس عملت كدا كان دا رد فعله.
رفعت عينيها إليه بذهول موجع
كأنها تلقت طعنة ثانية لا تقل قسوة عن الأولى..
نهضت بخطوات متعثرة والدموع تحجب عنها الطريق قلبها ينفطر
وهي تسمع خلفها صوت أرسلان يخنق أنفاسه ركضت الى المنزل بخروجه يصطدم بها بعدما صعد وأبدل ثيابه..
توقفت تنظر إليه بخذلان..ترك ذراعيها وقال 
_على مهلك..كنتي هتوقعيني.
ابتلعت ريقها وأزالت دموعها بعنف تكره نفسها من ضعفها أمام أحد وخاصة أمامه سحبت نفسا تزفره بهدوء بعدما تحرك ولم يكترث لبكائها..
_دكتور يوسف. 
توقف يستدير إليها..لتقترب منه
_أنا مكنتش هسكت للولد بس رغم كدا بشكرك على تدخلك..دنت خطوة من وقوفه وطالعته بعيون مستاءة 
_شكرا لكرم أخلاقك ولإعادة التربية بس زي ماقولت بابا وبلال أولى بتربيتي ابعد عن قليلة التربية ويوم ماأفضح العيلة يبقى اتبرى مني..
قالتها وانسحبت من أمامه تخطو بخطوات واسعة ثم قامت بجذب حجابها وألقته على الأرض تدوس عليه بحذائها وتحركت إلى منزلها كل هذا وهو يراقبها بصمت ولم يغيب المشهد عن ميرال التي توقفت تتابع مايحدث..خطا الى الحجاب الملقى على الأرض لم يلفت انتباهه في بداية الأمر ولكن بعد نزعه بتلك الطريقة علم أنها أحرقت كل مايخصه اقتربت ميرال تجذب من بين يده الحجاب 
_سيبه هغسله وأبعته الواحدة لما تبقى مضايقة من حبيبها أول حاجة بتفكر فيها تحسسه بنارها ودا اللي عملته.
استدار إلى والدته
_ماما ضي مش حبيبتي قولتلك قبل كدا مليون مرة. 
_متأكد.. 
_وحياة ربنا مافي مشاعر ليها عندي أتمنى الموضوع دا يتقفل بلاش كلامك ونظراتك اللي بتحسسني إننا دايبين في بعض.
_يوسف..أنا أمك..وأكتر واحدة أفهمك.
_ماما مبحبهاش..صدقي بقى مبحبهاش..قالها واتجه إلى سيارته بعدما وضع الحجاب بكفيها.
بمنزل مالك.. 
تسحبت بهدوء من جوار طفلها ثم نهضت للخارج تسحب نفسا وهي تجمع خصلاتها وقعت عيناها على زوجها الذي غفى بنومه ..خطت إليه بهدوء تسحب طفلتهما فتح عيناه أومأت هامسة
_هدخلها أوضتها..قالتها وهي تحملها متجهة إلى الداخل بينما اعتدل بجلوسه يجمع ألعاب ابنته مع خروج غادة. 
_حبيبتي قومي نامي في الأوضة وأنا قدامي ساعتين لسة على الشغل. 
_لا هنام هنا علشان لو حد من الولاد صحي. 
_معرفش ليه مشيتي المربية طيب أنا وافقت في الأول علشان مكنش فيه غير فريدة بس دلوقتي معاكي ولد كمان. 
_محبتش نانا تربي ولادي يامالك عايزة أعيش تفاصيلهم.
قائلا بصوت خافت يغلبه القلق
_غادة الإرهاق باين عليكي أنا مش مرتاح لحالتك دي..فارس كبر ياحبيبتي والنانا ممكن تساعدك شوية..مش بقولك تبعدي عنهم بس اهتمي بنفسك شوية علشانهم وعلشاني.
أومأت برأسها في إنهاك ثم أطبقت جفنيها واستسلمت لنوم سريع ثقيل.. يحدثها همسا ظنا منه أنها مازالت تسمعه لكن كلماته ذابت في صمت نومها. وضع رأسها على الوسادة برفق جلس بجوارها للحظة يتأمل ملامحها المرهقة ثم نهض وسحب علبة سجائره متجها نحو الشرفة.
لم يكد يشعل سيجارته حتى دوى رنين هاتفه التقطه على الفور
_أيوه ياماما
جاءه صوت ليال ناعما على الجانب الآخر
_حبيبي عمك هنا..انزل إنت وغادة شوية وكمان هات

________________________________________
الولاد نفسهم يشوفوهم.
مسح على وجهه بتعب يحاول كبح انزعاجه الذي بدأ يتسلل من جديد فهذه ثالث مرة تكلمه والدته لنفس السبب..سحب نفسا من سيجارته وقال بصوت متماسك
_سلميلي عليه ياحبيبتي بس أنا نازل شغل ضروري ومش عارف هرجع إمتى..وغادة نامت دلوقتي.
تنهدت ليال بغيظ مكتوم ثم نهضت أمام ضيوفها ورسمت ابتسامة مصطنعة..ابتعدت بضع خطوات وقالت له بنبرة أم متعبة
_أنا مش كلمتك قبل كده يامالك
_عارف ياماما والله آسف بس حضرتك عارفة ظروفي.
_ظروف إيه ياابني بقالي أسبوع ماشوفتش مراتك ولا ولادك..لو مش فوق مني كنتوا نسيتونا خالص.
_ماما آسف والله لازم أقفل..اتأخرت.
أنهى المكالمة بتأفف واضح ثم التفت نحو الاريكة إلى تلك التي تغط في نوم عميق لا تدري شيئا عن اشتعاله الداخلي..
فتحت عينيها نصف فتحة وهمست بتعب
_مالك بتعمل إيه
اجابها بنبرة خشنة حاول أن يخفي خلفها ضيقه
حاولت أن تعترض لكن الإرهاق سحبها من جديد إلى غيبوبة النوم. ثم دثرها جيدا وجلس على المقعد المقابل يحدق في ملامحها المنهكة...
ظل على تلك الحال حتى غلبه النعاس فنام هو الآخر
بمنزل طارق..
خرجت من المطبخ تحمل طبقا مملوءا بالفواكه تتهادى بخطوات هادئة بينما تبحث عنه بعينيها..لمحته يقف بالشرفة الهاتف بيده يتحدث به وطفله بين ذراعيه.
وضعت الطبق على الطاولة واقتربت منه وماإن وصلت حتى تلقفت صغيرها بحنان من بين ذراعيه وتوقفت تستمع لحديثه الحازم
جهزيه في ملف واحفظيه على اللاب ولما أرجع فكريني بيه..وبالنسبة للأوراق اللي محتاجة إمضاء ابعتيها لمدام رحيل أنا مش هرجع غير بعد يومين.
أنهى المكالمة واستدار نحوها ليجدها تنظر إليه بنظرات غاضبة
مالك ياحبيبتي واقفة كده ليه
ردت بصوت يحمل خليطا من الغضب والغيظ
_مش قولت إن البت دي ماتتواصلش معاك مش قولت هتغيرها لسه موجودة بتشتغل عندك ليه
تنهد بعمق وهو يومئ نحو الطفل بين ذراعيها
هند الولد هيصحى...وطي صوتك..دخلي علي أوضته وخلينا عقلاء شوية..أنا قولتلك عملنا إعلان لسكرتيرة جديدة مش كل مرة هنفتح نفس الموضوع.
احمر وجهها من الغيظ تنادي على المربية التي هرعت بخطوات سريعة
نعم يامدام
_خدي علي دخليه أوضته وخلي بالك منه.
ثم استدارت إليه لتجده يجلس ببرود أمام التلفاز يتناول الفاكهة وكأن شيئا لم يكن.
تقدمت بخطوات سريعة انتزعت جهاز التحكم وأغلقت التلفاز بعنف تصرخ بانفعال مكتوم
أنا بكلمك وإنت قاعد تاكل ولا هامك حاجة!
رفع نظراته إليها ببرود متعمد ثم نهض بهدوء أثار جنونها أكثر وقبل أن تنطق كلمة 
بمنزل يزن.. 
دلفت إلى غرفة ابنتها وقامت بفتح النافذة 
_رولا..حبيبتي قومي الساعة داخلة على اتناشر ومرحتيش عايدتي ضي وزمانها زعلانة منك. 
اعتدلت متأففة تجمع خصلاتها 
_ماما أنا كنت تعبانة كان عندي محاضرات كتيرة وأنا قولت لها تعذرني. 
اقتربت رحيل تقف أمامها وتتطلع إليها بصمت مخذي
_أه وبعد كدا نسهر للصبح وهكذا حالنا ليه بقى علشان حياتنا غلط وياريتك بتحضري كل محاضرتك.. 
نفضت غطاءها واعتدلت من فوق الفراش تقترب من والدتهاا 
_مامي الجميلة
 

 


عايزة آخد شاور وبعد كدا أشوف موضوع ضي.. 
قالتها وتحركت متجهة إلى الحمام.. بينما توقفت رحيل تراقبها بامتعاض تهمس لنفسها
_ربنا يهديكي يارولا يارب. 
خرجت إلى غرفة ابنها وجدته يقوم بعمل رياضيته اقتربت منه ثم أشارت إلى جهاز الحركة 
_عايزة أتكلم معاك. 
توقف بعدما أغلق جهازه واستدار يسحب منشفته متجها إليها 
_اتفضلي حبيبتي سامعك. 
جلست بمقابلته

وتطلعت إليه بحنان
_أختك مش عجباني ياآسر أكيد انت قريب منها وعارف علاقاتها ومش هتخبي عليا. 
مسح وجهه وعنقه بالمنشفة وعيناه على والدته ثم سحب نفسا وزفره قائلا
_مضحكش عليكي ياماما ولا أنا كمان رولا مصاحبة شلة من البنات اللي مالهمش حياة في الدنيا غير الفسح حياتهم كلها تافهة معرفش ليه دخلت هندسة وهي مش حباها.
قالها ونهض من مكانه يسحب زجاجة المياه مع وقوف والدته التي ردت 
_علشان عند وتقليد.
استدار ينظر إليها بعيون متسائلة
_قصدك إيه ياماما. 
تنهدت واقتربت تربت على ذراعيه وأردفت بنبرة موجعة 
_قرب منها هي مش بتتقبل كلام مني معرفش ليه. 
ابتسم إليها 
_حاضر بعد فرح عمو معاذ هقعد معاها وأشوف دماغها فيها إيه.. 
تطلعت إليه بتفاخر مع ابتسامتها الجميلة وقالت
_بحس بكلم يزن مش اسر ابدا 
قهقه بضحكاته وسحب رأسها اليه
_وانا ويزن ايه غير وشوية كلام رومانس ياست رحيل
قهقت تدفعه مع دخول يزن على ضحكاتهم 
_الله الله.. انتي هنا وانا قالب عليكي البيت كله 
زوى فمه واتجه لوالده بنظراته
_مش كنتي تتمني حاجة لابنك تتحقق
قالها وهو يلقي منشفته من فوق عنقه واتجه الى مرحاضه
_ماما اند بابا اوضتكم تحت مش هنا 
توسعت اعين رحيل تنظر الى زوجها بذهول من كلمات نجلها.. 
اشار يزن اليه
_وحياة ابوك لو مالمتش نفسك لاجي احميك بالليفة 
توقف مستديرا إلى والده
_تحميني بالليفة طيب مش هتتكسف ياحج يزن 
خطى اليه بخطوات واسعة مع دخوله الحمام الملحق بغرفته وهو يضحك بصوت مرتفع اتجه الى زوجته
_عجبك كدا.. ومازال صوت ضحكاتها يرنو بالغرفة تحرك للخارج قائلا
_مزعلة رولا ليه جاية تشتكي لي منك 
اعتدلت تنظر إليه 
_معرفش البنت دي بحسها مش بنتي خالص يايزن تفتكر بدلوها في المستشفى.. وهو يتحدث 
_رحيل بطلي غيرة من بنتك البنت هتتجنن منك 
توقفت تنظر اليه بعيونا حزينة
_انا تعبت معاك من الكلام في الموضوع دا ومش هتكلم فيه تاني 
هعملك قهوتك علشان تخلص شغلك 
قالتها وانسحبت دون اضافة حديث اخر
بمنزل أرسلان
كان بلال يجلس إلى جوار حمزة يتحدث معه بحماس عن تخصصه في المخ والأعصاب قاطعتهما شمس وهي تركض للداخل منادية بصوت مرتفع
ضي! ضي!..
لكنها توقفت فجأة حين وقعت عيناها على حمزة وبلال... حمحمت بخجل وقد توردت وجنتاها
آسفة مفكرتش إن في حد هنا.. بما إن عمو وطنط عندنا.
ابتسم بلال وأشار إليها أن تتقدم
تعالي يا شموس مافيش حد غريب. دا حمزة ابن عمو إسحاق مش عارف تفتكريه ولا لأ.
قطبت حاجبيها تحاول استرجاع ملامحه ثم هزت كتفيها واقتربت بخطوات مترددة
_أهلا بحضرتك آسفة بس شموسة ذاكرتها أضعف من ذاكرة النملة بس أكيد نورت كمبوند آل الشافعي
تأملها حمزة بدقة يفصل ملامح وجهها الطفولي محاولا تذكرها ثم رفع نظره إلى بلال
دي بنت عمو إلياس الشقية صح
قهقه بلال 
أيوه بالضبط وانتيمي كمان مش كدا يا قمري.
لكزته شمس وهي تبتعد عنه غاضبة
لم إيدك يا دوك علشان ماتترحمش عليها.
ثم التفتت إلى حمزة بعفوية طفولية وقالت
_طبيعي أكون شقية وأنا صغيرة لسبب بسيط جدا كنا أطفال والطفل الهادئ بيكون مش طبيعي. على العموم اتشرفت بمعرفتك يا دوك.
توقف حمزة لحظة مأخوذا بطريقتها وهجومها الطفولي الساحر قبل أن يجيب بهدوء
_ أنا مش دكتور على فكرة.
مد يده لتحيتها وعيناه عينيها بلونهما العسلي المائل إلى البندق.
وقال بصوت ثابت يحمل نبرة ثقة لا تخلو من الهيبة
_حمزة الجارحي ضابط طيار بالقوات الجوية أو ممكن تقولي طيار حربي على طول.
نظرت إلى يده الممدودة ثم حولت نظرها نحو بلال الذي أومأ لها مبتسما
ابن عمو إسحاق يا بنتي مش فاكراه
يهمس بصوته الرجولي العميق
اتشرفت بمعرفتك أستاذة شمس.. تمتمت بتقطع باهت
فين ضي يا بلال
أشار إلى الداخل فتحركت بخطوات ثقيلة تتشابك فيها ساقاها كأن الأرض تميد تحتها.. في حين تدفقت أمام عينيها مشاهد من الماضي منذ سبع سنوات مضت...
دفعت باب غرفة ضي ودلفت كالتائهة تتجول بعينيها في المكان بلا وعي حتى خرجت ضي من الحمام تضع المنشفة على شعرها.
_ شمس! بتعملي إيه هنا
أشارت شمس للخارج بعفوية وقالت
هو اللي برة دا الواد التقيل اللي كان بيتريق عليا وأنا صغيرة صح
ضيقت ضي عينيها بخبث وسألتها
قصدك مين بالظبط
_ حمزة الجارحي.
ضحكت ضي رغم ما يثقل قلبها من الحزن وهزت رأسها قائلة
هو بغباوته المعهودة ودمه البارد.
فجأة انفجرت شمس ضاحكة وهي تضرب كفيها ببعض
_ يخربيت الغرور! وأنا بحاول أفتكر وأشك في نفسي أقول لا مستحيل دا شكله جنتل التاني كان بيفكرني بيوسف أخويا!
تضجرت ضي بالغضب ثم دفعتها على الفراش لتسقط عليه وسط نوبات الضحك.
خلاص خلاص يوسف أحسن منه بس بقى كفاية يا مجنونة!
لكنها أثارت جنون ضي التي التقطت وسادة وألقتها في وجهها وهي تصيح
أخوكي ولازم أربيه! وحياة قلبي لأخليه يلف حوالين نفسه!
بعد عدة ساعات
عاد يوسف إلى المنزل وصوت خطواته يتردد في أرجاء المكان الصامت. كان إلياس بانتظاره جالسا بصرامة ظاهرة وما إن خطا يوسف للداخل حتى قطعه صوته العميق
_يوسف تعالى عايزك.
تصلبت ميرال في مكانها وعيناها تتأرجحان بين الخوف والقلق. تعرف زوجها حين يغضب كما تعرف عناد ابنها إذا استفزه أحد.
ظل يوسف واقفا في موضعه دقيقة كاملة عيناه مثبتتان على باب مكتب والده قبل أن يلتفت إلى أمه التي كانت تفرك كفيها بارتباك ظاهر.
اقتربت منه نظراته بنظرات مرتجفة
_حبيبي شوف بابا عايز إيه بس وحياة ماما عندك يا يوسف لو كلامه مضايقك انسحب بهدوء بلاش تزعلوا بعض. طبعا أنا مش هقولك باباك بيحبك قد إيه.
زم شفتيه ساخرا وهز رأسه بنفاد صبر
الموضوع أكيد يخص الأستاذة بنت عمي صح
خفضت ميرال عينيها إلى الأرض فتنفس يوسف بعمق وهو يتمتم بمرارة مكتومة
_محدش بعد كده يلومني على اللي هعمله أنا قولت قبل كده مابحبش اللي يخنقني بقراراته. والباشا لازم كلامه يمشي.
شعرت بحرارة غضبه تتصاعد كالنار من بين أضلاعه
حبيبي علشان خاطري لازم تهدى.
أجابها بصوت خافت لكنه حاد
ماما أنا دخلت طب لأن بابا قرر وسكت. لكن قرار تاني ممكن يهدني لا محدش يقولي اهدى سمعتي
_مش يمكن بابا شايف اللي انت مش شايفه
تمتم وهو يتجه نحو مكتب والده
الكل أعمى وبابا الوحيد اللي بيشوف.
دلف إلى الداخل فوجد والده يشعل سيجارته تملأ رائحة التبغ أجواء الغرفة
اقترب بخطوات هادئة وقال بنبرة عتاب خافتة
_كتر السجاير بيهدم الرئة يا حضرة الضابط.
نفث إلياس دخان سيجارته ببطء ثم أشار إليه بالجلوس دون أن يلتفت.
جلس يوسف متنهدا تتأرجح عيناه بين وجه والده والرماد المتساقط من سيجارته حتى فاجأه إلياس وهو يفتح أحد الأدراج ويلقي عليه صورة.
_ينفع اللي حصل دا
تجمد يوسف للحظات أمسك الصورة بين أنامله ينظر إليها بفم مذموم ونبض متسارع.
_أنا قلت لحضرتك اللي حصل ومكنش فيه داعي للصور دي... أنا مبقتش صغير يا بابا والمراقبة دي
قاطعه إلياس بحدة هادئة
_عمري ماراقبتك ليه دايما بتقول كده من وقت ما دخلت ثانوي وأنا سايبك تعتمد على نفسك بس دا ميمنعش إن عيوني عليك... مش مراقبة من أمن مراقبة من أب.
كفاية أبص في عيونك أعرف أنت فيك إيه.
خفض يوسف نظره للحظة ثم قال بصوت متعب
_أنا عمري ماشككت في اهتمام حضرتك.
نهض إلياس متجها نحو الأريكة أطفأ سيجارته في المطفأة ببطء ثم أشار إليه بالاقتراب.
اقترب يوسف مترددا جلس إلى جواره فناوله إلياس الصورة من جديد وقال
_الصورة دي

________________________________________
جت لعمك... مش ليا. بنته اتهانت من ابن عمها في الجامعة.
هل أنت راضي عن نفسك
نظر يوسف في عينيه بثبات
_أيوه راضي. ولو الزمن رجع هعمل كده تاني.
هز إلياس رأسه بعدم رضى وقال بصوت منخفض
_بصفتك إيه يا دكتور
_ابن عمها.
_ومين اداك الحق حتى أبوها نفسه رافض الأسلوب ده... وأنا شخصيا عمري ماوجهت لها كلمة تجرحها.
_بابا عايز توصل لإيه
_ترضي عمك يا يوسف.
_اللي هو إيه
_إنت أعلنت قدام الكلية كلها إنها خطيبتك.
مال يوسف للأمام ينظر في عيني والده بثقة وعناده المعتاد
_بابا أنا مبحبش ضي... بلاش تحسسني إني طفل ومش فاهم مشاعري.
ظل إلياس يراقب غضبه بذهول صامت ثم تنهد قائلا بنبرة متبدلة
_يوسف... أنت عارف أنا اتجوزت مامتك إزاي
قطب يوسف حاجبيه
_أيوه كنت قاعد وقتها لما رحت تخطبها.
انفلتت من إلياس ضحكة مرتفعة ثم تراجع يستند إلى ظهر الأريكة وعيناه تحاصره بنظرات غامضة.
_ايوة وشهدت على عقد الجواز.

. تطلع اليه يوسف بصمت فتابع حديثه
_مامتك كانت أكتر شخص بكرهه في حياتي.
اتسعت عينا يوسف دهشة
_إيه!
نفث إلياس دخانا آخر ببطء ثم قال
_كنت بكرهها... علشان كنت بعشق نظرة عينيها.
رفع يوسف حاجبه مذهولا
_هو حضرتك سامع نفسك
توقف إلياس لحظة ثم نهض متجها إلى النافذة نظر للخارج وكأنه يستدعي الماضي من الذاكرة
_في يوم وليلة بابا قالي اعمل حسابك الأسبوع الجاي كتب كتابك على ميرال... ولو ماعملتش كده اعتبر نفسك مش ابني.
تجمد يوسف مكانه يستمع بصمت حتى تابع والده بصوت مبحوح 
_جه الوقت اللي كنت بهرب منه رغم إني كنت بحبها... بس مكنتش عايز أتجوزها.
التفت برأسه نحو ابنه نظرة طويلة أنهكها الحنين وقال
_كنت مفهمها إني مبحبهاش لأسباب عمرك ما هتفهمها... بس الحقيقة
إنها كانت الوحيدة اللي بتخليني ضعيف أول ما أقف قدامها مبلاقيش إلياس بلاقي طفل... .
بس حضرتك بتحب ماما أوي... يعني الموضوع مختلف.. قالها يوسف بنبرة واثقة
ابتسم إلياس ابتسامة واهنة وقال بصوت عميق
مش يمكن انت اللي فاكر كده يمكن بتبعد عن ضي أو بتوهم نفسك إنك مش عايزها... بس علشان بتضعف قدامها
استدار يوسف سريعا يولي والده ظهره يخفي خلف كتفيه اضطرابا لا يريد إظهاره.
_أبدا يا بابا... أنا مش بفكر في الموضوع أصلا وبعدين ضي مش مناسبة ليا أسلوبها بيعصبني
اقترب إلياس منه وضع كفه على كتفه برفق أبوي وقال بهدوء
طيب اعتبرني مش بفهم... وفهمني. ليه قلت قدام الكلية كلها إنها خطيبتك إيه الغرض المقنع من كده ويا يوسف بلاش تحاول تقنعني بحاجات أنا مش مقتنع بيها.
تراجع يوسف خطوة للوراء نظر إلى والده بنظرات ممتزجة بين عناد وحيرة.
_بابا... حضرتك دلوقتي عايز مني إيه بالضبط ادخل في الموضوع على طول.
أطلق إلياس أنفاسه الثقيلة وكأن الكلمات تحرق صدره قبل أن تخرج
_تتجوز ضي.
ساد الصمت.
توقف كل شيء في الغرفة حتى عقارب الساعة بدت كأنها توقفت لتلك الصدمة.
ظل يوسف واقفا عيناه تحدقان في الفراغ ثم بدأت أنفاسه تتلاحق كمن يحاول النجاة من غرق داخلي.
ثقل لسانه ولم يقو على النطق كأن الكلمات جمر في حلقه.
حاول أن يسحب نفسا طبيعيا لكنه شعر وكأن رئتيه تمتلئان بأشواك تمزقه من الداخل.
تراجع ببطء نحو المقعد جلس ويداه ترتجفان دون إرادة.
نظر حوله بتيه وارتباك كأن الجدران تدور من حوله ثم أخيرا تمتم بصوت واهن
_أتجوزها... مرة واحدة حتى مش أخطبها الأول
أجابه إلياس بصرامة خافتة وهو يثبت نظره فيه
_لأ... تتجوزها.
_بالغصب يابابا 
_مين قال كدا انت اللي حكمت تمتم بها الياس رد يوسف
_حضرتك بتحاول تقنعني بكدا
نهض الياس وتوجه الى الأريكة ليجلس عليها متكئا إلى الخلف نظراته محاصرة لابنه كأنما يزن كلماته بميزان بهدوء متعمد.. وقال بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل سلطته
_انت دكتور يا يوسف المفروض تبقى قدوة مش ولد متهور! عيب في حقك لما أكون أنا اللي أقنعك وعيب أكبر إنك تعلن قدام الكل إنها خطيبتك وترجع في كلامك بعدين. عمر الرجولة ما كانت كلمة تتسحب.. فكر في هيبتك قدام الكل انت لسة في اول طريقك قدامك شهر وتبقى دكتور رسمي مش عايز حد ياخد عليك غلطة الكلام كان في ساحة الحرم الجامعي يادكتور وانت بتحضر لرسالتك شوف اقل حاجة ممكن تتقال ايه 
انحنى الياس ينظر بعمق عيني ابنه 
_ دايما الكلمة منك تخرج بميزان ودايما رجولتك وكرامتك قدام اي حاجة.. حتى لو قلبك عصي عليك الهيبة في الرجولة والكرامة يابن الياس.. لو انسحبوا من الراجل يبقى مالوش قيمة
اشاح يوسف بوجهه عنه بصمت يخفي خلف الصمت مزيجا من الغضب والندم والارتباك. اخرج الهاتف الذي رن بقوة ونظر إلى الشاشة ثم إلى والده بعينين مترددتين.
أشار له إلياس بيده بصرامة ناعمة
_رد.. ممكن يكون مهم.
_دا صديق مش لازم أرد.
_ولو.. ما ينفعش تطنش اتعلم تسيطر على نفسك حتى وانت متضايق.
زفر يوسف بضيق رفع الهاتف ببطء وصوته يخرج باردا
_أيوة يامصطفى
جاءه صوت صديقه من الجهة الأخرى تتخلله نبرة دهشة غاضبة
_إيه اللي شفته وسمعته دا يا يوسف كنت معاك من شوية وأدخل أشوف الأخبار دي
_أخبار إيه
_خطوبتك يا لئيم على بنت عمك! دا أنا عرفتها من السوشيال ميديا مش منك!
تجمدت ملامحه وشعر بأن الدم يفور في عروقه ثم أغلق المكالمة بعنف. فتح هاتفه وبدأ يقلب في الصور المنشورة له مع ضي والعبارات الساخرة تتطاير أمام عينيه كشرر يلسع الكرامة
من الغيرة ما يقتل الدكاترة!
خناقة في الجامعة.. الدكتور يوسف الشافعي يهاجم طالبا بعد ما لمح بالكلام على خطيبته بنت عمه!
تصلبت أنامله حول الهاتف كأنما يخنق الغيظ بيده. نظر لوالده بحدة وصوته خرج خافتا لكنه مشحون بالانفجار
_تمام أنا موافق. كلم عمو وشوف هيقول إيه بس بعد ما أخلص الدكتوراه
استدار مغادرا لكنه توقف على صوت إلياس
_استنى يا يوسف. انت مش صغير علشان أبوك يروح يخطب لك.
قالها بصوت هادئ ممزوج بنبرة تحمل تحديا وقوة لشخصية ابنه 
_انت راجل ومش أي راجل. روح بنفسك خد الموافقة المبدئية وبعدها أبوك يروح رسمي.
يرضيك أبوك يروح و تترفض تخيل شكلي قدامهم هيكون إيه
توقف يوسف والتفت إليه ببطء يحدق في وجه والده بعيون يغشاها الغضب والخذلان معا
_يعني عمي ممكن يرفض
_أكيد ممكن وهو شايفك بالشكل دا.. متردد وغضبان ومش عارف هو عايز إيه.
اقترب يوسف بخطوات ثقيلة كأنها تسحق فوق كبريائه ورفع يده نحو والده وقال بصوت مرتجف من الغضب
_عارف إن حضرتك ورا كل دا.. بس خلاص هافضل ورا دماغك يا إلياس باشا وأشوف بتخطط لإيه بالضبط.
ارتسمت على شفتي إلياس ابتسامة جانبية باردة ولمعة الخبث في عينيه لم تخف عنه
_أحبك يا يوسف لما تبقى فاهم أبوك كدا.
كور يوسف قبضته بعنف حتى بيضت أنامله وصرخ وهو يبتعد
_مش ترجع تندم يا إلياس باشا!
قالها وخرج بخطوات غاضبة تهتز لها الأرض قابلته ميرال التي كانت تقف لدى الباب تستمع منذ البداية بعينين دامعتين وقلب مبهوت.
اقترب منها وهتف ساخرا وهو يمر بجانبها دون أن يلتفت
_أوووه أم العريس وصلت! جهزي نفسك يا أم العريس.. خلاص أبو العريس أقنعني بالجواز!
تركها وواصل طريقه يغلي بداخله كبركان محبوس.
نظرت ميرال نحوه حتى اختفى في الأعلى ثم التفتت إلى إلياس عيناها تمتلئان قلقا وحيرة
_أنا خايفة يا إلياس.. ابنك بيتكلم بغضب مش طبيعي شايفة بيولع من جوه
أدار إليها وجهه ببرود متعمد وقال بنبرة ثابتة
_سيبك منه هيهدى بعدين
اقتربت وجلست بجواره 
_ممكن اعرف ليه عملت كدا 
رفع نظره اليها وقال 
_علشان بعد كدا مايهورش ويفكر مليون مرة قبل مايعمل حاجة مش ابني اللي يقول كلمة ومايكنش قدها 
_بس الولد مابيحبهاش هو قالي كدا 
صمت الياس وزفرات كالوخزات متراجعا برأسه للخلف واطبق على جفنيه 
_البنت بتحبه ومتأكد لو مش بيحبها زي مابيقول هيحبها 

_هو فيه راجل ممكن يتجوز واحدة مابيحبهاش 
فتح عيناه ينظر لداخل عيناها ورد
_ارسلان اتجوز غرام ومكنوش يعرفوا بعض وشوفي حياتهم مبنية على الحب والتفاهم يزن.. منكرش كان عنده حسابات بس بيحب رحيل جدا
تنهدت تهز رأسها بخوفا 
_بس يوسف مش ارسلان ولا يزن يوسف للأسف إلياس ولا نسيت 
_يبقى اللي عملته صح.. قالها بهدوء وهو مغلق عينيه 
_تقصد ايه! 
_اقصد يبقى بيحبها ياميرال ممكن هو مش فاهم مشاعره او خايف بكرة نعرف 
_انت مقتنع باللي بتقوله 
هز رأسه بالرفض واجابها
_للأسف لا.. ابنك مش عارف بيفكر في ايه
ضحكت 
_حرام عليك بتقسى على الولد 
تهكم على حديثها
_قولت لك قومي ابنك اللي تنفعه ضي خليها تربيه او بالاصح الاتنين يربو بعض 
تراجعت على صوت طرقات على باب الغرفة 
_ماما فاضية كنت عايزة اتكلم معاكي 
اعتدلت ميرال تنظر إلى الياس الذي اعتدل هو الاخر ينادي على ابنته 
_تعالي حبيبة بابا
بمنزل أرسلان قبل دقائق
كانت ضي تجلس في شرفة غرفتها تسند ذقنها على كفها نظراتها تسبح في الأفق البعيد كأنها تبحث عن شيء 
نسمة خفيفة داعبت خصلات شعرها لكنها لم تشعر بها.. كانت غارقة في صمتها حتى قطع صوت الهاتف شرودها.
رفعت الهاتف بكسل واضح
_قولي يا شمس دماغي بتوجعني.
جاءها صوت شمس مفعم بالحماس والسر
_اقولك على حاجة بس لو عرفتي حد أنا هزعل منك أوي!
_يا بنتي قولي بسرعة ماليش خلق فوازير!
_سمعت بابا ويوسف بيتكلموا... يوسف هييجي يخطبك!
تجمدت ضي في مكانها وكاد الهاتف يسقط من يدها وقلبها بدأ يخبط بعنف داخل صدرها.
_انتي بتقولي إيه يا شمس!


_والله العظيم سمعته بيقول لبابا روح لعمي واخطب لي ضي بس بابا رفض وقاله انت راجل روح بنفسك ماينفعش أبوك يخطب لك.
انفرجت شفتاها بابتسامة صغيرة ابتسامة مرتبكة بين الدهشة والفرح وامتلأت عيناها بدموع لا تعرف إن كانت من سعادة حقيقية أم خوف من أن تكون أضغاث أمل.
_شمس... أنا بحبك أكتر من أخوكي البارد.
ضحكت شمس بمرحها الطفولي قائلة
_هقوم أنزل أشوف بابا وماما وأفهم إيه اللي غير يوسف كدا فجأة.
_طيب يا شموس... تصبحي على خير.
أغلقت الهاتف وبقيت ضي لدقائق تحدق في اللاشيء تبتسم وحدها كأنها تسمع صوته في رأسها وكأن الكلمات التي طالما تمنتها صارت أخيرا قريبة.. 
_اصبر عليا يامعذب حياتي.. ابتسامة مرحة وهي ترسم بعقلها صور جنونية تتذكر حديثه
_ يارب تلاقي حد يقبل بيكي بس.. 
سمعت طرقا خفيفا على باب غرفتها.
_ادخل.
دخل بلال بخطوات هادئة عينيه تلمعان بحنان الأخ الكبير. 
_ضي ممكن نتكلم شوية
أومأت دون كلام كانت ما تزال غارقة في دوامة من المشاعر.
وقال بابتسامة خفيفة تخفي خلفها الكثير من القلق
_لسه زعلانة من يوسف
رفعت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة ثم نظرت إليه بعينين يغمرهما العتاب
_المهم انت متأكد إني مستحيل أعمل حاجة غلط
_طبعا يا حبيبتي... إزاي أشك فيك
قالها ببساطة صادقة ثم أردف بنبرة واقعية أكثر
_بس شوفي يا ضي يوسف عصبي

________________________________________
وانتي عارفة طبعه. وبرغم كده أنا لو كنت مكانه ماعرفش كنت هتصرف إزاي. ما تزعليش منه هو غلط لما مد إيده بس الغلط دا نابع من غيرته مش كراهيته.
خفضت نظرها إلى الأرض أصابعها تعبث بخصلاتها وعينان شاردة في اللا شئ ثم قالت بصوت خافت
_خلاص يا بلال... الموضوع انتهى من ناحيتي.
وبعدين يوسف... زيك مش زعلانة منه.
ساد صمت دافئ يقطعه خفقان قلبها فقط بينما بلال ينظر إليها ويبتسم بخفة فيها فهم عميق أكثر من الكلام.
تركها وغادر الغرفة بهدوء تاركا خلفه قلبا مرتبكا بين فرحة تولد من جديد وقلق يخشى أن تنطفئ قبل أن تزهر.
بغرفة ارسلان 
خرجت غرام من غرفة الملابس بعدما ابدلت ثيابها راقبت جلوسه الشارد اقتربت تجلس بجواره
_لسة زعلان من ضي 
استدار إليها بصمت ثم اشار الى ساقيها واردف بصوتا خافت لكنه مسموع 
_ النهاردة فيه حاجات كتيرة ظهرت قدامي مكنتش واخد بالي منها 
_ضي بتحب يوسف ياغرام 
ابتمست بحنان وهزت رأسها بالايجاب
_عرفت من فترة 
رفع عيناه اليها وتسائل
_ازاي معرفش
تنفست بعمق وقالت
_مكنتش متأكدة وكمان محبتش اشغلك.. خوفت اكون مأفورة 
اعتدل وجلس بمقابلتها 
_احكي لي ايه اللي خلاكي تشكي فيها
_يوم عيد ميلاد شمس كان جايب لشمس حجاب وجاب لضي نفس الحجاب وقالها شوفي ذوقي احسن من اللي بتجبوه وقتها هي اخدته وكانت فرحانة اوي ودخلت الاوضة تلف بيه كأنه اغلى حاجة 
مسح ارسلان على وجهه بعنف يهز رأسه 
_بس يوسف مابيحبهاش 
_معتقدش ياارسلان هو ايه في الحب غير الغيرة
بمنزل إسحاق
جلس إسحاق أمام جهازه يضع نظارته الطبية عيناه تتحركان في تركيز صارم وقت العمل.
قطع سكونه طرقات خفيفة على باب مكتبه.
بابا فاضي
رفع إسحاق نظره عن الشاشة أغلق الجهاز وأشار لابنه بالدخول بابتسامة حاول أن يخفي وراءها إرهاقه.
تعالى يا حبيبي.
دخل عمران ملامحه متوترة وعيناه تتجنبان النظر مباشرة في عيني والده. جلس بمقابلته أخذ نفسا طويلا ثم قال بنبرة خجولة
فيه بنت عاجباني في الجامعة... وكنت عايز آخد رأيك.
قبل أن يرد إسحاق دلفت دينا وهي تحمل فنجان القهوة برائحة دافئة تملأ المكان. وضعت الفنجان أمامه ثم نظرت نحوهما باستفهام صامت فأشار إليها إسحاق بالجلوس.
عمران بيقول فيه بنت معجب بيها... إيه رأيك
ابتسمت دينا ابتسامة أم رأت في ولدها طفل الأمس وهو يكبر أمامها فجأة
حبيبي كبر وكمان عايز يخطب!
ضحكت بخفة لكن إسحاق لم يشاركها تلك الضحكة. كانت ملامحه جامدة صوته هادئا لكنه يخفي انفعالا أبويا واضحا.
يا دينا... حبيبك كبر فعلا بس ما فكرش زي الرجالة.
نظر إليه عمران بتساؤل حائر لم يفهم إن كان والده يمازحه أم يوبخه.
نهض إسحاق من مقعده استند براحتيه على المكتب وأردف بنبرة صارمة يختلط فيها الغضب بالحرص
إنت لسه قدامك سنة غير السنة دي... تقدر تقولي إزاي عايز تفتح بيت وإنت لسه مش موظف
رفع عمران رأسه بثقة مترددة يحاول أن يبدو راشدا أمام أبيه
حضرتك معاك فلوس كتير يعني مش محتاج أشتغل.
ضحكة قصيرة خرجت من بين شفتي إسحاق لكنها كانت أقرب للغصة منها للضحك. اقترب منه وضع يده على كتفه وقال بصوت أكثر لينا
حضرتي لما أروح أخطب لك البنت هقول لوالدها إيه ابني شغال إيه بلاش كده يا عمران هتعيشها منين
أطرق رأسه قليلا ثم قال في عناد بريء
ما تقلقش يا بابا الراجل عارف إنك غني أوي مش هيسأل.
هز إسحاق رأسه ببطء وعيناه تتأمل وجه ابنه كما لو كان يراه للمرة الأولى مزيج من البراءة والطيش والرغبة في الحياة.
ربت على كتفه وقال
طيب يا حبيبي... هتكلم مع ماما ونتفق ونشوف نزورهم إمتى قوم شوف وراك إيه.
ابتسم عمران بارتياح نهض وغادر الغرفة بخطوات خفيفة بينما بقي إسحاق واقفا مكانه يتابعه بعين مثقلة بالقلق.
أطلق زفرة طويلة خرجت كأنها تنهيدة أب يرى ولده على أعتاب الخطأ ولا يملك إلا مسايسته
وقفت دينا تراقبه بصمت ثم همست
إنت سمعت اللي سمعته
نظر إليها إسحاق نظرة فيها شيء من التحذير والرجاء
اهدي يا دينا مينفعش نقول حاجة دلوقتي... أنا هتصرف.
اقتربت منه بخطوات مترددة وقالت بنبرة مليئة بالخوف
طيب هتسيبه كده دي شكلها صوته خرج خافت لكنه حازم
دينا ممكن تكون البنت مظلومة... ما نستعجلش بالحكم.
ثم أدار وجهه نحو النافذة يتأمل ظلمة الليل كمن يحاول ترتيب أفكاره المتشابكة.
المهم أنا هكلم حمزة علشان نروح نخطب ضي... كنت مستني حمزة بعد زيارته لأرسلان يجي يكلمني عنها لكن اللي حصل إن عمران هو اللي سبق.
رمقت دينا وجهه باستغراب ممزوج بالدهشة
تقدمت دينا وربتت على ذراعه بحنان أمومي
خلاص كلمه... وأنا هكلم غرام ونروح نزورهم بكرة بالليل.
مساء اليوم التالي 
دلف الى منزل ارسلان.. وجدها تجلس بالحديقة تستند بظهرها وتنظر الى السماء شاردة اقترب من جلوسها ظل يحدق في جلوسها الصامت للحظات ثم حمحم حتى تنتبه لوجوده 
اعتدلت ولكنها لم تنظر اليه بل رفعت حجابها على خصلاتها.. وقالت
_لو جي تعتذر مش قابلة اعتذارك ولا قابلاك على بعضك 
تحرك إلى ان اصبح امامها وانحنى يسحب كفيها غصبا ينظر لأناملها ثم تركها وقال
_اعتذر ليه هو انا غلطت واحد شاف حد بيقرب من حاجة تخصه مش من حقه يغير
توقفت تنظر اليه كالمعتوهة رغم انها تعلم أنه سيأتي لخطبتها ولكن حديثه شل عقلها للحظات زفرت امامه بغضب نطقته عيناها
_ سحبت كلامي خلاص
_مش عيب ترجعي في كلامك ليه عيلة دا حتى ابن عمك حلو 
_غير ان الكيميا بتاعتنا هتجيب عيال يقلبوا العالم 
جحظت عيناها تنظر اليه بذهول خجل
للحظة ارتجف جسدها من كلماته ولكنها اعتدلت سريعا
_ايه للانفلات والغرور الأهبل دا 
_دي ثقة يابنت ارسلان.. قالها واستدار وهو يطلق صفيرا عدة خطوات ثم توقف مستديرا 
_زغرطي ياضلمة.. هتبقي مرات يوسف الشافعي... قالها وتحرك للداخل بينما هي تتابع تحركه وغروره بنيران كادت ان تحرقه ركضت خلفه دلف للداخل ملقيا السلام مع كلمات اسحاق لارسلان 
_قولت ايه ياارسلان نجوز ضي لحمزة 
توقف كالجماد الذي لا يشعر بشيئا رفع ارسلان نظراته الى يوسف مع صوت ضي بالخلف 
وأنا موافقة على حمزة ياعمو اسحاق 
قالتها بصوتا كالرعد ليستدير إليها يوسف ينظر لعيناها بنظرات غاضبة ثم قال 
وأنا بقول ألف مبروك يابنت عمي 
هب ارسلان من مكانه مع كلمات ابنته بخروج يوسف من منزله.. مع نزول حمزة من سيارته وخروج شمس من منزلها تصيح باسم اخيها
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
ما أقسى أن يسبق القرار الشعور
وأن تقال نعم بينما الروح تصرخ لا.
أن يهنأ القلب على خسارته
ويجبر العاشق على التظاهر بالثبات
في حين كل شيء فيه ينهار بصمت.
ليس كل مبروك فرحا
ولا كل قبول رضا...
بعضها يقال لتدفن ما تبقى من حلم.
فيا من ظننت القلب يصرخ بحبك
اعلمي أن الصمت أقوى من أي صرخة
وأن الابتسامة أحيانا تخفي بحرا من الدموع.
ويبقى القلب صامتا يحمل كل الألم وحده...
خرج يوسف من منزل عمه خطواته سريعة تحمل في طياتها غضبا مكتوما وصيحات شمس

تتعالى خلفه وهي تقترب من سيارته.
مع نزول حمزة من سيارته عيناه على ساعته التقطت أذنه صوتها المألوف..
رفع رأسه والتفت ناحيتها يراقبها وهي تتحرك صوب يوسف الذي قاد سيارته مبتعدا دون أن يلتفت إليها.
توقفت شمس بتذمر تعقد حاجبيها وتهمس في نفسها
_أكيد اتخانق مع ضي..وهتوقع على دماغك ياشموسة.
قالتها ولم تدري أن خلفها عينان 
استدارت لتعود إلى منزلها لكن خطواتها تباطأت حين قابلت نظراته مباشرة.
أومأت له برأسها وتحركت دون حديث إلا أن صوته استوقفها بنغمة هادئة مشوبة بشيء من الجرأة
_عاملة إيه

 

تم نسخ الرابط